من أين أبدأ تهذيب نفسي وعمران ذاتي؟

30 يوليو , 2018

تحديات فهم الذات ومعاملتها كثيرة، اخترت من بينها أن أشارككم في مقام التنبيه هذا ما وجدته من تجربتي أولًا ثم ما وصلني من تجاربَ ثانيًا، هو المفتاح الذي به تُفتَحُ لك أبوابُ نفسك أو تُوصدُ دونَك. ذلك المفتاح هو أن تقيم عالمك في نفسك أولًا، قبل أن تُقبِل على العالم القائم بالفعل وتخالط عوالم الآخرين أو تسمحَ لها بمخالطتك. أن تنشئ بين ضلوعك جنتك .. التي بها تعبر الدنيا .. لجنة الله!

 

إنشاء هذا العالم الداخلي يقوم إجمالًا على ثلاث ركائز في تقديري (تفاصيلها مبثوثة في مقالات أخرى وإنما أقتصر هنا على مقام الإجمال):

 

على مستوى البِنية الفكرية والعلمية: نسق المفاهيم والمبادئ والمعايير والتصورات التي تصوغ رؤيتك لهذا الكون ومنهاجَ سيرك فيه.

 

ومن الآفات المنتشرة الاعتماد بالأساس على السؤال طريقًا للعلم، وهذا أشبه ما يكون بتلقيط الحبوب بمنقار عصفور في حقل مترامي الأطراف. نعم شفاء العَيّ السؤال (العَيّ عدم الفهم)، لكن شفاء الجهل العلم.

فالسؤال كالفتوى، جواب مخصوص في سياق مخصوص لحالة مخصوصة، أما الرؤية الكلية والبنية العقلية فلا تتأتى إلا بطلب العلم رأسًا من مَظانّه، ومنهجيًا من بداياته، وسويًا على يد أهله.

 

على مستوى البنية الوجدانية : بالعناية بمتكاملاتِ ومتلازماتِ الوجود الشعورية: من الجمالِ حيث العطف والحب والهوى، ثم الجلالِ حيثُ المجدُ والفخر والسنا، والكَلالِ حيثُ الشوق والوجد والجوى، والمَلالِ حيث الوجع والسّقَم والضنى. كلها جميعًا تنبثق منها أنفاس الحياة، ولا تكون حيًا حتى تخالطها وتخالطك وتعاركها وتعركَك.

 

ومن الوهم والاختزال مثلًا أن يكون مفهوم الاستقرار النفسي أو السلام الداخلي رديفًا لركود الروح وهمودها وبلادتها. مفهوم الاستقرار على الحقيقة أن تُقِرّ بأن الأصل في النفس أن تكون حية نابضة، جياشة فائرة، لا تخلو من هم أو مسرة، وتساؤل أو جواب، وحيرة أو رشاد، وفكر أو تفكر، ويقظة أو تغافل… إلى آخر معالم الحياة. أما أن تعيش منتظرًا أن تستقر نفسيًا بذلك المعنى العدمي، فقد حكمت على نفسك بالفعل أن تعيش في قلق مفتعل بانتظار استقرار متوهم يجعلك في عِداد الموتى وأنت بعدُ بين الأحياء.

 

ومن المتكاملات المتلازمات كذلك الآلام كما المسرّات والأوجاع كما العافية. ذلك أنك مهما توخيت المشي بحذر لن تعدم يومًا عثرة في الطريق، لكن كم من عَثْرة كانت بداية نهضة أقوى. فالألم إنما يراد في الأصل نورًا للقلب لمن فقه، بل هو نور القلب عند الفقيه. إذ فيه من المعاني في سَقَم الروح ما لا يتجلّى لها في عافيتها، كما أن في أوراق الخريف تجديدًا لرَيْعان الربيع، ومن دموع السماء تفتّحَ أزاهير الرّياض.

 

والركيزة الثالثة على مستوى السعي اليَقِظ: وذلك بحكمةُ الموازنة بين السياقات التي تَعرُض لك وتعرض لها في سيرك بحسَب ما يعبر عنك، والحذرُ من الانسياق وراء معارك وهمية ومشاكل مستوردة من خارجك ليست مما يعنيك.

 

واليقظة في السعي تكون أولًا بالحرص على تخيّر السياقات التي تعبر عنك حيثما أتيح لك، دون أن تخشى عواقب ما لا يملكه إلا الله مثل دفع ضُرّ، أو تحصيل رزق أو إيجاد بديل، فلا تبقَ في سياق يضنيك لأن غيرك يحسّنه، ولا تنتزع نفسك من سياق تجد أنك فيه قائم على ما تحسن لأن غيرك لا يحبذه.

 

وثانيًا بألا تستهين أو تتهاون في توزيعة السياقات والمهمات ، وإنما كل ميسر لما خلق له ومكلف بما أوتي من طاقات، فمن عباد الله من عبوديته أن يقوم في الناس خطيبًا، ومنهم من عبوديته أن يستمع، أو يَنصِب المنبر وينصرف لحاله، وهكذا. ليس في العبودية لله أدوار بطولة أو أدوار ثانوية، وإنما المراتب في صدق الابتغاء والتوجه.

 

تلك هي الركائز الثلاثة: البنية الفكرية والوجدانية ، والسعي اليَقِظ .

وهذا السبيل لا يستقيم لمتخاذل واهن متذبذب مغرِق في الدلال أو متتبع لأحوال غيره من الأنام، فأجْمِع أمرَك واختر لنفسك وخذ عمرك بقوة. وحدك تتحمل مسؤولية وجودك لأنك لا تكلف إلا نفسك، ولا تكلف إلا وُسعَك، ولا تكلف إلا ما أوتيت. مهما يكن ما أُقِمت فيه أو كلفت به أو تمتحن به فأنت عليه بالله قادر، فاستعن بالله ولا تعجز.

ولا يَتِمّ لك ذلك حتى يفورَ بقلبك صَهَدُ الشباب، ويَضِج بصدرك هُتاف الحياة.

فلا تتجنبْ وعور الشِّعاب، ولا تخشَ لهب العِبء المُسْتَعِر.

ولا يفُتك مع ذلك أن تناجِيَ الغَمام، وأن تَهجَع ليلة في كَفِّ القمر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك