الثورة المعلوماتية بالوطن العربي

19 نوفمبر , 2014

على الرغم من امتيازات الثورة المعلوماتية الهائلة، يقف عالمنا العربي و يعبر عن تحفظه لهذه الثورة، قائلًا: ينبغي أن لا نغض النظر عن مخاطر و تحديات هذا القادم الجديد المسمى “عصر الثورة المعلوماتية”، فإذا كان هذا العصر يحمل أزهارًا كثيرة بصفاته المتميزة، فمن الممكن أن تخفي هذه الأزهار كمًا هائلًا من الأشواك، التي لا نشعر بها إلا و هي مغروزة في أصابعنا.

و في هذا التقرير، عبر “شبكة زدني” نعرض بعض السلبيات المتعلقة بثورة المعلومات، و التي تمنع المجتمع العربي من أن يتطور بها؛ سواء في المدرسة أو المنزل أو في أي مكان، و تتعلق هذه السلبيات أحيانًا، بما تحمله هذه للثورة من مؤثرات محتملة في البناء الاجتماعي و الثقافي للمجتمع، عند عدم التعامل معها بشكل مناسب.

إن ثورة المعلومات في عالمنا العربي تثير أهم التساؤلات و أخطر القضايا الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في القرن الحالي، فتتحدى مجتمعنا كي يقطف الأزهار من غير أن يوخز بأشواكها.

و يقول عالم الاجتماع السوري/ حليم بركات “إن لثورة المعلومات حسنات و سيئات و فوائد مهمة لكل من يجيد استعمالها، منتجًا كان أو مستهلكًا، و لكنها قبل كل شيء أداة فعالة في خدمة من ينتجها و يملكها و يديرها قبل أي طرف آخر و على حسابه”.

و في بحث للباحث العراقي “مازن مرسول محمد الربيعي” قدمه إلى جامعة بغداد عام 2004، يشير الباحث إلى أن ثورة المعلومات و تقنياتها التي اختزلت المسافات و الزمن و طرقت العالم بشدة، و دخلت البيوت بدون إذن منها، لن تسمح لأحد في هذا العالم الواسع أن يصم أذنيه و يغلق عينيه لما يسمع و يرى ما يجري حوله من أحداث.

و يرى الباحث العراقي/ مازن الربيعي أن حضارة جديدة تمامًا أخذت بالتشكل تختلف عن جميع الحضارات المعروفة، و هي حضارة تكنولوجيا المعلومات أو تكنولوجيا المعرفة، التي باتت تهدد جميع الحضارات الأخرى و تزلزلها، فجميع الحضارات القديمة التي عرفها العالم منذ عرفت الشعوب الاستقرار كانت زراعية المنطق أو الجوهر، و مع إنها كذلك إلا انه كان لكل قرية و مدينة و شعب فرادة خاصة بهم في العادات و التقاليد و اللغة و اللهجات و الأزياء.. إلخ، أما الحضارة الآخذة بالتشكل اليوم فهي تكنولوجية إلكترونية معرفية عمادها الاتصال السريع الفوري، فتقضي على الفرادة بين الناس و توحدهم شكلًا من غير أن يكونوا متحدين فعليًا.

و قبل أن نتعمق في الموضوع بصورة أكثر، قد يكون من المفيد أن نطرح أو نذكر بهذا الخبر، الذي هو من صلب موضوعنا؛

في الخبر نقرأ “التعليم عن بعد من أجهزة iOS

ظهر مؤخرًا، و بدأ يزداد انتشار التعليم عن بعد و التعليم الإلكتروني و في أخر تطور في هذا المجال كل إسهام شركة “آبل” العالمية في مجال التعليم، و ساهمت في تطوير المجال التعليمي و إتاحة الحصول على دورات تدريبية في كبرى الجامعات العالمية بواسطة تطبيقات توفرها في متجر برامجها الخاص.

هذا و يتميز التعليم عن بعد أنه يقوم بسد النقص في أعضاء هيئة التدريس المحترفين، فإذا كان المحاضر يستطيع أن يدرس مباشرة لعدد 1000 طالب فهو يستطيع بالتعليم عن بعد أن يصل إلى 100 ألف أو مليون شخص، كما يجعل طالب يعيش في أفريقيا مثلًا يحصل بمقابل بسيط و أحيانًا مجانًا على دورات تدريبية في كبرى الجامعات العالمية و بدون أن يغادر دولته أو حتى منزله و بدون أي تكلفة سوى الاتصال بالإنترنت.

فإذا كنت تفكر في تطوير نفسك عن بعد و الحصول على المعلومات و المهارات من كبرى الجامعات العالمية و بدون أن تغادر منزلك و بدون أي تكلفة سواء كانت دراستك اقتصاد أو برمجة أو علوم إدارية و قانونية أو أدبية، أي شيء تستطيع تعلمه و دراسته من منزلك و من أكبر الجامعات مجاناً”.

انتهى الخبر!

ما أن يُطرح هذا الخبر، في أي وسيلة إعلامية؛ مقروءة، مسموعة، مرئية، إلا و يثار نقاش عميق حول سبب نشؤها! و أسباب انتشارها! و خطورة عملها و أهدافها!!

و لكي تتضح الصورة أكثر، سنطرح بعض وجهات النظر التي تخص هذا الموضوع و ذلك بالاستناد إلى ما جاء به الباحث العراقي/ مازن الربيعي.

هذا، و يُجمل الكثير من بعض المقيمين لثورة المعلومات في عالمنا العربي سلبيات عدة، و سنلخص بعد الاطلاع على ما جاء به الباحث العراق/ مازن الربيعي في بحثه بعض هذه السلبيات فيما يلي:

يتساءل الباحث العراقي ترى ما هي السلبيات الناتجة عن آليات الثورة المعلوماتية و التي أصبحنا نخشى من أن تفتك ببنائنا الثقافي و ميراثنا الحضاري؟

1-الفساد الأخلاقي..!

إن استشراء و انتشار الفساد بجميع أنواعه ليس وليد ثورة المعلومات و آلياتها المختلفة، و إنما هو موجود قبل دخولنا في هذا العصر، ألا إنه يمكن القول أن بعض آليات هذه الثورة قد زادت من الطين بلة، ففتحت منافذ جديدة لتسويق المواد المرفوضة أخلاقيًا إضافة إلى ما كان موجود سابقًا.

إن هذه التقنية إضافة للتقنيات الأخرى باستغلالها السئ، أصبحت تمثل كبوة في طريق مستقبلنا العربي، و تكملة لهذا الدور تأتي الثورة التقنية و المعلوماتية بقوتها المتسلطة لتفرض علينا سلطة الصورة بأحكام، فلا تكاد تبرح مكانها إلا و قد خلبت عقول المتفاعلين معها.

إن الفساد الأخلاقي سوف لن يكون بمنأى عنها فيما لو استخدمنا هذه الآليات لتحقيق بعض رغباتنا غير المشروعة و إرضاء شهواتنا التي تثيرها مثل هذه الآليات، و يمكن أن نكون بمأمن عن هذا الفساد بالاستخدام الصحيح و العقلي لهذه الثورة و آلياتها المختلفة.

2-النظرة المادية و إشاعة النمط الاستهلاكي:

يتساءل الباحث العراقي، هل أصبحنا نعاني من ثقافة استهلاك جاءت بها الثورة المعلوماتية عاكسة ثقافة الغرب؟ أم جاءتنا هذه الثقافة غفلة؟ أم دعوناها نحن للخروج من مكامنها نتيجة تقبلنا السئ لها؟

إن الثقافة الاستهلاكية ليست جديدة، بيد أنها أصبحت أكثر وضوحًا في التسعينيات من القرن العشرين، و دخل العالم مرحلة عالمية الثقافة الاستهلاكية، فجميع سلع هذه الثقافة من ماركات و ملبوسات و مأكولات و أفلام و أغاني أصبحت موجودة في كل مكان و في كل المجتمعات، و أخذت هذه المنتجات الاستهلاكية دلالات اجتماعية و رمزية تدفع في إتجاه صهر العالم استهلاكيًا و ربما دمجه ثقافيًا.

فالعولمة الإعلامية أخذت تعمل على نحو حثيث على دعم و إسناد العولمة الاقتصادية لنشر النزعات الاستهلاكية، مستغلة بذلك ما وفرته لها ثورة المعلومات و تكنولوجياتها المختلفة من أذرع طويلة تحقق من خلالها أهدافها المنشودة.

إن النموذج الغربي الاستهلاكي الذي أصبح يقدم عن طريق وسائل الثورة المعلوماتية، ليس الغرض منه فرض نموذج ثقافي فحسب، بل من أجل خلق “إنسان استهلاكي” للتمهيد لفرض النظام العالمي الجديد، الذي يقوم في جوهره على محاولة طمس الثقافات و إلغائها و استبدالها بما يروج له سدنة الحضارة الغربية، كما أن تعميم ثقافة الاستهلاك واحدة من آليات الهيمنة و السيطرة المفروضة على الشعوب و هي تعد مجال مكمل مع أنماط أخرى من التدويل في الإنتاج و المال و التقنية.

إن من وسائل الثورة المعلوماتية التي زادت من تفاقم الاستهلاك، شبكة الإنترنت، فقد جاءت هذه الشبكة لتؤجج لهيب العلاقة بين الإعلام و الثقافة، فهي تجمع ما بين كونها وسيطًا إعلاميًا و كونها ساحة لنقل بضاعة الثقافة من مراكز إنتاجها إلى المستهلك.

و كما حول الإعلام التقليدي المواطنين إلى مشاهدين، فإن إعلام ما بعد الإنترنت أصبح في طريقه إلى تحويل هؤلاء المشاهدين إلى مستهلكين غير منتجين يحاولون الحصول على سلعهم بمجرد الإعلان عنها و الترويج لها بشكل يدعو للانجذاب في هذه الشبكة.

فالإنترنت أصبح يعمل على تعميق الحاجات الاستهلاكية الغريبة لدى العديد من الناس لاسيما الشباب و المراهقين، و محاولة دفعهم لتقليد الأنماط الاستهلاكية الغربية.

إن الإنسان الذي تتملكه رغبة الحصول و الوصول إلى كل شيء، مع وجود الإنترنت الذي يعرض كل شيء في مختلف أنحاء العالم، من معلومات إلى تقنيات إلى صور و برامج و أخبار … الخ، قد تقوى عنده غريزة الاستهلاك مع ما يراه و يسمعه عبر هذه الشبكات.

3-الانبهار بحضارة الغرب:

لقد أصبح الغرب يهددنا في كثير من الأمور بتأثير حالة انبهار روج لها عن طريق تكنولوجيا المعلومات الحديثة، و المشكلة التي تكاد تفتك ببعض مجتمعاتنا العربية هي أنها لا تنبهر بتقنية الغرب و تحاول تقليدها و التغلب عليها، و إنما تنجذب لتقليد كل ما يعود عليها بالسلب و البقاء في دائرة التخلف، و ذلك ما يطمح لتحقيقه صناع التقنيات الحديثة في الغرب.

إن حالات الانبهار بكل ما هو غربي تترافق مع حالات الخذلان و النظر بازدراء لكل ما هو شرقي أو مسلم؛ الأمر الذي يجعل من الغربيين رواد الحضارة و صناعها و أساتذة العرب و المتحكمين بهم، أو المالكين الشرعيين للحضارات، و منهم تنبثق الأنوار إلى بقية أنحاء العالم. فالكثير من الأفراد قد بهرتهم الحضارة الغربية، فآمنوا بها و تدينوا بقيمها و خضعوا لها، و هو أمر قد بدأ منذ فترة من الزمان و أخذ يشتد بشكل سريع مع تطور أدوات المعرفة المعلوماتية، هذا الأمر يعبر عن تلك الروح الانهزامية التي تعيش في أعماق و ذاكرة الحضارات المغلوبة على أمرها، و التي تشعر بعجزها أمام الحضارات القوية، فتكنولوجيا الصورة الحديثة تخلق حالة من الانبهار و الاستلاب لدى المشاهد، و هي دون شك تحمل الكثير من المضامين الاجتماعية و الثقافية التي تعمل عملها في سلوك الأفراد و الجماعات.

إن الانبهار بحضارة الغرب لم يكن وليد لما جاءت به تقنيات الثورة المعلوماتية فحسب، بل إن الرغبة في تقليد الغرب و الوصول إلى ما وصل إليه من ناحية التقدم و التطور، و حتى من ناحية الترف أو البذخ و الفساد الأخلاقي، ربما كان هاجسًا يراود كثير من الناس من أجل تحقيقه.

فنحن نطمح بالوصول إلى ما وصل إليه الغرب من ازدهار، و البعض الآخر قد تعجبهم أوضاعهم غير المقبولة أخلاقيًا بالنسبة لنا فيتحينون الفرص من أجل تحقيق شهواتهم.

و ما أحدثته ثورة المعلومات هو زيادة لهيب النار، فخلقت حدة في الانبهار بالغرب، ساهمت بتكوينها بشكل كبير آلياتها المتنوعة، بما تعرضه لكل دقيقة و مفصل من مفاصل الحياة المتعددة، إن الانبهار بالغرب يمكن أن نلمس أثره بتزايد الاستهلاك المفرط و الفساد الأخلاقي و تقليد شخصيات الغناء و الرياضة من ذوي الشهرة، أما موضات الملابس و قصات الشعر فحدث و لا حرج، و ذلك ما تطمح إليه الدول التي تمثل أقطاب العالم.

لقد بدأت تسقط على المواطن مؤشرات إعلامية تروج و تعرض لقيم و أساليب حياة مختلفة، و توحي بأن مجتمعات الغرب أكثر استقرارًا و حرية و نظامًا و وفرة مادية؛ الأمر الذي يزداد معه احترام الأجنبي و من ثم يتحول ذلك الاحترام إلى انبهار فتقليد لرموز الآخر و عاداته و أساليبه المختلفة؛ مما قد يساعد على الشعور بالضعة في (الأنا الجماعية) مقابل الشعور بتفوق الأجنبي المبالغ فيه.

فالفرد المدمن على استخدام شبكة الانترنيت مثلًا، تتولد لديه حالة من الانبهار و الإعجاب بما تقدمه هذه الآلية من أشياء جديدة، و كلما اكتشف دهاليز أخرى من خلالها.

و الحقيقة أن انبهار الفرد بمخرجات هذه الشبكة هو جزء من كل فبمجرد شعوره بأن هذه التقنية غربية ينبهر و يزداد إعجابه بها، إذ إنه قد ينجذب لكل ما يصنعه الغرب حتى إن كان غير مشروع.

لقد تمكنت الولايات المتحدة من استغلال جميع طاقاتها في تحقيق الإنتاج الفني و التلفزيوني وتأسيس شركات الأقمار الصناعية المختلفة، فدخلت في كل بيت تقريبًا محاولة بذلك فرض صورتها التسلطية على جميع الأفراد في العالم.

4- الترويج للعنف ..!

أخذ العنف بجميع أنواعه يزداد مع زيادة و توسع هذه الفضاءات المفتوحة، التي جاءت بها آليات الثورة المعلوماتية و التي أصبحت تمطرنا بوابل من السلوكيات الدموية التي نخشى منها على مستقبلنا و مستقبل أجيالنا القادمة.

إن البرامج الموجهة من قبل الانترنت و الفضائيات، فيها جرعات للعنف، و برزت فيها أيضًا معايير جديدة، كالصراع بين الخير و الشر و انتصار الخير على الشر، و وقوع الخير في مطبات الشر.

فموجات العنف هذه يتعرض لها أغلب من يستخدم هذه الآليات و يشاهد برامجها، صغارًا و كبارًا و من كلا الجنسين، و تشير الدراسات إلى أن الطفل في العالم المتقدم يتعرض لأكثر من (35) ألف مشهد عنف منقول عبر شاشات الحاسوب و الإنترنت و الفضائيات، هذه المشاهد عبارة عن محفزات سيكولوجية تؤثر بشكل مباشر على شخصيته.

لقد انقضى ذلك العهد الذي يحلق فيه الأطفال حول الراوي أو الجد أو الجدة لسماع القصص الخرافية عن الجنية أو عن الملاك الطاهر، فقد سلبت وسائل المعلوماتية الحديثة متعة الاستماع للجد و الجدة و حولتها لمجموعة خطوط و رسوم و ألوان في شكل سلسلة من رسوم متحركة، تتضمن قيمًا و توجهات و تأثيرات عديدة.

5- تهديد المعتقدات الدينية وتشويه صورة الفرد المسلم:

يتساءل الباحث العراق ترى، هل أصبحت معتقداتنا الدينية و إسلامنا الحنيف عرضة للتهديد بما جاءت به آليات الثورة المعلوماتية؟ أو هل أصبح ديننا الإسلامي الذي يميزنا عن الغرب لا يحظى بالأمان أمام التدفقات المعلوماتية هذه؟

إن التواصل المستمر و غير المناسب في استخدام هذه الآليات له أثر كبير في تهديد و إضعاف المعتقدات الدينية عند بعض ممن يتمتعون بقاعدة إيمانية هشة، فالحاسوب و الانترنت ذلك العالم الواسع الذي أصبح يتيح للفرد إمكانيات المعرفة و اللهو و الثقافة و الإتصال مع الآخرين، لا يجعل أمام بعض الأفراد متسعًا من الوقت للتعبد و إقامة شعائر الصلاة و الذكر، نتيجة الانشغال الذهني باستعمال هذه الآليات، و صرف الوقت الطويل في استعمالها دون التنبه إلى متطلبات و مقتضيات الفروض الدينية.

إن ذلك من الممكن أن يحدث عند الأفراد الذين لا يعيرون أهمية للجانب العقائدي، فساعات استخدام شبكة الانترنيت لا يمكن أن تصرف الفرد عن الصلاة أو إقامة الشعائر الأخرى إذا كان ذلك الفرد متمسكًا بعقائده الدينية، إضافة إلى ذلك فإن بعض ما تعرضه شبكة الإنترنت من صور و معلومات غير ملتزمة قد يكون لها أثر كبير في عدم القيام بالوظائف الدينية على أكمل وجه من قبل الفرد.

إن إبراز مثل هذه الأمور الغرض منها إيهام العقول بأن التمسك بالمعتقدات الدينية الإسلامية لا فائدة منه، و إن الذين ينتسبون للدين الإسلامي يتراوحون بين مخرب و مجرم و لاجئ و بائع، و لا يتم الإشارة إلى المثقفين و العلماء و النوابغ و صناع الحضارة العربية، بطريقة مقصودة، و لا يقتصر الأمر على ذلك بل الذهاب إلى أبعد منه في عدم إعطاء الصورة الحقيقية للإسلام، لا بل محاربته و تشويه المبادئ التي يقوم عليها.

و عليه يمكن القول بأن عملية الغزو الثقافي القادمة بها العولمة و آليات المعلوماتية المختلفة، تستهدف فيما تستهدف تفكيك الترابط و العلاقة الوطيدة بين الثقافة القومية و الدول القومية، و هذا ما تهدف إليه العولمة في غزو الوطن العربي، و كيف لا يمكن أن تهدف إلى ذلك، و قد جاءت محملة ببذور الشر و التفتيت مندفعة ألى تحقيق هدف أسمى تطالب به ألا وهو القضاء على (الثقافة العربية).

فالثقافة التي تحملها العولمة هي ثقافة مركزية ترفض الاعتراف بإختلاف الثقافات، الأمر الذي جعلها في موقف تزاحمي مع الثقافات الأخرى لتفرض نموذجها الكوني عليها، مما حدا بالعالم الثالث بصفة عامة و العالم العربي بصفة خاصة إلى الانسياق و الدخول في دهاليز و متاهات هذه الثقافة، و لا تعرف بعض هذه البلدان حتى هذه اللحظة جدوى الانقياد وراء هذه الثقافة؛ الأمر الذي جعلها بمواجهة أحد طريقين لا ثالث لهما، هما إما إطلاق العنان لهذه التبعية و الاندماج مع هذه الثقافة، أو رفضها رفضًا تامًا و عدم التعامل معها، و يمكن أن يكون هناك خيار محايد يمكن أن يصل بهذه البلدان إلى بر الأمان، و هو عدم رفض العولمة و الانزواء عنها، و إنما احتوائها و الاستفادة من مزاياها الكثيرة و تفادي ما يمكن أن تؤدي إليه من تلاشي للثقافات و اندثارها.

و يستشهد الباحث بما قاله الكاتب السوري/ عبد الله عبد الدائم، في إحدى مقالاته “إن العولمة ستؤدي يومًا بعد يوم إلى تسطيح الثقافات و سيطرة ثقافة الأقوى” إن هذه الظاهرة لا يمكن أن تحقق أهدافها و مطامعها و تنفرد بتدميرها للشعوب و الثقافات من غير وجود متلق سلبي يرحب بها، و يكون حاضنة لجرثومتها الخبيثة المدمرة و يجعل منها غزوًا لا مثيل له.

فثقافة العولمة أصبحت بحق تمثل خصمًا يقف بوجه الثقافات الأخرى، لاسيما ثقافتنا العربية، بل قد يأتي اليوم الذي قد لا تقوى هذه الثقافات على الوقوف أمام هذا النمط الكوني و آلياته المتعددة.

و هناك أمثلة لا حصر لها تشير إلى انتشار ثقافة العولمة و توسعها في المجتمعات العربية، روجت لها تقنيات المعلوماتية من شبكات الإنترنت و فضائيات وغيرها رواجًا كبيرًا، كإنتشار الأزياء الغربية و الموسيقى الصاخبة و تبدل السلوك و تضارب القيم و تفشي الأنماط الاستهلاكية الحادة … إلخ.

إضافة لما ذكر من سلبيات، تُتهم بها وسائل الثورة المعلوماتية، يجمع الكثير من المثقفين العرب و صناع القرار في بعض المؤسسات التعليمية ممن لهم خبرة قديمة في الحياة على وجهات النظر هذه:

وجهة نظر:

الرئيس الأميركي السابق/ جورج بوش أعلن في إحدى خطاباته أمام مجلس الكونغرس بأن “القرن الحادي و العشرين سوف يشهد انتشار القيم الأميركية و نمط السلوك و حياة الأميركيين في العالم” و هذا هو إنذار صريح لثقافات و شعوب العالم المختلفة بغزو كاسح متمثل بالثقافة الأميركية، التي يتم ترويجها و بثها بالمعلوماتية و وسائلها المتعددة، و ما ذلك إلا شعور بالتفوق و امتلاك ناصية القوة و هو ينطوي على النزعات الاستعمارية و الصريحة لكل العالم تحت ظل العولمة أو باسم التحديث و التطور.

وجهة نظر:

يقول بريجنسكي مستشار الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر “إن الأثر التراكمي للثورة التكنوترونية هو أثر متناقض فمن جانب تطلق هذه الثورة بدايات مجتمع عالمي و من جانب آخر تفتت الإنسانية و تنتزعها من مراسيها التقليدية”.

إن هذه الثورة ليست نارًا ملتهبة تلتهم ما تراه من قيم و ثقافات المجتمعات، و إنما هي مسيرة تجود بخيراتها لمن يوظفها بشكل سليم، و يمكن أن تلحق بالشعوب و الثقافات آثارًا بشعة عندما تستغل لأغراض التدمير و الخراب من قبل بلدان أخرى، أو عدم الاستخدام الصحيح من قبل الشعوب نفسها، فالشعور بالقوة و الشعور بالسير في الإتجاه الصحيح يمكن أن يتكون عند من يستحوذ على المعلوماتية و وسائلها العديدة و يستخدمها بإتجاه ما يريد و يرغب.

وجهة نظر:

إننا أصبحنا نداهم من حيث لا ندري بحصار ثنائي بدأ يلتف حولنا متجاوزًا قضايانا و أطروحاتنا و أفكارنا، و هذا الحصار لا يستهدفنا فحسب و إنما بات حالة كونية جديدة نندرج فيها مع غيرنا ممن نلتقي معهم أو نصارعهم؛ هذا الحصار الجديد أخذ يهدد العقلانية و ثقافتها، فلم تعد القضية قضية غزو ثقافي و فكري جاءت به العولمة و أدوات المعلوماتية للعالم الثالث و العالم العربي، بل هو اختراق و غزو للعالم أو الكون أجمع، من خلال ما جاءت به الثقافة الإلكترونية من بلاغة و ثقافة للصورة جاعلة من السهولة التعرف و مشاهدة العالم من خلال نافذة صغيرة متمثلة بالإنترنت و الحاسوب و القنوات الفضائية و غيرها من تقنيات ثورة المعلومات.

إن الغرب بواسطة شبكة هائلة من الاتصالات البصرية و السمعية، أصبح بإمكانه تصنيع الأطر الأساسية لمعارف ما بعد الحداثة، و تمكنت “العقلانية الأميركية” أن “تفلسف” اللامعقول الدولي و “تفهم” لا توازنيته، و تضع أفكارًا خاصة في قالب متميز، لتعطيه صفة النظام المقتدر على تحقيق الحرية و الديمقراطية للشعوب أجمع.

وجهة نظر:

إن التقنية الغربية المتطورة استطاعت أن تبهر العقول، و الحقيقة هو ليس انبهارًا بقدر ما هو عملية أدلجة و إعادة صياغة للعقول بما تنتجه و تجود به هذه التقنيات المعلوماتية المتطورة. و يشير إبراهيم الداقوقي في مقالة له إلى عملية غسيل مخ الإنسان العربي، من خلال ما تقدمه و تبثه الإمبراطوريات الإعلامية المختلفة، و يقول “إن هذه العملية بدأت في الأنظمة الشمولية عندما وضع الشيوعيون الروس بعد نجاح ثورتهم البلشفية مكبرات الصوت في معسكرات الأسرى “الرجعيين” من أنصار القيصرية الروسية للحديث عن فضائل الماركسية، و قد تكررت عملية غسل الأدمغة نفسها في عصرنا الحاضر عصر الإنترنت و الفضائيات و ثورة المعلومات عندما شاء القدر أن يتولى رجال أفذاذ متسلطون مقاليد الأمور في مجتمع الاتصالات الجماهيري، من خلال امتلاك أولئك لوسائل الإعلام المقروءة و المسموعة ممن ارسوا الإمبراطوريات الإعلامية المختلفة في جميع أنحاء العالم” و أصبحت لهم هناك قنوات عديدة يستخدموها لبث نتاجاتهم إلى أقصى بقاع الأرض.

وجهة نظر:

لقد أصبح من يمتلك وسائل المعلوماتية قادرًا على تسويق ثقافته و قيمه و فرضها على الآخرين عبر غسل الأدمغة الآثيري، و بالتالي تحقيق أهدافه و بيع بضائعه، و كلما قويت مواقع المعلوماتية قويت سلطات السيطرة من خلال حرب لا يستخدم فيها السلاح ولا يجري فيها الدم ولا يمكن رؤيتها، لأنها تحدث في عالم الآثير الفضائي، و هي بحد ذاتها كما يعدها البعض من أسوء الحروب بإعتبارها تمس عقول البشر و تنتهك أفكارهم و خصوصياتهم.

وجهة نظر:

إن الأحلام التي كانت تراود الكثير من أن المعلوماتية و العولمة هما جسدًا أو ممرًا يمكن أن تسير عليه جميع الأمم من أجل تحقيق قوة عالمية كونية في العالم قد تلاشت فأضحت المعلوماتية هذه الآلية المسالمة تمثل عن طريق العولمة و أهدافها غير المشروعة فخًا للأمم و الشعوب التي لا تعرف ما هي أبعاد و مضامين العولمة.

وجهة نظر:

إن ثقافتنا العربية اليوم و عن طريق ثورة المعلومات أضحت لا تصارع الثقافات القومية التي تدعو لها العولمة مصارعتها من أجل الدخول في الثقافة الكونية فحسب، و إنما تصارع قوة الثقافة العالمية نفسها و التي هي بلا شك ذات أرضية قوية خلقتها لها هذه الثورة فلا يمكن التصدي لها دون تعبئة الجهود الرامية إلى إحباط مخططاتها في عولمة العالم.

فالعولمة بطموحها المستمر لتحقيق دور متميز (لإسرائيل) في قلب الأمة العربية، تهدف إلى طمس الهوية العربية، من خلال زرع الفتات الصهيوني المتشرذم في أرض فلسطين و الأراضي العربية الأخرى و الترويج لأفكار اليهود مستغلة بذلك جميع آليات العولمة و ضمنها ثورة المعلومات.

وجهة نظر:

إن الغرب ليس من ضمن مخططاته تحقيق التقدم للمجتمعات العربية و نقلها إلى مصاف الدول المتطورة، فيمدها بثقافة المنشأ الأصلية التي يتمسك بها، لكنه يعلم بأنه لا فائدة ترجى من بعض جوانب ثقافته و إنما تعكس التخريب و الدمار الحضاري لذلك يحاول نشرها وتعميمها. و على الرغم من أن ذلك كله يمكن تسميته بالغزو أو الاختراق أو الاكتساح و حتى بالهجوم، إلا أن جميعه يصب في مصب واحد، هو تذويب الثقافة العربية و محاولة اجتثاثها من جذورها.

و عليه يمكن القول أن ثقافتنا العربية باتت في خطر وشيك أمام تطلعات الغرب المشبوهة، و التي هي إن كانت محصنة من جهة فربما توجد ثغرات و مكامن ضعف تسهل اختراقها من جهة أخرى.

وجهة نظر:

إن أخطر ما يواجه منظومة الثقافة هو الاختراق فالثورة المعلوماتية جاءت بالعديد من الآليات التي أصبحت تمثل تهديدًا واضحًا للقيم و المعتقدات و الأخلاق و قد عملت العولمة و كرست جهدًا كبيرًا و ملموسًا من أجل الإطاحة بالقيم و المعتقدات العربية بنشرها قيم و ثقافة الغرب، التي تمثل مقابل الثقافة العربية قطبين متناقضين لا يمكن أن يلتقيا أبدًا و لذلك تبرز وسائل الثورة المعلوماتية كأدوات نشطة لترجمة هذه النوايا الغربية الهادفة إلى تجريد العرب من أي ثقافة تعكس تراثهم و ارثهم الحضاري و إلباسهم ثقافة الغرب و هذا ما تطمح و تنادي و تهيئ له العولمة في جعل إنسان عصر المعلومات إنسانًا كونيًا أو كوكبيًا ليس له جذور، و إنما انتماءه الحقيقي هو لهذه الظاهرة و آلياتها المتعددة.

وجهة نظر:

مثلما يمكن أن يتأثر البناء الاجتماعي بدخول ثورة المعلومات نتيجة الاستخدام غير المناسب لها، فمنظومة الثقافة هي الأخرى عرضة لهذه المؤثرات، إذا تم استخدام آليات المعلوماتية بشكل غير مفيد و مثمر.

فالقيم و العادات و التقاليد قد تتأثر سلبيًا بالاستخدام غير المناسب لآليات ثورة المعلومات، مما قد ينجم عنه ترويجًا لبعض القيم الغير أخلاقية و توطنها في بعض الأحيان محل القيم و الممارسات الأخلاقية.

وجهة نظر:

لا نريد من الغرب أن ينعتنا بالتخلف عند إبراز بعض سلبيات الثورة المعلوماتية، حيث يذهب به الاعتقاد إلى أن عدم القدرة على مجاراة هذا التطور المعلوماتي المهم، هو ما يدفعنا لإظهار بعض سلبيات هذه الثورة إلى السطح.

وجهة نظر:

إن دافع الحيطة و الحذر من أن تخترق مجتمعاتنا هو الذي يحفزنا للتركيز على هذه السلبيات، مع عدم تجاهل الوجه الآخر للثورة المعلوماتية، و الذي يمكن أن يمثل فاتحة عهد جديد للبلدان النامية و من ضمنها الوطن العربي لاسيما أنها دول مستوردة لهذه التقنية.

وجهة نظر:

الكومبيوتر هذه التقنية الرائعة أصبح لا يستغنى عنه في كثير من الأمور، فرغم أن العدسات الفاحصة التي كان يستخدمها (شارلوك هولمز) قد فتحت المجال واسعًا أمام المجهر الإلكتروني (الميكروسكوب) و أدوات تحليلية أخرى فإن تلك العدسات أصبحت ضربًا من الماضي بعد ظهور أجهزة الكومبيوتر المتطورة و التي فتحت لكثير من التخصصات آفاقًا أرحب.

إن تطور هذه التقنية في السنوات الخمس و العشرين الماضية يدل على القدرة الهائلة لهذا الجهاز للقيام بعمليات عقلية كانت مقصورة على الدماغ الإنساني وحده، أو تتعدى سرعتها و تعقدها طاقة هذا الدماغ، كما لم يعد استخدام هذه الآلات محصورًا في العمليات الحسابية الرياضية لا بل تجاوزها إلى التطبيقات التكنولوجية و الاهتمامات العلمية، و إلى الحقول التجارية و الإدارية و التربوية؛ الأمر الذي أدى إلى حاجة ملحة و ضرورية لتواجد و استخدام مثل هذه الآلات.

وجهة نظر:

لو أردنا تصور شبكة الإنترنت منذ عقدين أو أكثر من الزمن و نتخيلها، فأننا قد نتصورها ضرب من الخيال و لكنها اليوم تمثل عماد المجتمع المعلوماتي الجديد و معجزته التي يبشر بها، حيث فتحت هذه الأداة الجديدة العالم على أبوابه، و دكت كل التحصينات و الأسوار، فخيمت بإنتشارها السريع على العالم الآثيري لينصاع العالم لها و يستسلم لجموحها.

و من أهداف شبكة الانترنت في التعليم، تزويد الشباب بخدمة معلوماتية مستقبلية قائمة على أساس الاتصال و الاجتماع بأعضاء آخرين من داخل المجتمع أو خارجه؛ الأمر الذي ينتج عنه تطوير التحاور و الإبداع و تبادل الأفكار الخلاقة و البناءة، و الاستفادة منها في تحقيق المرامي القريبة و البعيدة، و كذلك المساهمة في تأسيس ثقافة المعلومات لدى الجيل الناشئ لتأهيلهم بمتطلبات المرحلة القادمة.

إن الإنترنت إضافة لما سبق من فوائد و مزايا متعددة، فالمرء المشترك بهذه الشبكة في منزله أصبح بإمكانه أن يقلب صفحات كتاب أو دراسة مهمة موجودة في جامعة اكسفورد مثلًا، أو في متحف برلين، أو في مكتبة الكونغرس، أو أن يشاهد وثيقة في اليونسكو في باريس، أو التحدث مع أستاذ في تخصص ما أو شخصية مهمة بالبريد الإلكتروني بمجرد وجود مواقع إلكترونية لهؤلاء الأشخاص.

و لا تقتصر خدمات الإنترنت على ما سبق، فهي يمكن أن توفر عددًا كبيرًا من الخدمات المهنية و التجارية و خدمات السفر و بيع التذاكر.

يتساءل الباحث العراقي/ مازن الربيعي ترى هل ستقيم شبكة الإنترنت همزة الوصل في المجتمع المعلوماتي؟

و يجيب على تساؤله قائلًا: إن الفكرة الذهبية وراء النجاح الباهر الذي حققته هذه الشبكة تكمن في أن التكنولوجيا لا تحقق أهدافها إلا إذا انصهرت في الكيان المجتمعي، و أصبحت متوفرة لجميع الأعمار على اختلاف قدراتهم، سبيلها إلى تحقيق ذلك فتح قنوات الاتصال إلى أقصاها، و هو ما قامت به هذه الشبكة الطفيلية إنه بحق عهد الطفيلي يعلو فوق ما أقامه الآخرون بسد النقص و إقامة همزة الوصل.

وجهة نظر:

مثلما يمكن أن تضم الثورة المعلوماتية في طياتها العديد من الأمتيازات، و التي تعد بمثابة نذر خير تلوح في الأفق فهي لا تبرح مكانها بهذه الإيجابيات فقط، و إنما تكشف النقاب عن سلبيات عديدة تكاد تصدع أسسنا الثقافية مثلما جاءت للبنى الاجتماعية بأثر مدمرة.

فالإنسان ما يزال يتعرض في هذا العصر إلى كم هائل من المعلومات يصعب عليه في كثير من الأحيان التعامل معه إذ حاصرت المعلومات الإنسان و مازالت تحاصره بواسطة وسائل عدة، إننا اليوم أصبحنا نعيش في عصر تتزاحم فيه الأفكار و تتصارع الشعوب في ظل فضاءات مفتوحة تبث من خلالها برامج الفضائيات و الإبحار عبر شبكة الإنترنت؛ الأمر الذي يؤدي إلى تصادم القيم و الأخلاقيات في ظل هذا السيل الهائل من المعلومات.

فالتقدم المتسارع في عالم الكومبيوتر و المعلوماتية يدعو للدهشة، إذ تسللت هذه التقنيات إلى جميع مناحي الحياة الحديثة حاملة معها سلبيات تكاد تكون في بعض الأحيان قاتلة و مدمرة و مكتسحة ما تراه أمامها من قيم و ثقافة للشعوب المختلفة.

وجهة نظر:

إن الثورة المعلوماتية من المفترض أن تساهم في بناء الفكر الإنساني و تطوره الحضاري العام، و لكن استخدامها سلبيًا في تحقيق الأهداف، وضع هذه الثورة في طريق تهديد الوجود الإنساني الحقيقي و تحويله إلى مجرد وجود هامشي، يعيش فيه الإنسان فارغًا لا يفكر و لا يقرر و لا يشارك و لا يتعاون ليكون مجرد حيوان يأكل و يشرب و يلبس ما توجهه نحوه وسائل المعلوماتية؛ كل هذا بلا شك سيقود إلى ترسيخ حالات ضحالة الفكر و تسفيه العقل و سلوك التفاهات في عالم سوف تزداد فيه الفوضى و الفساد و العنف، و بعد زمن قد لا يرى فيه العالم القيم الأخلاقية لمدة طويلة، و يجد نفسه و قد دخل في متاهات الفوضى و تخبط القيم و صعوبة الركود في بؤرة واحدة تحافظ على التراث و تصون الحاضر من الدخول في دوامة المسخ و التبعية.

فهجوم أسراب المعلوماتية فوق سماء عقولنا و ثقافتنا و إلقاءها علينا بكم هائل من المعلومات الغثة و السمينة؛ سوف يخلق آثارًا سلبية كبيرة في تشكيل الأفكار و الأخلاقيات؛ و تؤسس بناءًا معرفيًا هشًا قائمًا على السطحية و التغرب و التفاهة، و تتنوع الآثار السلبية للثورة المعلوماتية التي تستهدف النسيج الثقافي بتنوع أدواتها و اختلاف أهدافها، و لكنها تسير كلها في إطار واحد، و هو تأسيس بناء حضاري زائف يعتمد على وجود المظاهر و القشور مع إفراغ الجوهر الحقيقي للإنسان روحًا و عقلًا و أخلاقًا، و جعله كيانًا يعاني فجوة في الذات، و صعوبة في لم الشتات و المحافظة على الشخصية من التسطيح و الاغتراب.

مهتم بأمور التعليم

الثورة المعلوماتية بالوطن العربي.doc1x.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك