التعليم في المغرب عام 2015: بين الفضائح وجهود الإصلاح

17 يناير , 2016

كانت سنة 2015 حافلة بالأحداث على الصعيد التعليمي بالمملكة المغربية، تراوحت أغلبها بين الفضائح والتصريحات المثيرة للجدل من قبل المسؤولين على القطاع، وغيرها من المؤشرات على استمرار التراجع المخيف في مستوى التعليم بشقيه الأساسي والجامعي، لكنها حملت أيضًا بعض بوادر الأمل نحو إصلاح فعال وحقيقي من قبل صناع القرار، نتمنى أن يؤتي أكله في الفترة القادمة.

نحاول في هذا التقرير تلخيص أبرز الأحداث التي طبعت المشهد التعليمي المغربي خلال سنة 2015.

المدرسة المغربية ضمن الأقل جودة في العالم:

قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأممية بإصدار دراسة جديدة تثبت فيها أن المدرسة المغربية تعيش بالفعل أزمة حقيقية جعلت منها واحدة من أسوأ المدارس في العالم، حسب تقرير المؤسسة العالمية الذي سلط الضوء على أوضاع التعليم في 76 دولة في العالم من بينها المملكة المغربية.

واحتل المغرب المرتبة الثالثة والسبعين من أصل ست وسبعين بلدًا شملهم تقرير المنظمة الدولية الراصد لجودة التعليم والتجهيزات المتوفرة داخل المدارس في مختلف دول العالم، وبذلك تكون المدرسة المغربية مصنفة ضمن المدارس الأقل جودة في العالم، سواء على مستوى المناهج المدرسية التي وصفها التقرير بأنها برامج “غير متطورة”، لاعتمادها بشكل كبير على الحفظ والتلقين في حين تغيب عنها المواد التي تنمي الحس النقدي لدى الطفل، أو على صعيد التجهيزات التعليمية والبيداغوجية المتوفرة داخل المدارس.

ونبه التقرير المغرب إلى أن معضلة انعدام الجودة داخل مدارسه تضيع عليه فرصة ذهبية مهمة لتحقيق نسب كبيرة للنمو الاقتصادي، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه من خلال تحسين جودة النظام التعليمي “سيتمكن المغرب من الرفع من نسبة نموه وناتجه الداخلي الخام”.

احتجاج طلبة كليات الطب على مسودة مشروع الخدمة الإجبارية:

يمكن اعتبار هذا الإحتجاج أحد أبرز أحداث 2015 على الصعيد التعليمي، فقد احتشدَ الطلبة منذ بدأ العام الدراسي الحالي أمام الكليّات للتعبير عن امتعاضهم واحتجاجهم ضدّ مسوّدة الخدمة الإجبارية، ورفعوا شعاراتٍ قوية مندّدة بسعْي وزير الصحّة إلى فرْضها من جانبٍ فردي، دونَ الجلوس إلى طاولة الحوار رفقةَ ممثلي الطلاب المعنيين، على حد قول المحتجّين، كما قاطعوا الدراسة ودخلوا في إضراب مفتوح.

ووصفَ المحتجون مسوّدة مشروع الخدمة الإجبارية بـ”المخطط الهمجي الهادف إلى تدمير الطالب واحتقار الطبيب”، كما رفعوا شعاراتٍ رافضة للمسوّدة، وأصر الطلبة المحتجّون أنهم لا يرفضون بشكل مبدئي العملَ في المناطق النائية، غيْرَ أنّهم يشترطون مقابلَ ذلك أنْ يتمّ إدماجهم بعد انتهاء مدّة الخدمة بشكل نهائي، إذ أن المشروع الذي تنوي الدولة تطبيقه سيجعل مستقبلَ الخريجين الخاضعين للخدمة الإجبارية حسب رأيهم مجهولًا للغاية.

وصل الإحتجاج إلى نوع من التصعيد الخطير، الذي بلغ أوجه باقتحام قوات الأمن لكلية الطب في الرباط لإجبار الطلبة على إنهاء إضرابهم والعودة لمقاعد الدراسة، قبل أن يتم التوصل إلى حل توافقي يقتضي بالتراجع عن الصيغة الإجبارية واستمرار النقاش بشكل ودي وإنهاء الطلبة لاحتجاجهم.

إلغاء التوظيف المباشر لطلبة مراكز التربية والتكوين المغربية:

جرت العادة أن يتم توظيف الأساتذة الذين تابعوا هذا التكوين بشكل مباشر حسب جهات المملكة التي استفادوا فيها منه، وتبعًا لطبيعة تكوينهم، إما كأساتذة التعليم الابتدائي من الدرجة الثانية أو أساتذة التعليم الثانوي الإعدادي من الدرجة الثانية أو أساتذة التعليم الثانوي التأهيلي من الدرجة الثانية، لكن بلاغ وزارة التربية الوطنية التي يرأسها الوزير رشيد بلمختار أكدت أنه من الآن فصاعدًا لن يستفيد خريجوا المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين من التوظيف المباشر، ذلك أن شهادة التأهيل التربوي التي يتحصل عليها الطالب – الأستاذ نهاية سنة التأهيل والتكوين ستتيح له المشاركة في مباريات توظيف الأساتذة فقط لا غير، وذلك حسب الحاجيات وعدد المناصب المالية، ما شكل ضربة مفاجئة وغير متوقعة للآلاف من الراغبين في دخول هذه المراكز التي أصبح الكثيرون يرونها كملاذ أخير للهروب من شبح البطالة التي ضربت كل التخصصات والقطاعات الحيوية ومختلف حملة الشواهد العليا، من إجازة وماستر، بل وحتى الباحثين من حاملي شواهد الدكتوراة، والأدهى من ذلك أن المنحة المقدمة للطلبة مقابل تكوينهم جرى تخفيضها إلى حوالي النصف.

قاطع الطلبة مقاعد الدراسة وأعلنوا عن إضراب مفتوح حتى التراجع عن “المرسومين المشؤومين” حسب تعبيرهم، مستفيدين من نجاح الحركة الاحتجاجية لطلبة الطب التي تحدثنا عنها، ومازالت قضيتهم بلا حل حتى الآن، بعدما وصلت محاولات الحوار مع المعنيين بالقطاع إلى طريق مسدود.

انتقادات واسعة لمشروع لوحتي الذي أطلقته وزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي:

أطلقت وزارة التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي المغربية مبادرة جديدة للنهوض بقطاع التكنولوجيا وعلاقته بطلبة الجامعات، إذ تعهدت بتوفير شبكة الويفي في كل الجامعات المغربية، وأعلنت انطلاقة مشروع “لوحتي” الذي يهدف إلى توفير لوحات إلكترونية للطلبة بأثمنة مخفضة.

استبشر الطلبة خيرًا بالمبادرة الجديدة، والتي بشرت الوزارة بأنها ستكون أفضل وأشمل من سابقتها والمسماة إنجاز، لكن بمجرد الإعلان عنها بشكل رسمي حتى كانت الصدمة!

فقد اكتشف الطلبة أن اللوحات الإلكترونية المعروضة ذات جودة رديئة جدًا، كما أن الأثمنة المقترحة أعلى بكثير من تلك المطروحة مع مشروع “إنجاز”، فأغلب اللوحات يتجاوز ثمنها المقترح ٢٠٠٠ أو ربما حتى ٣٠٠٠ درهم (ما بين ٢٠٠ و ٣٠٠ دولار تقريبًا).

فالمطلع على موقع المبادرة على شبكة الإنترنت يكتشف أن أغلب اللوحات المعروضة رديئة الصنع، بل إن بعضها لا وجود حتى لموقع الشركة المصنعة لها على الشبكة العنكبوتية ما يدل على وجود أيادي صينية في الموضوع، ما طرح تساؤلات حول الهدف الحقيقي من إبرام صفقة مشبوهة ضحيتها الطالب الجامعي المسكين الذي يكافح لاستذكار دروسه وإعداد بحوثه في ظروف ملائمة، وعندما تعالت الأصوات المنددة بالمشروع لم يجد وزير التعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي والمسؤول المباشر عن المشروع بدا من اتهام المنتقدين بأنهم مجرد محسوبين على شركات أخرى لم تفز بالصفقة، مع أن الحقيقة واضحة للجميع!

تجدد النقاش حول إشكالية لغة التدريس في المدارس المغربية:

في إطار سعيه الحثيث للنهوض بقطاع التعليم المتراجع بشدة في المملكة المغربية، قام المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي باعتماد هندسة بيداغوجية للغات تهدف إلى تطوير تدريس اللغات وتعلمها عبر مراقبة وضع كل لغة على حدة داخل المدرسة المغربية، داعيًا إلى تفعيل مبادرة أكاديمية محمد السادس للغة العربية والإسراع بتفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، ووضع إطار مرجعي وطني مشترك للغات الوطنية والأجنبية المدرجة في المدرسة المغربية.

وفيما يخص قطاع التعليم العالي، لمح المجلس إلى إتجاهه نحو تشجيع البحث العلمي باللغة الإنجليزية وإحداث مسالك تكوينية ووحدات بحثية في اللغتين العربية والأمازيغية وفي اللغات الأجنبية، مع إدراج وحدة مُدرَّسة باللغة العربية في المسالك المدرسية باللغات الأجنبية في التعليم العالي بالنسبة للمغاربة، زيادة على إدراج التكوين باللغة الإنجليزية في وحدات وتخصصات التكوين المهني إلى جانب اللغات المعتمدة.

ويرى المجلس، وفق تقرير مفصل يتطرق لـ “الهيكلة البيداغوجية للغات”، أنه من الواجب والضروري تعزيز اللغة العربية وتطوير استعمالها في مختلف مجالات العلم والمعرفة والثقافة والحياة، وتقوية وضعها وتنميتها وتحديثها وتبسيطها، وتحسين تدريسها وتعلمها، مع مراجعة شاملة لمناهج وبرامج تدريس اللغة العربية وتجديد المقاربات البيداغوجية والأدوات الديداكتيكية لتدريسها.

استمرار جهود إصلاح قطاع التعليم العالي في المملكة المغربية:

كشفتْ وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر عن خطتها الإستراتيجية الأولى لإصلاح منظومة التعليم العالي.

الخطة الإستراتيجية لوزارة التعليم العالي، التي تم الكشف عنها في أولى اللقاءات الجهوية المنظمة من طرف المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول “الرؤية الإستراتيجية للإصلاح وسبل التفعيل”، تهدف أوّلًا، إلى تفعيل التعليمات المتضمنة في خطب الملك محمد السادس، المرتبطة بالتعليم العالي والبحث العلمي، والتي تهدف حسب الوزارة المعنية إلى تشكيل مرجعيّة أساسية لإصلاح منظومة التربية والتكوين.

الهدف الثاني للخطة الإستراتيجية لإصلاح التعليم العالي، يقوم على تنزيل رافعات الرؤية الإستراتيجية للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي 2015-2030، أمّا الهدف الثالث فيتعلق بمواكبة التحدّيات المطروحة على الصعيدين الوطني والدولي، ورفع مجموعة من التحديات التي تعرفها منظومة التعليم العالي، وذلك في أفق تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص وجودة التعليم.

لكن هل ستنجح هذه الخطة؟ هذا ما سوف تكشف عنه المرحلة المقبلة، لنرى هل هي فعلاً جهود حثيثة للإصلاح أم مجرد حبر على ورق.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك