الذكاءات المتعددة ..أصل المفهوم وأثره في تطور التدريس

22 نوفمبر , 2015

كانت المدارس الكلاسيكيّة في علم النفس تنظر إلى الذكاء باعتباره كلّ لا يتجزأ لدى الأفراد من منظور خارجيّ لعمليّة التعليم، ولم تستطع النفاذ إلى شخصية الطالب وتحليل الانفعالات أو التنبؤ بما هو منتظر منها، إلى أن برزت نظرية الذكاءات المتعددة للفرد والتي تبرز حسب النظرية عند الأطفال ذكاءات متعددة ومواهب مختلفة، كما أنّها تبحث في كيفية تتشكل الإمكانات الذهنيّة للفرد وأنماط التعلم، وكان لهذا الاكتشاف أثر إيجابيّ في النظريّات التربويّة.

تنتمي النظريّة بالأصالة على مجال علم النفس المعرفيّ، وإعمالها في المجال التربويّ أحدث تغييرًا جذريًّا ملموسًا حسب المتتبعين لأثر مناهج وطرق التدريس على المتعلّمين ومدى فعاليّة هذه المناهج في إكسابهم مهارات وتحقيق نتائج فعّالة ومثمرة، وهي بذلك على عكس النموذج التقليديّ في التربيّة الذي كان ينظر إلى الذّكاء نظرة واحدة ومن ثمّ كان تعميم نمط من التعاطي موحّدًا داخل الفصل الدراسيّ دون تمييز مع مجالات الإبداع وطرائق التدريس.

إنّ القبول بالاختلاف و التعدد في ذكاءات النّاس الاجتماعيّة وطرق استعمالها وتوظيفها يؤدي إلى إغناء المجتمع وإثرائه بأنماط مختلفة من التفكير والإبداع من خلال الانفتاح في النظم التربويّة وطرق التدريس، بحيث يكون تعدد الذكاءات يؤدي بنا إلى تعدد في المداخل التعلميّة، لتحقيق التكامل والتواصل بين مختلف المتعلمين، ومن ثمّ تحسين المردوديّة، فلا يبقى المدرس هو محور التركيز في الصف الدراسيّ، وإنّما يصبح المتعلم هو المحور في العمليّة التعليميّة التعلميّة، فيسهم في الإنتاج والتفعيل.
لم تأتِ النظريّة المذكورة بناء على جهد فرديّ، أو مجال اهتمام علميّ وحيد، وإنّما هي صيرورة لجملة من الأبحاث العلميّة تطورت فيما بعد، وتشكل أساسها على عمل فريق بجامعة هارفرد سنة 1979، حيث طلبت مؤسسة (فان لير) من الجامعة إنجاز تقييم علمي لوضعية المعارف العلمية التي تعنى بالقدرات الذهنية للإنسان والنظر في مدى تحققها واسغلالها من خلال المعاينة والاستطلاع.

قام بالمهمة فريق بحثي مكون من عدة باحثين من تخصصات متعددة ومختلفة في الآن ذاته، ومن ضمن هؤلاء هاورد جاردنر GARDNER، وكانت الخلاصة اكتشاف النظرية بأسس علمية متينة لا تستند إلى النظر في الاختلاف والممارسة الثقافية المتمايزة وإنما مسنودة بأبحاث علمية شملت معاينة النمو الذهني للأطفال العاديين وكفاءاتهم، وكيفية اشتغال الملكات الذهنية خلال حدوث تلف دماغي في بعض أجزائه، فلا ينتج عنه الشلل لكل وظائف الدماغ، ومعاينة الأطفال، الموهوب منهم والانطواء ومن له مشقة في التعلم، إلى جانب دراسة النشاط الذهني لمختلف الشعوب المتمايزة ثقافيًا.
وبهذا البحث المتنوع والاختبارات المختلفة خلص جاردنر في ثمانينات القرن الماضي إلى القول بتعدد الذكاءات ضمن كتابه “أطر الذهن Frames of mind “، وكل ذكاء من الذكاءات يعرف نوعًا من النقص يمكن تنميته وتقويته بأساليب معينة كما يتم العمل على باقي الذكاءات النشطة، وهكذا سقطت مقولة الذكاء الواحد للأفراد بأبحاث علمية وميدانية، وأصبح النظر في القدرات الإنسانية ومواهب الأفراد باعتبارها متعددة ومتباينة وليست نظرة كلية، يقول جاردنر “إن الوقت قد حان للتخلص من المفهوم الكلي للذكاء، ذلك المفهوم الذي يقيسه المعامل العقلي، والتفرغ للاهتمام بشكل طبيعي للكيفية التي تنمي بها الشعوب الكفاءات الضرورية لنمط عيشها، ولنأخذ على سبيل المثال أساليب عمل البحارة في وسط البحار، إنهم يهتدون إلي طريقهم من بين عدد كبير من الطرق، وذلك بفضل النجوم وبفضل حركات مراكبهم على الماء وبفضل بعض العلامات المشتتة. إن كلمة ذكاء بالنسبة إليهم تعني بدون شك براعة في الملاحة. ولننظر كذلك إلى المهندسين والصيادين والقناصين والرسامين والرياضيين والمدربين ورؤساء القبائل والسحرة وغيرهم.

إن كل الأدوار التي يقوم بها هؤلاء ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، إذا قبلنا تعريفاً جديداً للذكاء، باعتباره كفاءة أو قدرة لحل المشكلات أو إنتاج أشياء جديدة، ذات قيمة في ثقافةٍ ما أو مجتمع ما من المجتمعات، إن كل الكفاءات والقدرات التي يظهرها هؤلاء في حياتهم وعملهم تعتبر بدون شك شكلاً من أشكال الذكاء الذي لا يقتصر على المهارات اللغوية أو الرياضيات والمنطق، التي طالما مجدتها اختبارات المعامل العقلي، وعلى هذا الأساس، فإن نظرية الذكاءات المتعددة تقف موقفاً خاصاً من اختبارات الذكاء، التي طالما مجدت وقامت بإصدار أحكام بخصوص الطلاب ومستقبلهم الدراسي (أحمد أوزي،1999).

وبحسب ما سبق، فإن الذكاءات تتعدد للإنسان، وغير محصورة أو واحدة، ويمكن الإشارة إلى بعضها كالتالي:
_الذكاء المنطقي الرياضي
_الذكاء اللفظي_اللغوي
_الذكاء البصري المكاني
_الذكاء الموسيقي
_الذكاء الجسمي الحركي
_الذكاء التأملي الذاتي
_الذكاء التواصلي التعاوني
_الذكاء الطبيعي
وبالنظر إلى كل مستويات الذكاء، فإنها تشمل كل الملكات، ويمكن النظر في الإبداع كتمثل واقعي يبطنه كل شخص وإنسان، لا يمكن أن يتحقق بالذكاء الواحد، وهو يساعد بذلك على تغيير النظر للمتعلمين من طرف الأطرف التربوية والتعليمية، فلا يكون الفرد يعاني من شلل كلي في الذكاء، وإنما هناك جوانب يعوزها التقويم والترشيد، وأخرى بحاجة لاكتشاف، وهذا لن يتأتى ما لم يتحصل المتعلم على اكتشاف ذاته، ودور المدرس هو التوجيه والإرشاد في هذا الجانب، وقبل ذلك الاقتناع بتعدد الذكاءات، وذلك ما يجعل من العملية التعليمية منتجة وفاعلة، لا يتوقف أثرها داخل الفضاء التعليمي، وإنما تصبح المدرسة والتربية جزءًا من الدفع بالمجتمع لتنمية كل ملكاته وقدرته الذهنية وإن اختلفت، لأن الاختلاف ثراء وغنى.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك