هل حقًّا الفضول قتل القط؟

10 أغسطس , 2019

أحد أكثر العوامل المؤثرة في السلوك البشري هو الفضول، فهذه الرغبة الإنسانية الأصيلة في الاكتشاف والتعلم والبحث كانت دائمًا المحرك الرئيس لكثيرٍ من أهم الإنجازات في التاريخ البشري، في حين أن فوائد الفضول بالنسبة للقطط ما تزال محل جدال، فلا شك في أنه يمثل ركيزة أساسية للتقدم البشري.

لذا يجب أن نسأل، هل حقًّا الفضول قتل القط؟ بالتأكيد سمعت هذا المثل الإنجليزي الشهير من قبل، ولكن ما هو الفضول تحديدًا، وكيف يعمل في داخل عقولنا؟ ما الذي يدفعنا ويحمسنا لاستكشاف شيء جديد؟

تعريف الفضول هو «الرغبة في المعرفة أو التعلم». إنه ذلك الشعور الدفين بداخلك، الذي يدفعك لاكتشاف المزيد، فلا يكفيك الحصول على الجواب فقط؛ فهدفك هو أن تفهم أكثر.

قبل أن تتعلم، عليك أن تتصالح مع عدم معرفتك بالكثير من الأمور، فإذا كنت تتعامل كما لو كنت بالفعل تملك جميع الإجابات؛ فبالتالي لن تبحث عن إجاباتٍ جديدة، كن حذرًا من الوقوع في هذا الفخ.

الأبعاد الخمسة للفضول

قال ألبرت أينشتاين يومًا ما:

«أنا لا أملك أي مواهبٍ خاصة. ولكني أشعر فحسب بالفضول بكل شغف».

دائمًا ما كان الفضول محورًا لاهتمام علماء النفس منذ بداية تاريخ العلوم. واقترح الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي وليام جيمس أنه كان عنصرًا رئيسًا في التحفيز البشري منذ أكثر من 100 عام. ولكن في الآونة الأخيرة، قُدّمت العديد من النماذج التي تحاول شرح الفضول، والتي لا تحاول فقط شرح كيفية تحفيزنا، ولكن أيضًا كيفية الاختلاف بين الأشخاص بعضهم عن بعض في الطريقة التي يشعرون بها بالفضول.

لقد أمضى الدكتور تود كاشدان (Dr. Todd Kashdan) من جامعة جورج ماسون (George Mason University) سنوات عديدة في دراسة الفضول. وخلال مسيرته المهنية، طور عدة نماذج للفضول، محاولًا تحديد كيف يعمل وكيف يلهمنا، وأحيانًا كيف يشتت انتباهنا. يُقسم أحدث نموذج له الفضول إلى خمسة أبعاد، والتي يمكن أن تكون أقوى أو أضعف لدى كل فرد.

يدّعي الباحث تود كاشدان أن الفضول لا يمكن تعريفه ببساطة على أنه صفة واحدة؛ فهو يمتلك بالفعل أبعادًا متعددة. بعد تجميع سنوات من الأبحاث في هذا المجال، أجرى كاشدان وفريقه ثلاث دراسات تضم ما يقرب من 4000 من الأشخاص البالغين، لاختبار نموذج جديد للفضول.

ووجدوا أن الفضول ينقسم إلى خمسة أبعاد كالتالي:

1- الاستكشاف المبهج: يرى الشخص المواقف الصعبة كفرصة سانحة للنمو والتعلم، ودائمًا يبحث عن تجارب جديدة تتحدى طريقة تفكيره في العالم وفي نفسه. يسعى إلى المواقف التي يُحتمل أن يقوم فيها بالتفكير العميق في شيء ما، كما يستمتع بمعرفة وتعلم موضوعات جديدة وغير مألوفة بالنسبة له، وينبهر عندما يعرف معلومات جديدة.

 

2- حساسية الحرمان: يحب الشخص أن يحاول حل المشاكل التي تحيره، والتفكير في حلول المشاكل النظرية الصعبة يمكن أن يبقيه مستيقظًا في الليل. يمكنه قضاء ساعات على مشكلة واحدة؛ لأنه لا يستطيع الشعور بالراحة دون معرفة الجواب. وربما يشعر بالإحباط إذا لم يستطع حل هذه المشكلة؛ لذا يعمل بجهدٍ أكبر من أجل حلها، كما يعمل بلا هوادة على المشاكل التي يشعر أنه يجب عليه حلها.

 

3- تحمل الضغط: إن أدنى شك يمكن أن يمنع الشخص من البحث عن تجارب جديدة. لا يستطيع التعامل مع الضغوط التي تأتي من الدخول في أوضاع مضطربة أو غير مستقرة، ويجد من الصعب عليه استكشاف أماكن جديدة عندما يفتقر إلى الثقة في قدراته. لا يمكنه العمل بشكل جيد إذا لم يكن متأكدًا ما إذا كانت التجربة الجديدة آمنة. ومن الصعب عليه التركيز عندما يكون هناك احتمال أن يتفاجئ بالأحداث التي قد تصيبه.

 

4- الفضول الاجتماعي: يحب الشخص أن يتعرف على عادات الآخرين؛ يحب معرفة لماذا يتصرف الناس بالطريقة التي يتصرفون بها. عندما يقوم أشخاص آخرين بمحادثة ما، يحب أن يعرف ما تدور حوله هذه المحادثة. وعندما يكون حول الآخرين، يحب الاستماع إلى محادثاتهم. وعندما يتشاجر الناس، يود معرفة ما يجري.

5- البحث عن الإثارة: الشعور بالقلق من القيام بشيء جديد يجعل الشخص يشعر بالإثارة؛ خوض المخاطرة هو أمر مثير بالنسبة له. يرغب في استكشاف مدينة أو أماكن جديدة، حتى لو كان ذلك يعني أنه سيضل طريقه بها. وعندما يكون لديه وقت فراغ، يريد أن يفعل أشياء مخيفةً إلى حد ما. خلق المغامرة أينما يذهب هو أكثر إغراءً بالنسبة له من المغامرة المخطط لها.

 

وعلاوة على ذلك، يصنف هذا النموذج الأشخاص إلى أربع مجموعات على أساس مدى غلبة كل جانب من فضولهم.

1. المبهور: أحرز نقاطًا عالية في جميع أبعاد الفضول الخمسة، وخاصة في جزء الاستكشاف المبهج، كما أظهر سمات مختلفة في حياته تعكس مستويات عالية من الفضول؛ زعم أنه يقرأ الكثير، ولديه مجموعة كبيرة من الاهتمامات والهوايات أكثر من أي مجموعة أخرى.

2. حلّال المشاكل: أحرز نقاطًا أعلى في جزء حساسية الحرمان، وكانت نقاطه متوسطة في الأبعاد الأخرى من الفضول. في حياته الشخصية، كان لديه تنوع أقل في الاهتمامات مما كان لدى الشخص المبهور في المجموعة السابقة، بينما كان يضع تركيزًا كبيرًا في بعض المجالات التي تهمه.

3. المتعاطف: أحرز نقاطًا عالية في جزء الفضول الاجتماعي، وكانت نقاطه متوسطة في الأبعاد الأخرى، بينما كانت أقل بكثير في جزئي تحمل الضغط والبحث عن الإثارة. يميل إلى وسائل التواصل الاجتماعية بشكل متكرر أكثر من المجموعات الأخرى، ويحاول إعطاء الانطباع بأن حياته تحت السيطرة. كانت هذه المجموعة تتألف من حوالي 60٪ من الإناث، وهي نسبة أعلى بكثير من أي مجموعة أخرى.

4. المتهرب: أحرز نقاطًا منخفضة في جميع الأبعاد الخاصة بهذا النموذج، ولا سيما في جزء تحمل الضغط، كما كان لديه أيضًا اختلافات كبيرة في نمط الحياة مقارنةً بالمجموعات الأخرى، وكان أقل في مستوى التعليم، ويقرأ بصورة أقل، وكان معدل البطالة مرتفعًا لديه، وزعم أنه يعاني من مستويات أعلى من الضغط أكثر من أي مجموعة أخرى.

لذا لأي مجموعة من الأشخاص الفضوليين تنتمي أنت؟ ما عناصر الفضول التي تتماشى بشكل كبير معك ومع أسلوبك في التعلم؟

هذا المنظور الجديد لفهم الفضول يمنحنا القدرة على إيجاد أفضل السبل لتحفيز الشخص على التعلم وكذلك النمو.

وبصفتي معلمًا، لديك الفرصة لخلق المزيد من المساحات والأماكن الجديدة للاستكشاف المبهج، كما يمكن أن تصبح فصولنا المدرسية مراكز للفضول؛ حيث يشارك الطلاب ما يثير اهتماماتهم، ويبعث فيهم النشاط.

لماذا الفضول بهذه الأهمية؟

بصرف النظر عن الذكاء والجهد المبذول، يدَّعي الباحثون أن الفضول العقل الجائع للمعرفة هو في الواقع أحد المفاتيح الرئيسة للإنجاز الأكاديمي في التعليم. فنحن نقضي الكثير من الوقت في التفكير في مستويات قدرة استيعاب طلابنا وما إذا كانت لديهم القدرة على المثابرة في الدراسة بشكل عام، لكن الفضول لديهم قد يكون أكثر أهمية من مستواهم الدراسي.

وعلى سبيل المثال اكتشف الباحثون في جامعة ميشيجان مؤخرًا وجود صلة بين الفضول والنجاح الأكاديمي في مرحلة الطفولة المبكرة. ففي دراسة أجريت عام 2018 على حوالي 6200 طفل، وجد الفريق أن أطفال الروضة  الفضوليين حصلوا على درجات أعلى في كل من القراءة والرياضيات.

وفي بحث آخر على المراهقين في هونج كونج، يشير إلى أنه عندما تكون المدرسة أكثر تحديًا، فإن الطلاب الفضوليين يحققون أداءًا أفضل من أقرانهم الأقل فضولًا في اختبارات التحصيل الدراسي.

ووفقًا لدراسة أُجريت عام 2014، تتغير كيمياء الدماغ لدينا عندما نصبح فضوليين، مما يساعدنا على تعلم وتذكر المعلومات بصورة أفضل.

وعلاوة على ذلك من حيث رفاهية الطلاب، وجدت دراسة أُجريت على أكثر من 400 مراهق صربي أن الطلاب ذوي المستويات العالية من الفضول كانوا يشعرون برضا أكبر عن الحياة، ويتحلون بالمشاعر الإيجابية والأمل، ولديهم هدف في الحياة.

وفي دراسة أخرى عام 2018، وجدت أن المراهقين الأكثر فضولًا يميلون أيضًا إلى أن يكونوا أكثر تعاطفًا مع ذواتهم؛ فإذا كنت منفتحًا على استكشاف وتقدير التجارب الجديدة، فقد تكون أكثر تعاطفًا وقبولًا لنفسك، ومع طبيعة الحياة غير المتوقعة.

وفي أبحاث أخرى أُجريت على البالغين، اقترحت أيضًا أن الأشخاص الفضوليين يميلون إلى أن يكونوا أكثر تحملًا للقلق والضغوط، ويتمتعوا بحس الفكاهة، وبإمكانهم التعبير عن أنفسهم عاطفيًا. فيبدو أن الفضول قوة بداخلنا لا تساعد فقط على تعزيز عملية التعلم، ولكنها أيضًا تفتح عقولنا على وجهات نظر وتجارب أكثر إيجابية.

بعض النصائح لتنمية الفضول لدى الطلاب

إذا كان فصلنا الدراسي مليئًا بـالطلاب «المبهورين»، أو لدينا العديد من الطلاب الذين يبدو أنهم «متهربين»، فماذا سيحدث إذا ركزنا مجهوداتنا أكثر على تنمية فضول هؤلاء الطلاب؟

1.تنفيذ وتشجيع المخاطرة الأكاديمية

إذا كان «المتهربين» يعانون من قبول القلق الذي يأتي مع التجارب الجديدة، فيمكننا مساعدتهم من خلال تنفيذ المخاطرة الأكاديمية في صفوفنا في كل الأوقات. فإذا كنت معلمًا للرياضيات، وتقوم بحل مسألة على اللوحة مع طلابك، جرب أن تخطئ في حلها.

وإذا كنت معلمًا للّغة العربية، اكتب قصيدة أمامهم، بينما تُشاركهم كل فترات التوقف للتفكير ولحظات المعاناة التي تحدث وأنت تفكر بصوتٍ عالٍ.

يحتاج الطلاب إلى رؤية معلميهم يتعثرون، ويجب أن يشعروا أنه من حقهم أن يكونوا غير واثقين من أنفسهم عندما يجربون شيئًا جديدًا. فبخلاف ذلك سنستمر في الحصول على «المتهربين» في فصولنا الدراسية.

2.اجعل من الخوف والقلق أمرًا طبيعيًا

بالنسبة للأشخاص الذين يسجلون نقاطًا عالية في جزئية «الباحثين عن الإثارة»، فإن المخاطرة تجعلهم يشعرون بحماسة أكبر وأكثر حيوية؛ فهم يعيشون على القلق، فما الذي يُمكننا تعلُمه منهم؟

على أقل تقدير، هناك طرق لقبول الخوف الذي نشعر به أحيانًا بدلًا من محاربته أو تجاهله تمامًا.

وتوفر لنا ممارسات الوعي التام والتعاطف الذاتي أدوات عملية لتحمل الضغط، والتخلص من الإحباط والخوف والقلق المرتبط بمحاولة أشياء جديدة.

3.اربط الأشياء المملة بالأشياء التي يريد الطلاب أن يعرفوها

بالتأكيد التعلم ليس دائمًا ممتعًا ومثيرًا؛ فهناك بعض الأشياء التي علينا فقط معرفتها والقيام بها، سواء أحببنا ذلك أم لا.

حاول إيجاد طرق أفضل لجعل عملية التعلم أكثر إغراءً؛ فإذا كنت بحاجة إلى تعليم الطلاب كتابة جمل أو أوراقًا بحثية، فاطلب منهم اختيار شيء مثيرٍ لاهتمامهم ليكتشفوه (حيوان يحبونه، أو موسيقيٍّ هم مهووسون به، أو كيفية عمل السيارات، أو كيفية إدارة حملة سياسية). وإذا كنت ترغب في تعليم مهارات الجدال لطلاب المرحلة الثانوية، اطلب من طلابك ذكر مزايا وعيوب استخدام وسائل التواصل الاجتماعية.

قم بتغليف الأشياء المثيرة للاهتمام حول الأشياء التي تبدو مملة بالنسبة للطلاب؛ ستكون أسهل، وسيتذكرونها دائمًا.

4.اجعل الفضول محركًا لتحديد الأهداف والنمو لدى الطلاب

تشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الفضوليين قد يتمتعون بالشعور بالأمل، ويمتلكون هدفًا في حياتهم؛ فلماذا لا نفكر أكثر في كيفية جعل الفضول لدى الطلاب يحدد الأهداف قصيرة وطويلة المدى لهم؟ ما هي الوحدات والموضوعات العلمية الأكثر إثارة لهم في المدرسة؟ ما الذي يحلمون باستكشافه؟ ما هي الوظائف الأكثر جاذبية وإثارة للاهتمام بالنسبة لهم؟

في دراسة عام 2015 اكتشف الباحثون أن الفضول يجعل التقدم والتطور يشعرك بمزيد من الرضا عن نفسك. بعبارةٍ أخرى: عندما تحقق هدفًا مدفوعًا برغبتك الأصيلة في التعلم، قد تحصل على دفعة رخاء ورفاهية تدوم لفترة أطول. وفي هذه الحالة تصبح أهدافك الأكاديمية أقل بشأن الأداء والإنجاز، ويزداد تركيزك على النمو الشخصي.

الفضول هو مهمة التغلب على الخوف، الخوف من الخطأ، الخوف من ألا تكون على حق، الخوف من كونك مختلفًا. فإذا لم يكن لديك الشجاعة الكافية للتفكير في الأفكار السيئة، فلن تتاح لك الفرصة لتنفيذ الأفكار الرائعة.

الحياة هي المزيد من التعلم، والطريقة الوحيدة للحفاظ على التعلم هو البقاء فضوليًا؛ لذا لا تتوقّف أبدًا.

لذا هل ما زلت تعتقد أن الفضول قد قتل القط؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك