الحاضر الغائب من القيم في علاقة الأستاذ بالطالب

2 أبريل , 2015

 لعل الناظر إلى واقع كثير من المؤسسات التعليمية اليوم، وما تشهده من تحولات كبرى  في سلوك الطلاب والتلاميذ، والتي تعكس جزءً من التحولات القيمية والثقافية العارمة التي تعيشها المجتمعات برمتها،  وتظهر  بقوة في المؤسسات التعليمية لدى الفئات الشابة؛ يدفع للقول بأن كل تلك التحولات مجرد مظاهر لبعض الخلل الذي أصاب  نظام القيم السائد في المجتمع، وهذا الخلل الذي طال نظام القيم أدى إلى نوع من الاضطراب وفقدان السواء في البناء النفسي والتمثلات القيمية التي تضبط سلوك الإنسان وتنظم علاقته بالمحيط الاجتماعي، من الأسرة إلى المدرسة فالمجتمع؛ ولما تغيب الاستقامة في سلوك الإنسان وتنخرم المعايير القيمية الضابطة في بناء التصورات العقلية والوجدانية والمرشدة للسلوك الاجتماعي حيثما حل وارتحل هذا الأخير، فإنه من الطبيعي أن تبرز لنا في المدرسة والجامعة (أو غيرها من الفضاءات الاجتماعية)  علاقة بين الطالب وأستاذه، أو بين الأستاذ وطلابه، ذات سمة محكومة بنزعة الصراع تنتفي فيها مقومات السلوك القويم والرشيد الذي يجب أن يطبع الفضاءات والمؤسسات التي تعنى بشؤون التربية والتعليم، ونزعة الصراع هاته تنتقل من المؤسسات التربوية إلى باقي المكونات والفاعلين، باعتبار المدرسة والجامعة حاضن لكل هؤلاء.

 وبذلك نجد الفضاءات التعليمية التربوية تحيد عن وظيفتها ومهتمها المركزية في إعداد النشء وتربية الأجيال الذين هم لبنة أساسية في بناء مستقبل المجتمعات والأمم، فالحرص على تمتين الروابط بين الأستاذ المربي وطلابه أو تلامذته، ضرورية لضمان مردودية وعطاء علمي أكبر؛  والأمر لا يقتصر على المردود العلمي وحسب، وإنما له صلة بوضوح الرؤية وسلامة الهدف عند  الأجيال الصاعدة، ووصل التعليم والتربية ببناء الشخصية وتقويم السلوك الفردي والجماعي، حماية للفضاءات التعليمية من إنتاج الانحراف والتفكك القيمي والسلوكي، الذي أصبح طافحًا باعتماد العنف  منجاً، من جانب التلميذ والطالب مع أستاذه، وأحيانًا كثيرة نجد الطريقة التقليدية في التدريس، التي تعتمد  منطق القوة والتعنيف المادي والمعنوي، بدل الحوار القائم على الحجة وتلقين طرائق التفكير الحر  في مختلف المستويات التعلمية الأولية؛ وما أكثر الابتزاز الجنسي والتحرش الذي يمارسه أساتذة شهوانيون في حق الكثير من  طالباتهم من أجل منحهم رتبًا متقدمة على زملائهن، أو اعتماد الإثارة من خلال اللباس أو الإيحاء بالعبارة والإشارة أحيانًا من طرف الكثير من الطالبات في صلتهن بأستاذهن.

كل تلك الطرائق هي انحراف عن الجادة في علاقة الأستاذ بالطالب أو الطالب بالأستاذ، والتي تحتاج الإشارة بنوع من الإجمال مع التمثيل أحيانًا، لتقويم الصلة بين طرفي العلمية التعليمية التعلمية، وحين افتقاد السواء في الصلة، فإن كل المحاذير التي تعود بالسلب، ليس عليهما معاً وحسب، وإنما على كل العملية التعليمية.

وإذا أردنا أن نشير لبعض مظاهر الخلل في النظم القيمية التي تربط الأستاذ بطلابه، أو العكس، فإنه ينبغي الإشارة إلى جملة من الاختلالات المترابطة فيما بينها، وهي لا تنفصل في فضائنا التعليمي العربي، الذي يرزح تحت واقع التخلف المركب الذي يصيب الإنسان والمجتمع برمته، منه ما هو موروث، ومنه ما هو وافد مع رياح الاستعمار والعولمة وموطن  مع الاستبداد والتسلط الذي ينظر إلى الفضاءات التعليمية نظرة ريبة وقلق، باعتبارها منتجة للوعي النقدي وصانعة للتغيير، ولم تكن تلك التشوهات قاصرة على الفضاء التعليمي، وإنما هو حلقة من الحلقات  التي تستبطن أعطابًا جمة بحاجة إلي تفكيك وتجاوز لدى كل الفئات الاجتماعية والفاعلين، أو هي بحاجة إلى قيم بحاجة إلى ترسيخ وتثبيت، وخاصة في محاضن التربية والتعليم.

ومن جملة تلك الأعطاب، نشير إلى بعضها، ونقتصر على ذكر اثنين منها:

1_ اعتماد الطرق التقليدية في التدريس عند الكثير من رجال التربية والتعليم، لاسيما الذين درسوا في بيئة تقليدية أو باعتماد نظم تعليمية تقليدية، أو استصحبوا معهم أساليب القوة من محيطهم الأسري والاجتماعي، فالمحيط مؤثر وفاعل قوي  في بناء الشخصية الإنسانية وتكوينها، ويظهر ذلك بقوة حين ينزع الأستاذ إلى العنف في التعامل مع تلامذته الذين يعيشون فورة الحماسة والشباب، وحين يريد أن يضبط تفاعلاتهم التي تظهر أحيانًا كثيرة في مظهر الشغب، فإنه لا يلجأ إلى الحوار  القائم على الإنصات من أجل تقويم بعض انحرافات التلاميذ والفئة المتعلمة، وترشيد سلوكها، وبهذا النزوع للأستاذ يكون قد أهمل جانبًا مهمًا ومحوريًا من وظيفته، والتي ترقى إلى التربية وتسهم في بناء الشخصية، ليس فيما له علاقة بالمواد الدراسية وحسب، وإنما بالبناء النفسي والإسهام في صياغة التمثلات وتشكيل رؤية جديدة للمتعلم في علاقته بمحيطه الاجتماعي برمته، وتلك عملية ليست بالهينة، تحتاج من المدرسين مهارات تواصلية جبارة.. فقد تكون النظم التعليمية والفضاءات التعليمية ذات جودة عالية، لكنها تنهار وتتفكك ولا تؤدي أهدافها لما  يفتقد المدرس الذي يزاوج بين وظيفة التعليم وطرائق التربية الحديثة..

2_الأستاذ مثال وأنموذج حي لطلابه، يتفاعل معهم ويحس بهم ويشاركهم جملة من همومهم الخاصة والعامة؛ وهو أسوة في زمن النجومية الذي أصبح فيه المثال والقدوة مستورد من غير بيئتنا، ووافدا بفعل تأثيرات  الثورة المعلوماتية الضاربة، حيث أصبحت مجتمعاتنا مفتوحة ناصبة أشرعتها في كل الوجهات، وقدر الضعيف المغلوب أن يكون مولعًا بتقليد الغالب كما قال فيلسوف الاجتماع ابن خلدون، وما دام التخلف حقيقة واقعة بمجتمعتنا، فإن التأسي بالآخر وتمثل بعض ملامح شخصيته، أصبح حقيقة كذلك عند أغلبنا ولا يمكن نكرانه أو مجافاته، سعياً للتمدن والريادة، ولذلك، فإن الأستاذ والمربي يزاحم هذا التيار الجارف من عوالم النجومية الوافدة ، وما لم يكن متمثلا لخصال وسمات تجعل منه قدوة حسنة، يتطلع الطلاب والتلاميذ إلى احترامه وتقديره حسن التقدير، لأنه أهل لذلك، فإن الفضاء التعلمية والوظيفة التربوية ستفتقد أحد أسسها التي تبني في الأجيال إرادة متحررة من الاستلاب للآخر والتماهي معه، وذلك لا يعني الانغلاق والتقوقع على الذات، لكن زمن العولمة المتسارع وعالم الصورة، يقوم على تسويق نماذج سلبية لا تصلح للتثمل والتأسي، فهي نماذج تنزع نحو الاستهلاك وتعتمد آليات وقيم  السوق كما سماها د. عبد الوهاب المسيري رحمه الله، وما أكثر ذلك في عالم الفن والرياضة، وإلا فإن ضرب الأمثلة بنماذج من صناع الفكر ورائدي العلوم غائب لدى فئاتنا الشابة، وهو لعمري عين التأسي الذي ينبغي أن يسود ويتم التسويق له ونرسخه فيما بيننا، لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، وأهداف التسويق لنجومية الرياضة والفن الفاقد للمعنى المتحكم فيه من طرف شركات الاستشهار، غير أهداف عالم الفكر  والعلوم، المستأثر به لغايات معلومة، أهمها استدامة التخلف وحرمان أمتنا من النهوض.

وفي حديثنا القدوة، لا يفوتنا أن نشير إلى بعض الممارسات السلبية، للأسف التي باتت تطغى وتستفحل في المدارس والجامعات،  بحيث يصبح الأستاذ والمربي قدوة سلبية لما يجنح إلى منطق الابتزاز للطالبات والتلميذات اللاتي في عمر الزهور، من أجل إشباع رغبة مرضية وسد جوعة جنسية تذهب معها كل  القيم مهب الريح، ويكفينا الاطلاع بين الحين والآخر الاطلاع الجرائد والصحف، والاستماع إلى همهمات الطلاب والتلاميذ عن كثير من أساتذتهم الشهوانيين، الذين يسعون إلى تحويل قاعات العلم والدراسة إلى مرابد لإشباع  غرائزهم الحيوانية، وهذا لا يقتصر على الأساتذة وحسب، وإنما الكثير من الطالبات ترغب في استمالة أساتذة بمختلف الطرق، معتمدة في ذلك مختلف وسائل الزينة والإثارة، وهذا وذاك بحاجة لحديث وافي مستفيض لتجنيب مؤسساتنا هاته الظاهرة المستفحلة، ولحماية مجتمعاتنا من التفكك القيمي والتلاشي.

فكما الأستاذ ينبغي أن يكون قدوة فكذلك التلميذ والطالب بحاجة لأن يتسم بالخلق النجيب، فهي مسؤوليات وأدوار متكاملة، بين الأستاذ وتلامذته، وكذا الهيئات المختصة بالاستشارة والتوجيه.

أما فيما له صلة بقيم بحاجة إلى تثبيت وترسيخ في فضاءاتنا التعليمية، وفي علاقة الأساتذة بطلابهم فهي كالآتي على سبيل الإجمال:

1_اعتماد الحوار طريقًا في التدريس وحل المنازعات داخل الفضاءات التعليمية، فقيمة الحوار أساسية في لترشيد سلوكنا الاجتماعي وتقويمه، ويكفي أن نرى منطق القوة وما يحدثه فينا من مساوئ، وكيف أن القبول بالاختلاف والتنوع الذي هو سمة إنسانية أصيلة، لا يمكن القبول بها، دون اعتماد الحوار شرعة ومنهاجًا بدلاً من التنازع القائم على نفي الآخر، فيجعل من الأطراف تلغي بعضها بعضًا، بدلًا من التأسيس لسلم اجتماعي وتعايش بين مختلف الأطراف؛  والمدرسة في ذلك أو الجامعة، ينبغي أن تكون منبتًا لمثل هذه القيم حتى ننزع فتيل التوتر والصراع الذي أصبح طافحًا في مجتمعاتنا العربية، وبتنا لا ننشد الحصول على شيء إلا واعترضنا سؤال الكيفية في الحصول على هذا الحلم والهدف المنشود، وذلك لأننا لم نتمرن كثيرًا على الحوار واعتماد أسلوب يمد الجسور بين مختلف المكونات والأطراف.

فالعنف الطافح في مجتمعاتنا تعود أصوله إلى محاضن التربية والتنشئة الأولى، في البيت  عندما يقمع الأب ابنه الذي يطرح أسئلة بالفطرة ويبدي شكوكًا ومشاكسات، فيكون رد الوالد والمحيط بالمنع والحجر،  وفي المدرسة التي ينتظر منها أن تحضن هذا الفتى وتمنحه بعض إمكانات التعويض عن المفتقد من طرق التعبير عن هواجسه، لكن عند الأستاذ والمدير  أو العميد والمسؤول التربوي، يجد منطق المنع والرد العنيف رمزيًا وماديًا أحيانًا تحت دعوى ضرورة الطاعة والاحترام، فيزداد التلميذ والطالب شعورًا بالحرمان، ويكبت معاناته الذهنية والوجدانية التي لا يجد لحلها سبيلا في مجتمع يرزح تحت ضغط التسلط والاستعباد بين مختلف فاعليه ومكوناته.

كل ذلك ينتج لنا ردود أفعال متطرفة، قد تظهر أحيانًا في سلوكات انحرافية من خلال معانقة عوالم المخدرات أملا في النسيان وتجاوز مرارة وألم الواقع، وذلك بارز حيث تزيد من تيه جيل بأكمله، وأحيانًا كثيرة التعويض في حضن التطرف تحت يافطة الإيديولوجيا أو الدين.

2_نهج الرفق و اللين والرحمة أسلوبا في التواصل بين الأستاذ وطلابه، بدلا من الشدة والغلظة، وقد قال الله تعالى مخاطبا نبيه الكريم {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران، الآية 159) وقال سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ” ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع  من شيء إلا شانه”( رواه الإمام أحمد.

فأسلوب اللين والرحمة كفيل في ترشيد المجتمع والأمة برمتها، وليس علاقة المدرس بطلابه، لكن التمرن على هذا النهج والأسلوب في المعاملة،  يبدأ أول الأمر في المؤسسات التربوية ومحاضن التنشئة الاجتماعية الأخرى، فإذا افتقد اللين والتراحم في العلاقات، انفرط عقد نظم وأنساق بكاملها، وهذا العنصر ذات صلة وثيقة بخيار الحوار السالف ذكره.

3_الإشراك الجماعي للطلاب والتلاميذ في في العملية التعلمية، وتجنب طرق التلقين التقليدية، فإشراك التلميذ أو الطالب من خلال عروض وأنشطة داخل قاعة الدرس  تكون أقرب إلى الإفهام منها في باقي الطرق التقليدية التي تجعل من العلاقة بين الأستاذ علاقة عمودية.

4_التربية بالمثال  والقدوة، ويكفي الوقوف مع العنصر الأول  الذي سبق الإشارة إليه.

إن التجديد في طرق التواصل داخل محاضن التربية والتعليم، وفي علاقة الأستاذ بتلامذته أو طلابه، وكذا تجديد الصلة بنظام قيم يزاوج بين الأصالة والتحديث، كفيل بحل أعطاب وتجاوز معيقات، لا تعاني منها المؤسسات التعليمية فحسب، وإنما هي داء ينخر الجسم الاجتماعي برمته داخل مجتمع ينشد النهوض، لكنه بحاجة لتشخيص الأعطاب على حقيقتها، اعتماد الشراكة بين الجميع في سبيل تجاوز تلك الأعطاب، وتصحيح رؤية فئتنا الشابة والمتعلمة هي مسؤولية منوط بالجميع تحقيقها، تجنبًا للأعطاب الحاضرة في نظمنا التربوية وترسيخًا للقيم الواجب تأكيدها واستحضارها.
وفي المرة المقبلة سنعالج موضوع العنف بالجامعة المغربية والذي يطال الأستاذ والطالب معا وكذا الفضاء الجامعي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك