استنفار مع امتحانات البكالوريا منعًا للغشّ.. هل هذا ضروري؟!

8 يوليو , 2016

قضيّة الشّهر هذه المرّة مرتبطة بإشكالية الغشّ في الامتحانات، نظرًا لتزامنها مع فترة امتحانات البكلوريا أو الثّانويّة العامّة في الدّول العربيّة، فإنّه من الواجب تحليل هذه الظاّهرة من عدّة أوجه، فاخترت من ناحيتي أن نلقي نظرة على التّعامل والإستراتيجيّة الّتي تنتهجها الوزارة المعنيّة في تعاملها مع هذه المشكلة، الّتي تمثّل بالنّسبة لها تحدّيًا متجدّدًا يتكرّر الإهتمام به والإشارة إليه سنويًا مع اقتراب فترة اجتياز اختبارات البكلوريا.

حالة غير مسبوقة من الاستنفار والطوارئ عرفتها امتحانات البكلوريا لهذا العام في الثّانويات المغربيّة، سيطر عليها الهاجس الأمنيّ والرّغبة الملحة لوزارة التّربية الوطنيّة المعنيّة بالملف، في محاربة ظاهرة الغشّ بكل السّبل الزجريّة، ولكن هل كان ذلك ضروريًا؟

انتقد خبراء تربويّون وبيداغوجيّون ينشطون في جمعيات مغربيّة تُعنَى بحقوق التّلميذ، هذه الإجراءات والحالة الأمنية المبالغ فيها، واعتبروا أنّ امتحانات البكلوريا تميّزت بأجواء مشحونة لدى التّلاميذ وأسرهم، بسبب قانون زجر الغشّ، الّذي أطلقته الوزارة، وأيضًا الإجراءات المصاحبة له، ما جعل الهاجس الأمنيّ مسيطرًا على أجواء الامتحانات في نظرهم.

فقد لاحظوا أنّ الهالة والإجراءات التي تُعطَى للامتحانات، لا تكون كذلك طيلة السّنة، لبناء منظومة تعليميّة مضمونة الجودة، معتبرين أنّ الوزارة لا تتدخّل في الوقت المناسب وبالجديّة اللّازمة لمعالجة مختلف الاختلالات البنيويّة للتّعليم، مبرزين عددًا من هذه النّقائص الّتي تفقد توازن المنظومة التّعليميّة بالبلاد كالاكتظاظ وهشاشة البنيات والتّجهيزات والخدمات التربويّة وعدم كفايتها، وعدم تكافؤ الفرص التّعليميّة، وسوء البرامج والمناهج ونظام التّقويمات.

لا يمكن لمحاربة الغشّ أن تتمّ إلّا على امتداد السّنة، سواء كان ذلك تربويًًّا أو زجريًا، بما في ذلك الغشّ في بناء التّعلّمات، فالواضح للمتتبّعين لسير امتحانات البكلوريا وجود مبالغة أمنيّة وقانونية كبيرة، أفقدت الامتحانات خصوصياتِها التّربوية في وقت كان يجب فيه ـ ربما ـ تكثيف الإجراءات التّربويّة والبيداغوجيّة المصاحبة للامتحانات.

والملاحظ أيضًا في هذا الصّدد أنّ هنالك غيابًا واضحًا لتكييف الاختبارات الإشهاديّة للسّنة الثّالثة ثانويّ إعداديّ، مع خصوصيّات الأطفال ذوي الإعاقة وذوي اضطرابات التّعلّم، مما يُعَدُّ مسََّا بحقوق المتعلّمات والمتعلّمين ذوي الإعاقة، وبالمكتسبات الحقوقيّة المحقّقة، وهذا يتنافى مع مختلف المرجعيّات الدّوليّة والوطنيّة، كما أنّ جلّ أسئلة الاختبارات (في كلّ المستويات وليس فقط البكلوريا) لا يتمّ بناؤها حسب مقاربة الكفايات، حيث تستهدف المعلومات المباشرة والذاكرة فقط، ويمكن القول أن الغشّ ينشأ هنا بسبب هيمنة الطّرق التّقليديّة في بناء أسئلة الامتحانات، والكمّ الهائل للمواد والدّروس والمقرّرات والبرامج الدّراسيّة، وغياب تربية قيمية فعّالة تستهدف ذكاء التّلميذ وملكاته المعرفيّة.

المطلوب إذًا، هو تفعيل البيداغوجيّات الحديثة في بناء التّعلّمات والتقييمات الإشهادية، الّتي تستهدف فعالية التّلميذ الذّاتيّة، من مهارات وإبداع وقدراته العقليّة العليا، ومن تحليل ومقارنة وتقييم ونقد؛ فمن المهمّ ترك الحرّية للتّلاميذ في استعمال مختلف المراجع المعرفيّة دون اللجوء إلى حفظها.

أمّا التّهديد باعتقال التلاميذ وحبسهم، فلا يمكن إلّا التّشكيك في صوابه وفعاليته، نظرًا لخصوصياتهم العمريّة المُتَّسِمَة بعدم النّضج والوعيّ بخطورة أفعالهم، كما أنّ ذلك سيشكّل خطرًا على مستقبلهم الشّخصيّ والاجتماعيّ والمهنيّ ما يوجب الاكتفاء بالعقوبات التّربويّة فقط، كما وردت في قانون زجر الغشّ.

الأساس إذًا في الموضوع، هو أنّ التّحرك بمثل هذه الجدّيّة والفعاليّة، يجب أن يكون طول السّنة، وليس خلال الامتحانات فقط، للقيام بإصلاح حقيقيّ وفعّال، ومعالجة دقيقة لمختلف الثّغرات الّتي تمسّ المنظومة التّربويّة البيداغوجيّة والبشريّة واللوجستيكيّة والتجهيزيّة والتّدبيريّة والحقوقيّّة للمدرسة، كتوطئة لموضوع أعمق وأخطر، مرتبط بالتّعليم العالي وبالجامعة المغربيّة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك