ناظرني.. حتى تأكل العنب دون قتل الناطور!

23 يوليو , 2018

“بدك العنب ولا بدك تقتل الناطور” دائمًا ما نسمع هذه المقولة الشعبية عند أي جدال أو مناقشة بين شخصين أو أكثر حول قضية ما، وفي الغالب تتحول هذه النقاشات إلى ساحة حرب لا خاسر ولا منتصر وكلا الطرفين متعصب أعمى لرأيه.

 

لا ريب أن مجتمعاتنا العربية تعاني من آفة الدوغمائية “التزمُّت لفكرة معينة دون قبول النقاش فيها أو الإتيان بأي دليل ينقضها”، فلا رأي ولا رأي آخر مقبولًا، نريد أن تسيطر أفكارنا على كل شيء في هذا العالم حتى ولو لم تكن تحمل من الصحة أي برهان أو دليل.

 

السؤال هنا: كيف لي أن أقطف العنب دون قتل الناطور؟!

أو بمعنى آخر كيف يمكن أن أتمالك نفسي عندما أقابل رأيًا مخالفًا لرأيي؟ هنا “مربط الفرس” كما يُقال، وهنا يفيد فن المناظرات فائدته المحورية في جعل الشخص مجبرًا لأن يستمع لمخالفيه في الفكر والتوجه ومحاورتهم في الفكرة وليس محاورة الشخوص، مسلحًا بأدلة تثبت خطأ الطرف المقابل أو صحة ما يقول.

 

تجربة فريدة

تقول المناظرة إسلام البلبيسي عن غمار تجربتها في التناظر:

“تجربة المناظرات فتحت آفاق تفكيرنا، ووسعت مداركنا إلى أمور أبعد من توقعاتنا وتصوراتنا الذهنية أو التقليدية حول القضايا الموجودة في المجتمع، وأضافت لي الكثير حول كيفية تعاملي مع خصم آخر يمتلك وجهة نظر مختلفة”

 

وترى صاحبة (22عام)، أن المناظرات تلعب دور هام في تشجيع الرأي العام على الانخراط والتفاعل مع القضايا العامة والمهمة في المجتمع عن طريق خلق مجال للحوار.

تكمل إسلام البلبيسي: “المناظرات تساعد في صقل شخصية المناظر أمام الناس، وتعلمه تقبل الربح أو الخسارة بكل روح رياضية وضبط للنفس في حال لم يحالفه الحظ”.

 

وتبين أن المشاركة في المناظرات ساعدتها في تطوير نفسها في عدة جوانب، مثل البحث عن المعلومة والتثبت من مصداقيتها، وتنمية القدرات الشخصية، وبناء الذات والقدرة على مواجهة الجمهور.

 

المناظرات عِلمًا، عربية الأصل، وفنًّا ممارستها قديمة حديثة، تهتم  بقواعد الحوار والجدال التناظري وشروطه بقصد الاستماع لأفكار وحجج كلا الطرفين المتنازعين للوصول إلى نقطة إقناع بينهما.

 

هناك عدة تعريفات علمية للمناظرة ومنها: “هي شكل من أشكال الخطاب العام وهي عبارة عن نقاش رسمي ومواجهة بلاغية بين متحدثين اثنين أو أكثر حول قضية معينة ضمن فترة محددة”، وتشيع المناظرات في البيئات الاجتماعية والسياسية والدينية والتعليمية على مختلف المستويات.

 

وتفضل المناظر عبد الرحمن الحمضيات بالقول:

“فن المناظرات ساحر بما يحتوي من تفاصيل وقدرته على التحكم في كيفية التفكير، فقد علمنا أشياء كثيرة لم نتعلمها من الجامعة، كما أنه يبرز الجانب الإيجابي الموجود في شخصيتي والقدرات التي أمتلكها”.

 

 

وتابع: “هذا الفن يتيح الفرصة أمام المناظر للتعرف على كيفية تفكير كل شخص مخالف لفكره أو للقضية المتناظر عليها، والتأكيد على وجوب احترام وجهات النظر الأخرى كيفما كانت.

ويضيف الحمضيات: “التجربة التي خضتها في المناظرات جعلتني أكثر عمقًا، وساعدتني في التفكير بشكل أوسع، كما اكتسبت مهارات جديدة أضفتها إلى خبراتي السابقة “.

 

الحقيقة هي الهدف

من أسمى ما يهتم به فن المناظرات، وضع ضوابط لأي حديث أو نقاش مع المخالفين لرأيك وتقبل أفكارهم دون تجريح أو محاولة لتغليب رأي على رأي، فالهدف الأكبر هو الوصول للحقيقة من خلال مقارعة الحجة بالحجة والبراعة في إقناع الخصم وتأصيل منهجية الحوار في المناهج التعليمية وأساليب الحياة.

عن أهمية هذا العلم يتحدث المدرب طلال أبو ركبة:

“مفهوم المناظرات في جوهره يعكس الحوار والحق في الاختلاف، بحيث يتم الاستناد على هذا الحق لبناء مجتمع يستطيع الارتقاء، ويتجه نحو الإبداع على حساب النمطية في التفكير والسلبية في التعامل مع الاختلاف”.

 

ويوضح أن مراحل التدريب في فن المناظرات يجب أن تتطرق إلى أبجديات الحوار العقلاني الهادف مهمته الأساسية استعادة مفاهيم حرية الاختلاف وتعدد الرؤى ووجهات النظر أمام حالات الهيمنة والتشويه على خلفية الرأي السائدة في مجتمعاتنا.

ويضيف أبو ركبة: “انتشار فكرة المناظرات في العديد من الدول العربية في الآونة الأخيرة دلالة على نجاح هذا النهج في إيجاد مساحة أكبر للشباب ليعبروا عن وجهات نظرهم المختلفة والمخالفة في الكثير من الأوقات للنظم المجتمعية السائدة”.

 

منهج حياة

كان لهذا العلم البصمة الواضحة في حياة العرب وحواراتهم، ولعل من أهم المجالات التي استخدمت فيها المناظرة أن ذاك، المجال الأدبي بين الشعراء  -المناظرات الشعرية- التي كانت تقام في وسط أسواق المدينة.

 

واهتمام الأدباء بهذا الفن ظهر بصورة كبيرة عند الأديب الجاحظ في مقدمة كتابه “الحيوان”، حيث بدأها بمناظرة بين صاحب الكلب وصاحب الديك، وفي هذا إشارة لأهمية هذا الفن في توصيل المضامين بدقة وسلاسة.

 

يمتلك هذا الفن سحرًا عظيمًا لما يضفي للشخص المتمرس عليه أدوات الإقناع والمحاجة بشكل عقلاني موضوعي عند طرح أي قضية، يأخذك من الإطار الصغير الذي كونت فيه أفكارك ومعتقداتك ومفاهيمك حول الحياة، إلى إطار الإدراك الأكبر والوعي الأعمق للأشياء وما يدور من أحداث في هذا الكون أو على الأقل في محيطك المجتمعي.

 

لا بد لهذا العلم أن يُغرس في مناهجنا الدراسية أداةً تعليمية تساعد على الإبداع والنقد البناء القائم على الأدلة والبراهين، وتنمي في نفوسهم تحمل المسؤولية  والقدرة والمهارة في التأثير على الآخرين وأفكارهم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك