ما وراء مصطلح وتطبيقات وقت الجودة Quality Time مع الأطفال

31 يوليو , 2017

إذا كنت والدًا مشغولًا – وأي والد ليس كذلك؟! – بما لا يتيح لك قضاء الكثير من الوقت مع أطفالك ، فإليك ابتكار Quality Time أو الوقت ذي الجودة، الذي يعني بأن ساعة مثمرة مع أطفالك توازي بل تعظم في الأثر أسبوعًا كاملًا من حضورك بلا جدوى حقيقية.

وكالمعتاد تم مط الاصطلاح وسحبه باكتساح ليختلط مع ملفات تربوية أخرى، وفي السطور التالية نحاول فض هذا الاشتباك لتحقيق خير ذلك المفهوم دن الانزلاق لشروره:

أن تحرص على أن يكون الوقت الذي تقضيه مع طفلك في نشاط ما مثمرًا أمر مستحسن بالتأكيد، وقد يتطلب ذلك منك تخطيطًا وإعدادًا مسبقًا تُحمَد عليه. غاية ما يراد به مصطلح الوقت ذي الجودة أن نتذكر أهمية الانقطاع لما نقوم به مع أطفالنا والتركيز معهم وعليهم، لا التشاغل أثناء التواجد معهم بأشياء أخرى ننهيها في الوقت الضائع، كالمكالمة في الهاتف والرد على الرسائل والبريد! فنحن ننظر لهذه الأمور على أنها “فرعيات” ننهيها بذكاء إلى جانب العمل الأساسي وهو قضاء الوقت مع الطفل. والطفل ينظر إليها باعتبارها ندًا له في وقته، أو باعتباره هو فرعًا مشتركًا معها!

أمّا أن يتحول المصطلح لذريعة نبرر بها قلة حضورنا لأطفالنا، ويصير تصور النشاطات الموجهة المحددة هو النمط الرئيس والسائد في التعامل مع الطفل، هنا مناط الإشكال. لأن الطفل كائن بشري بما يعني نفسًا معقدة البواعث والعواطف والاستعدادات، بما يتجاوز إمكانية ضبطه وهندمته كأنه مكعبات هندسية ذات أبعاد محددة مدببة!

فما الذي يحدد معيار الجودة على وجه الدقة؟ هل هنالك معيار عالمي سينطبق على كل الأطفال وكل الآباء وكل المنازل؟ وهل من تخمين مسبق عن زمان توفر مثل تلك الساعات؟ أم أنها حين تتوفر نجعل منها ما يسمى وقتًا ذا جودة؟ للوهلة الأولى – مثلًا – تبدو كفة الجودة هي الراجحة حين نقارن ساعة مدروسة من نشاط موجه (كقراءة قصة له)، مع روتين يومي كربط حزام كرسيه في السيارة.

ثم الجودة بمنظور من؟ منظور الوالد الناضج الراشد العاقل، أم منظور الطفل اللاهي اللاعب الذي لا يقيم للأمور نفس الميزان؟ الخروج لركوب الدراجة مع طفلك مما يمكن أن تعده ذا جودة وذا ذكرى، لكن ماذا عن شعور طفلك وذكرياته عنها من نوع لون الخوذة التي اشتريتها ليس اللون المفضل لديه، أو توقيت الخروج الذي ناسبك ولم يناسبه حينها لكنه رافقك لأنك ببساطة “الرئيس the Boss”؟

فالجودة من منظورك قد تجعلك تحت ضغط قالب معين أو معايير شخصية، تحبط عندما لا تسير الأمور مع طفلك على النحو الذي خططت له، متناسيًا أن محور الخطة هو طفلك وشعوره هو تجاهك ومعك، وليس العكس.

فقد تخطط لإنهاء قصة ما معه، لكنه يريد أن يناقش ويحاور ويتساءل عن مدلول كلمة أثارت في نفسه تصورات، تجدها أنت من الجدل العقيم الذي سيضيع جودة الوقت، ومن ثم تكرر على مسامعه المقولة المعروفة “استمع بهدوء”، “كف عن الثرثرة”، “لنعد للمهم”، وبالتالي صار إنهاء القصة هو معيارك للجودة، لا كيف انتهت، ولا ما كان وقع عملية القراءة والتفاعل على طفلك، هذه الرحلة أهم عند الطفل وأشد وقعًا في نفسه من النتيجة النهائية. وكم من قصص لا تصل لصفحتها الأخيرة، لكن يظل طفلك يذكر كلمات فيها أو فقرات ارتبطت بتمثيلك لها وضحكه منها.

 

لا يكن تركيزك على تحويل أوقاتك مع اولادك لذكرى طيبة، بقدر ما تهتم بتعميق الروابط بينك وبينهم. مما يعني أنك قد تمضي معهم وقتًا غير ذي جودة أو جدوى بالنسبة لك: وأنت تستمع لثرثرة تافهة عن يوم دراسي، أو تطيب خاطرًا وتمسح دموعًا إثر شجار مع طفل في الروضة.

هذه الأوقات لن تكون ذكريات برّاقة كيوم نزهة أو ركوب خيل مثلًا، لكنها تلك الأوقات “الروتينية” (في تقديرنا) والأدوار الأبوية المعتادة (بالنسبة لنا) هي ما تشبك قلب طفلك بك وتصله بكيانك، فيسعد بكل وقت يكون فيه بصحبتك، وكل لحظة تكون متواجدًا فيها ولو كنت تفعل نشاطًا وهو يقوم بغيره.

ومفتاح ذلك أن تنظر لوقتك مع طفلك من منظوره هو لأنه وقته هو معك، وقته أن يفهمك ويُفهِمَك نفسه. بحيث لاحقًا حين يكبر هو سيكون عليه أن يقدّر وقتك معه وينفقه على الوجه الذي توده أنت.

تذكر أن تربية طفلك وتقويم شخصه وتشكيل شخصيته، أولى بكثير مما تشتغل عنه باسمه أو بسببه، خاصة حين يتعلق الأمر بتوفير كماليات ورفاهيات وضمان مستويات مفخفخة من المعيشة، تنتج المزيد من الأجيال الخاملة البليدة المتحركة بالريموت والحاملة لأرطال الدهون!

 

فعجبًا لجودة مفقودة المفهوم من بداية السلسلة التربوية، مزعومة التأثير في نهايتها!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك