4 أسئلة غيّرت تاريخ العلم.. ما هو سؤالك القادم؟

21 فبراير , 2019

لم يكن العالم كما هو حاليًّا بين ليلةٍ وضحاها، بل مر بالعديد من التغيُّرات المختلفة على مستوى الفكر والاختراع، نظريات تم بنائها وأخرى تم هدمها، وبقيت الحقيقة الثابتة دائمًا هي التغيُّر والتطور المستمر، وليحدث هذا احتاج العالم لأشخاص شجعان حملوا على عاتقهم صناعة هذا التغيير، حتى لو كان ذلك بطرحهم فقط للأسئلة.

لماذا سقطت التفاحة؟

أنت بالتأكيد تعرف القصة المشهورة، الرجل الذي يتمشى قليلًا، فيفاجأ بسقوط التفاحة على الأرض، فيسأل سؤالًا بسيطًا: لماذا سقطت التفاحة؟

ليتبعه بعد ذلك بسؤالٍ آخر: إذا كانت التفاحة قد سقطت؟ فهل القمر أيضًا يسقط؟

هذا هو إسحاق نيوتن صاحب أشهر تفاحة في تاريخ العلم، والذي تَتَبَّع أسئلته التي طرحها حتى نجح في تفسير الأمر، ومن هنا ظهرت فكرة الجاذبية ومعها العديد من الإنجازات اللاحقة التي حققها في مجال العلم تطبيقًا لنظرية الجاذبية.

ماذا سوف يحدث إذا سابقت شعاع من الضوء؟

طرح آلبرت آينشتاين سؤالًا بسيطًا: ماذا سوف يحدث إذا سابقت شعاع من الضوء؟، على الرغم من أنّه يبدو سؤالًا فانتازيا، لكنّه في الواقع أدى إلى ظهور واحدة من أهم النظريات في العلم، نظرية النسبية العامة والخاصة.

هذه النظريات غيرت وجهة نظرنا تمامًا في رؤيتنا للزمن، وتم استخدامها بصورة كبيرة جدًّا في محاولة توظيفها مع نظرية ميكانيكا الكم.

كيف تطير الطيور؟

يرتبط الطيران في مخيلتنا نحن العربَ بعالمنا عباس بن فرناس ومحاولاته المتميزة في هذا المجال وتجربته شبه الناجحة للطيران.

بدأ الأمر من طرح عباس بن فرناس لسؤال بسيط جدًّا: كيف تطير الطيور؟ ليجد أن الإجابة تتمثل في اعتمادها على استخدام الأجنحة، فقرر أن يستخدم المبدأ نفسه، وبالفعل نفّذ محاولته في أرض الواقع.

يظن بعض الناس أنّه قد مات نتيجة هذه المحاولة، لكن في واقع الأمر لم يحدث هذا، ولكنّه عند محاولته للهبوط أصيب، والأمر يرجع لأنّه لم يدرك أهمية الذيل، الذي تستخدمه الطيور في هذا الجزء.

على الرغم من أنّه لم يكن أول من يفكر في الطيران، لكن تجربته فتحت الأذهان نحو تحقيق الفكرة في أرض الواقع بشكلٍ صحيح لاحقًا.

من يدور حول من؟

كوبرنيكوس هو العالم الذي أسهم في تأسيس علم الفلك الحديث، الموضوع ببساطة أنّه في الوقت الذي ساد فيه الاعتقاد بأن الأرض هي مركز الكون والأجرام السماوية جميعها شاملة الشمس تدور حول الأرض، تساءل كوبرنيكوس: من الذي يدور حول من؟

فقام بإجراء حسابات وتجارب، واكتشف أنّ الأرض ليست مركز الكون، بل إن الأرض تدور حول الشمس، وأن هذا جزء من المجموعة الشمسية التي يوجد كوكب الأرض بها.

طبعًا تم مقابلة هذا الاعتقاد بهجوم شديد من الجميع وقتها، لا سيّما وأن الكنيسة تدعم مركزية الأرض، لكن كوبرنيكوس سجل ملاحظاته في كتاب دورة الأفلاك السماوية، وأدرك العالم لاحقًا أن اعتقاد كوبرنيكوس هو الصواب.

لماذا هؤلاء تحديدًا؟ 5 أسباب تقدم لك الإجابة

أعتقد أنّك بعد قراءة الأسئلة تراها أشياءً بديهية، وقد تخطر على ذهن أي شخص، لكن الأمر لم يكن كذلك أبدًا في وقتها، والدليل أنّ التاريخ لم يذكر لنا مثلًا أسماء لملايين الأفراد الذين قاموا بأفعال مشابهة، بل تميز هؤلاء دون غيرهم، إذن لماذا هم تحديدًا؟

1- بساطة الطرح والتفكير: كما ترى فإن اختيارات الأسئلة التي طرحها كل عالمٍ على قدر من البساطة يسمح بالتفكير في الموضوع دون تعقيد.

2- اختيار السؤال الصحيح للطرح: فالمسألة لا تكمن فقط في طرح الأسئلة والسلام، ولكن من المهم دائمًا التفكير في ماهية السؤال المناسب لطرحه، فكما نرى في حكاية عباس بن فرناس، اختياره للسؤال المتعلق بالأجنحة منحه الفرصة للطيران، وفي الوقت ذاته عدم طرحه لسؤال: كيف يمكنه الهبوط؟ أدى إلى الحادثة.

3- التجربة: وهذا هو العامل في الأهم في النجاح، وهو الذي يجعل هؤلاء العلماء متميزين عن غيرهم، وهو التجربة العملية ومحاولة الإجابة على السؤال واقعيًا، فها هو عباس يصنع الطائرة، وها هو كوبرنيكوس يقوم بحساباته للتأكيد على فكرته.

4- المبادرة وعدم الخوف: هناك دائمًا مرة أولى لأي شيء، هل تملك الشجاعة لأن تكون الأول وتتحمل كل النتائج المترتبة على ذلك؟ هذا ما يفعله العلماء، أنّهم يخوضون في الموضوع حتى لو لم يسبقهم أحد، ولا يخشون من الاتّهامات التي يكيلها لهم البقية، يعرفون أن هناك حكمة لكل شيء، وإن لم ندركها الآن فهذا لا ينفي وجودها، بل نحن من نحتاج إلى البحث أكثر من أجل الوصول.

5- الإيمان الشخصي بما يفعله كلٌ منهم: وهي ترتبط بالسابقة ارتباطا وثيقًا، فالإيمان الشخصي هو ما يجعلنا نتحرك حتى لو كنا بمفردنا.

أفكر في موقف عباس بن فرناس وسخرية الناس منه ومن اعتقاده أنّه يمكن له الطيران، ووصفهم للموضوع بأنّه: مستحيل! لكنّه في قرارة نفسه يدرك بأنّ ما يريده لا يُصنف في خانة المستحيل، بل في خانة الممكن، يرفض الاستماع لهم ويخوض في تجربته للنهاية.

وكم من مستحيلٍ في أعين الناس، يمكننا نحن أن نحوله إلى ممكن، لكننا لا نفعل ذلك خوفًا من الفشل! لذلك الإيمان الشخصي عامل مهم جدًا هنا في تصديق ما نفعله والاستمرار رغم كل ما يحدث.

كيف تختار سؤالك القادم؟

الأسئلة هي أداة تعلم قوية جدًّا، كل ما نحتاج إليه هو معرفة كيفية توظيفها في التفكير والبحث بالشكل الصحيح، ولذلك أقدم لك 8 تصنيفات من الأسئلة التي يمكنك استخدامها باستمرار مع كل الموضوعات.

1- أسئلة المعرفة: وهي الأسئلة التي تساعدك على فهم الموضوع الذي تقرأه جيدًا، ببساطة تستخدم فيها كل أدوات الاستفهام التي تعرفها من، ماذا، متى، لماذا، أين، كيف، بالطبع يعتمد ذلك على احتياج الموضوع الذي تبحث فيه.

2- أسئلة التحليل: وهي الأسئلة التي تساعدك على تجزئة أي موضوع لتفهمه وتعرف أجزاءه وأسبابه جيدًا، تأتي بالتزامن مع أسئلة المعرفة، وأحيانًا تأتي بعدها مباشرةً.

3- أسئلة الأدلة: وهي الأسئلة التي تساعدك في الوصول إلى الحقائق بعيدًا عن الآراء الشخصية، كأن تطرح سؤالًا مثل: ما هي الحجج الموجودة التي تدعم هذا الرأي؟ ما هي الأدلة التي يمكن تقديمها لشخص يشكك في التفسير؟

4- أسئلة التوضيح: وهي الأسئلة التي تساعدك في فهم الموضوع بصورة أدق، كأن تطرح سؤالًا مثل: ما هو المثال الجيد للموضوع المطروح؟ كيف يمكن شرح الموضوع بصورة مختلفة؟

5 أسئلة الربط أو الإضافة: وهي الأسئلة التي تساعدك في الربط بين الموضوعات المختلفة، كأن تطرح سؤالًا مثل: ما هو الرابط بين هذا الموضوع والموضوع الذي كنت أقرأ فيه البارحة؟ كيف تضيف الفكرة التي أملكها إلى الأفكار المطروحة في هذا الموضوع بالفعل؟

6 أسئلة التلخيص أو التركيب: وهي الأسئلة التي تساعدك في تلخيص نتائج ما تقرأه، كأن تطرح سؤالًا مثل: ما هي الفكرة التي خرجت بها مما قرأته؟ ما هي الأشياء التي أحتاج إلى البحث فيها لاحقًا؟

7 أسئلة التقييم: وهي الأسئلة التي تساعدك في تقييم أي موضوع تقرؤه أو نقاش تخوضه لتقيّم أفكارك وتحدد التغيير الذي حدث بها، كأن تطرح سؤالًا مثل: ما هي الأفكار التي تغيّرت بعد ما قرأته؟ ما هي الافتراضات التي كنت أملكها عن الموضوع وتأكدت/تغيرت؟

تتشابه أسئلة التلخيص مع أسئلة التقييم بدرجة كبيرة، غير أنّ أسئلة التقييم تكون تخصصية وعميقة أكثر.

8- أسئلة فتح الاحتمالات الأسئلة المفتوحة“: وهي نوعية الأسئلة التي تجعلك تفكر في الموضوع خارج الصندوق، تساعدك على رؤية الأشياء من منظور مختلف عن المعتاد، وهي بالنسبة لي نوعية الأسئلة التي تصنع التغيير، فهي لا تلزمك بنمط معين في التفكير بل إنّها تفتح لك المجال لاكتشاف أنماط جديدة.

حسنًا.. ما هو سؤالك القادم؟

لسنواتٍ عديدة اعتقد العالم عكس النظريات التي يؤمن بها الناس حاليًّا، كمركزية الأرض وغيرها، ولم يكن وقتها يجرؤ أحد على قول العكس لأنّه سيتم اتّهامه بالجنون والتقليل من أفكاره ومعتقداته، ووصفه بالجهل!

هذا الأمر يخبرنا برسالة هامة جدًا عن أن العلم متغيّر دائمًا وكل يوم هناك جديد يُضاف، وأننا يجب ألا نكون بالغرور الذي يجعلنا نظن بأننا بلغنا قمة المعرفة مهما كان التقدم الذي حققناه في الواقع.

فقط الأمر يحتاج إلى أشخاصٍ قادرين على فعل ذلك، يؤمنون بأفكارهم وبمحاولاتهم البسيطة في طريق الوصول إلى الحقيقة، فلا يلتفتون لمن يؤمن بأنّه يملك الحقيقة الكاملة للعلم، بل يحاولون اتّباع المنهج الصحيح لبحث أي شيءٍ جديد يصادفهم، وأنا أؤمن تمامًا أن البداية تكون بطرح الأسئلة المناسبة لمحاولة الفهم.

يقول آينشتاين في واحدة من الاقتباسات التي أحبها كثيرًا:

أهم شيء هو ألا تتوقف عن السؤال.

لأن هذا يعني أن ذهنك يعمل باستمرار وأنّك تفكر فيما يمكنك أن تضيفه إلى العلم، والأهم هو أنّ السؤال المفتاح الحقيقي للتفكير في الأمور حتى لو كنا لا نعرف عنها أي شيء. لذلك لا تقلل أبدًا من أسئلتك مهما كان السؤال الذي تطرحه غريبًا، الأهم أن تفعل ذلك بالطريقة الصحيحة. والآن يا صديقي، ما هو سؤالك القادم؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك