نظرية خط الأعداد والوصول متأخرًا (1)

1 أبريل , 2018

الرياضيات! عزيزتي التي لا أمل من الحديث عنها أو التعلم منها، هذا العلم الذي يفتح آفاق معرفتي ويجعل عقلي يتنفس الصعداء ويشعرني بروعة الحياة والحرية.

 

ذات يوم بينما كنت أدرس مساق (التفكير الفعّال من خلال الرياضيات) والذي كتبت حوله 9 تدوينات سابقة يمكنكم قرائتها على الموقع، توقفت كثيرًا عند مفهوم خط الأعداد، كيف بدأ العد؟ وكيف قررنا أن نمثل معرفتنا بالأعداد على هذا الخط؟ ولمَ رمزية الخط الممتد بلا بداية ولا نهاية؟


عزيزي القارئ، دعني أناقش هذه الفكرة التالية معك والتي لا أعلم إلى أين ستصل في نهاية هذه السطور، فقط علينا أن نطرح الأسئلة ونسير وراء الإجابة، التي قد تختلف من شخص لآخر، ولكن في النهاية سنكون قد فعلنا ما علينا في محاولة فهم ما يدور حولنا.


ما الذي يجعلنا نعتقد بأن الصفر هو منتصف خط الأعداد؟

لماذا ليس الواحد الصحيح؟ ولماذا نعتقد من الأساس أن هناك منتصفًا أو مركزًا لخط الأعداد؟

لماذا علينا أن نبدأ من الصفر؟ هل حقًا نحن نبدأ من اللاشيء وننطلق إلى اللانهاية؟ وهنا أنا لا أتحدث عن الرياضيات أو الأعداد فقط، بل أتحدث عن طموحنا وأحلامنا وتطلعاتنا في هذه الحياة؟

 

أنا لا أؤمن الآن أن الإنسان يبدأ من الصفر، في أي حلم أو تطلع أو هدف يسعى لتحقيقه، هناك العديد من العوامل التي ساهمت في تكوين هذا الحلم والهدف وجعلته أوضح في مرحلة ما، حتى وإن لم ندركها في هذه اللحظة.


كتبت صديقة لي ذات مرة أن الإنسان لا يستطيع الهرب من حقيقته وطبيعة شخصيته وأحلامه، مهما حاول ومهما مر عليه الزمن، ستجده يحاول الوصول لها بشكل ما أو بآخر، والبعض يمتلك الشجاعة والجرأة الكافية للاعتراف بها والعمل من أجلها في أي وقت دون النظر أو التوقف لأي سبب أو عامل سلبي، فهو قادر على قلب هزيمته لانتصار والتعلم مما حدث له ليتجنب الوقوع في نفس الخطأ مرة أخرى.


أتحدث عن هذه الفكرة، وأطرح هذا السؤال بسبب ما أشعر به حاليًا تجاه أحلامي وطموحي، أهدافي التي وجدت نفسي كنت أسعى لها منذ صغري بطرق مختلفة دون أن أدرك ذلك، حياتي ما بعد التخرج من سجن وجحيم النظام التعليمي وسرقة أعوام وأعوام من عمري في عمل اللاشيء ومحاولة محو وظيفة عقلي وصناعة “دابة” جديدة تسير على الأرض لخدمة هدف محدد يسعى إليه أصحاب السلطات والقائمين على الأنظمة التعليمية لتخريج مواطنين صالحين للقيام بالمهام المحددة، والمرسومة لهم من وجهة نظرهم.


منحنا الله العقل والفكر والحرية، للتدبر والتفكر في الكون وإدراك ما يحيط بينا، لنفهم ذواتنا ونسير وراء ما زرعه في قلوبنا من حُب تجاه أفعال ومهام محددة، وفقًا لطبيعة شخصية كل منا، لنبدع ونعمر الأرض بسعادة وحُب وإخلاص.


لن تجد شخصًا يفعل ما يحُب بصدق وإخلاص يحاول التملص من مهامه اليومية، أو ينظر في ساعته في انتظار انتهاء ساعات العمل الثمانية المفروضة عليه ليسارع إلى منزله، خائر القوى منهكًا ، غير قادر على منح أهله وأصدقائه الحب والرعاية المطلوبة لأن قواه قد نفذت!


لن تجد شخصا مُحبًا لعمله يرى أن ما يقوم به هو فرض عليه من رئيسه أو شركته أو أيًا كان الشخص المسؤول عنه، لن ينتظر الأمر يأتيه للعمل، هو من نفسه يضع الخطط وينظم الوقت ولا يشعر بأي تعب حتى ينتهي من مهامه، لينام قرير العين مرتاح، وهو يحلم بيوم غد مُحمل بآمال وتطلعات جديدة للوصول لهدف أكبر.


أصدقائي الرائعين المُلهمين، أصدقائي الذين لم يكونوا يومًا في صورة الأبطال الخارقين الذين يتوقع لهم المجتمع النجاح الباهر، لأنهم يحصلون على أعلى الدرجات في الاختبارات المدرسية، الذين قرروا بعد سنوات من الدراسة والتخرج في تخصصات لا يعرفون لماذا درسوها وكيف تفيدهم، أن يقوموا بدراسة ما يحبوه ويبدأوا بالعمل من أجل حلم الوصول لأهدافهم السعيدة.


كل حكاية أسمعها منهم تخترق قلبي مُحملة بالإلهام والمساندة والدعم لاستكمال سعيي في الوصول لما أحب، وأنا كافرة تمامًا بعامل الوقت والعُمر والزمن، فليس هناك أي سبب يدعونا للتخيل بأننا وصلنا متأخرين، وأن الوقت قد مر وعلينا الاستمرار فيما فُرض علينا وبدأناه منذ الصغر.


العُمر والزمن والوقت، تمامًا كخط الأعداد، ليس لهم بداية ولا نهاية، ومركزهم ونقطة الصفر خاصتهم هي التي نقرر فيها البدء والعمل، نقطة الصفر التي سبقها سنوات سالبة كثيرة، لكنها تحمل قيمة لا نستطيع نكرانها، ينسى الكثيرون أن ما قبل الصفر هي أعداد لديها قيمة بشكل عسكي لما بعده، والصفر فقط هو ما يصنع الفارق بينهم، الصفر هو نقطة التحول  الخاصة بكل فرد منا.

 

هُناك حكمة شهيرة أحترمها تقول “أن تصل متأخرًا، أفضل من ألا تصل على الإطلاق”، ولكن دعني أذكرك بأنك لم تصل متأخرًا يا صديقي، أنت انطلقت من بدايتك الخاصة، وقتك يبدأ الآن، فلا تهدره.


عزيزي خط الأعداد، عزيزتي الرياضيات، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، هناك الكثير لنقصه سويًا على بعضنا البعض في هذا الشأن، لا تسعه السطور هذه، عليّ التوقف عند هذا الحد، واستكمال البقية في تدوينة لاحقة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

Avatar

[…] التدوينة السابقة تحدثت عن التشابه ما بين رمزية خط الأعداد وحياتنا […]

أضف تعليقك