الرابطة التي تجمع بين الأم وطفلها! (مترجم)

24 مايو , 2017

“تُظهر الأبحاث بأنه إذا لم تتوافر للأطفال علاقة متينة بأمهاتهم، فإن أجسامهم تحفِّزُ ما يُسمى بـ “رد فعل للتوتر” وذلك في المواقف غير المتوقعة”.

بقطع الحبل السُرِّي، تنتهي كل الروابط الفيزيائية بأمهاتنا وتبدأ نظيرتها العاطفية والنفسية. وبينما تُوفِّر الرابطة الأولى كل ما نحتاجه لننمو داخل الرحم. فإن الرابطة الثانية ـــ كما يشير الكثير من علماء النفس ـــ توفر لنا البنية النفسية وحتى الاجتماعية للنمو في العالم الخارجي.

وتؤكد أبحاث علماء النفس على أن نوعية الاهتمام الذي يحظى به الأطفال من شأنه التأثير على كيفية تفاعلهم مع أصدقائهم، وكيف سيصير آداؤهم في المدرسة، وكيف ستكون ردة فعلهم للمواقف الجديدة أو حتى التي قد يجدون فيها أنفسهم تحت ضغط.

إن البناء النفسي للعلاقات ــ والذي تم تطويره في في أواخر الخمسينات ـــ يشير إلى أن الأطفال يرتبطون بمن يوفر لهم الرعاية بشكل مباشر واللاتي غالبًا ما يكنُّ الأمهات. علاوة على أن الأطفال الذين تربطهم علاقة متينة بأمهاتهم يَعتبرون “الأم” قاعدة آمنة ينطلقون منه لاكتشاف بيئتهم. فهم يَستَقون من وجودهن الثقة، ويعتبرونهن منبعًا للراحة حين يكونون محبَطين أو مستائين.

أما الأطفال الذين لا تربطهم علاقة قوية بأمهاتهن يسعون لذلك الشعور بالراحة مع أمهاتهن كذلك، غير أنهم  يحصلون على درجة أقل من الثقة منهنّ.

وتؤكد الأبحاث من جهة أخرى، أن ارتباط الأطفال بمن يعتنون بهم بشكل مباشر ــ من غير الأمهات ـــ من شأنه التأثير على تطورهم. كما أن طبيعة وتأثير هذه الروابط قد أصبحت محور تركيز الباحثين الذين لاحظوا زيادة عدد الحضانات المسؤولة في المقام الأول عن رعاية الأطفال.

 التطور الاجتماعي

أما “ألان سَرُوف” ـــ وهو باحث للعلاقات في معهد تنمية الطفل في جامعة “مينيسوتا” والحاصل على درجة الدكتوراه ـــ فيقول: “وجد العديد من الباحثين روابط بين الطفل الذي تربطه بأمه علاقة متينة، وبين تطوره النفسي والاجتماعي لاحقًا. فهؤلاء الأطفال يعتمدون أكثر على أنفسهم حين يبدأون المشي. كما أنهم يصبحون أكثر احترامًا لذواتهم”.

وقد قام “ألان” بمتابعة 180 طفلًا بحاجة إلى الرعاية بعد بلوغهم التاسعة عشر من العمر. كما راقب علاقة هؤلاء بأمهاتهم، وتابع  مقاييس عدة للتطور، كتوقعات الطفل من علاقته بوالديه وأصدقائه. هذا غير دراسته للتوتر الذي يواجهه هؤلاء الأطفال في حياتهم، والنجاح الذي يحققونه في مدارسهم، بالإضافة إلى علاقتهم بأقرانهم.

وقد رأى “ألان” أنه رغم أن هؤلاء الأطفال يعيشون الآن حياة غير مستقرة، فإنه لو كانت قد توافرت لهم علاقة متينة بأمهاتهم، لصاروا أكثر اعتمادًا على أنفسهم في مرحلة المراهقة، ولكانت معدلات من الأمراض النفسية أكثر انخفاضًا من وضعها الحالي.

كما كانوا ليتمتعوا بعلاقات ناجحة مع أقرانهم خلال سن السادسة عشرة، وكانوا ليقوموا بأداء جيد في مدارسهم، خاصة في مادة الحساب، وهذا الأمر ينطبق على كل الأعمار. كما لا يعتقد “ألان” أن ارتباط الطفل يُؤثر على موهبته، ولكنه يرى أنها تنعكس على ثقته بنفسه، وسلوكه، ومن ثم على حضوره وإنجازاته.

ونموذج “سروف” يتضمن بشكل أساسي أمثلة تعكس ضغوطات الحياة، ويعتمد بدرجة أقل على نماذج الدعم الاجتماعي، وذلك مقارنة بنظيرتها الخاصة بالطبقة المتوسطة والتي يركز عليها معظم الباحثون. وقد توصل إلى أن التوتر بما في ذلك عدم الاستقرار والضياع، من الممكن أن يغير مسار أكثر الحياوات إيجابيةً.

ويضيف “ألان”: “إن الأطفال الذين يحصلون على علاقات متينة ولكن يعانون من الضياع، سيحسون لاحقًا بشعور أقل بالأمان”. كما اكتشف بأن الأطفال القلقين، والمفتقدين لعلاقة متينة، يمكن أن شعروا بأمان أكبر إذا ما تمتعت أمهاتهم بعلاقات عاطفية مستقرة، أو حتى سَعيْن لتخفيف أعراض الاكتئاب”.

 

الحد من الضغط

تقول “ميجن جانر”، الحاصلة على الدكتوراه من معهد تطوير الطفل في جامعة “مينيسوتا”: “إن الترابط المتين بالأطفال يوفر لهم أداة مهمة للتعامل مع الضغط من خلال الحد من ردة فعلهم الفسيولوجية لأي مواقف جديدة أو غير متوقعة”. ولاختبار هذه النظرية، قامت “جانر”بتعريض بعض الأطفال لبعض المواقف التي تحوي درجة طفيفة من التوتر، ثم قامت بقياس التغيرات التي طرأت على الهرمونات الخاصة بالتوتر. فزيادة نسبة هرمون “الكورتيزول” على سبيل المثال، تشير إلى ارتفاع مفرط في نسبة التوتر.

في دراسة أخيرة تم نشرها في الصحف، قامت “جانر” مع “ميليسا ناكمييز” ـــ الحاصلة على الدكتوراه الآن والتي كانت طالبة دراسات عليا آنذاك ـــ بالإضافة إلى باحثين آخرين، بتعريض 77 طفلًا في عمر الثمانية عشر شهرًا لثلاثة حوافز مختلفة، على أن يختاروا من بينها ما شاؤوا.

وتلك المحفزات الثلاثة كانت: مهرج حقيقي، وإنسان آلي على هيئة مهرج، ومسرح عرائس. وقد تواجدت الأمهات في جميع الأنشطة، ولكنَّ الباحثين طلبوا منهن ألا يشاركن في أول ثلاث دقائق. أما في الثلاث دقائق التالية، طلب الباحثون من الأمهات البدء في تهدئة أطفالهم.

وبعد انتهاء التجربة، قام الباحثون بقياس مستويات “الكورتيزول” في لُعَاب الأطفال. وبعد أسبوع، قاس الباحثون مدى الترابط بين الأمهات وأطفالهن باستخدام نتائج اختبار “الموقف الغريب” الذي قاموا به آنفًا (وهو مقياس شائع الاستخدام لمعرفة درجة الترابط). وكما كان متوقعًا، فقد وجد الباحثون أنه لم يكن هناك أي ارتفاع في نسبة “الكورتيزول” بالنسبة للأطفال الذين مارسوا الأنشطة دون خوف.

بينما ارتفعت نسبة الهرمون عند الأطفال المكبوتين، والذين بدا عليهم الخوف وعدم الرغبة في الانخراط في النشاط. وقد اختلف الأمر باختلاف درجة تعلقهم بأمهاتهم، فنسبة “الكورتيزول” لم تزد عند الأطفال المكبوتين والذين كانوا على علاقة متينة بأمهاتهم، بينما زادت نسبته عند نظرائهم الذين لا تربطهم علاقة قوية بأمهاتهم.

 

تقول “جانر”: “إن الأطفال المكبوتين والذين شعورا بالأمان مع أمهاتهم، كان لسان حالهم يقول: “إن هذا مخيف، ولكنني أشعر بالأمان. أي أنهم امتلكوا ما أعانهم على التأقلم”. كما أن أمهات الأطفال المكبوتة، كانت لهم ردة فعل مختلفة جذريًّا في مواجهة معاناة أطفالهم. أما أمهات الأطفال الاجتماعيين فقد تمكنوا من تهدئة أطفالهم فورًا. حيث تبين أنه قد ربطتهم بأطفالهم علاقة قوية لم تتطلب منهم أي مجهود لتهدئتهم.

وتشير “جانر” مؤكدة: “إن الأمهات اللاتي لا تربطهن علاقة متينة بأطفالهن، قد بذلن الكثير من الجهد لتهدئتهم وجعلهم يتخلصون من مشاعر الخوف. ذلك أنهن شعرن حينها أنه من واجبهن تغيير أطفالهن، وجعلهم يظهرون على أنهم شجعان”.

وفي تجربة حياتية مشابهة ـــ كذلك تم نشرها في الصحافة ـــ قامت “جانر” بقياس نسبة “الكورتيزول” عند ستين طفلًا بدأوا المشي، وأخذوا التطعيمات من الأطباء. ومرة أخرى، اكتشفتْ “جانر” أن نسبة هرمون “الكورتيزول” زادت في لعاب الأطفال الخائفين والمفتقدين للشعور بالأمان. وتقول مُعلِّقةً: “إن العلاقة المتينة تعمل كحصن ضد الشعور بالتوتر في المواقف الجديدة أو الغريبة أو المخيفة. وبدون هذا الحصن، يجد الأطفال صعوبة في التأقلم، وتبدأ أجسامهم في تحفيز ردة فعل ضد التوتر”.

 

عدم وجود رابطة

من جهة أخرى، فإن “ماري كارلسون” والحاصلة على الدكتوراه من كلية ” مدرسة طب هارفرد”، تطرح سؤالًا وهو: “ماذا إذا لم يكن هناك ارتباط بين الطفل وأمه؟” خطر هذا السؤال في رأس “ماري” حين كانت في “رومانيا” في سبتمبر الماضي، وذلك بهدف قياس مستويات “الكورتيزول” في أجسام اليتامى.

ذلك أن معظم الأمهات الرومانيات لا يملكن القدرة المادية لرعاية الأطفال المولودين حديثًا. وبالتالي يقمنَ بإرسالهم مباشرة من أقسام الولادة في المستشفيات إلى دور الأيتام. وهكذا، يحصل الأطفال على القليل أو لا شيء بالمرة من التحفيز الفيزيائي أو العاطفي من المسؤولين عن رعايتهم في دور الأيتام.

وقد عملت “ماري” مع مجموعتين تضم ثلاثين طفلًا. وكجزء من دراسة أخرى، فإن إحدى المجموعات حصلت على عناية مكثفة، حيث يعتني شخص بالغ واحد بأربعة أطفال لعام كامل، وقد توقفت تلك التجربة قبل زيارة “ماري” بستة أشهر. في المقابل، حصلت المجموعة الأخرى المكونة من عشرين طفلًا على شخص بالغٍ واحد ليقوم على رعايتهم طوال الوقت.

في اليوم الطبيعي للطفل النموذجي، يرتفع معدل “الكورتيزول” في الصباح، وينخفض بنهاية اليوم. وفي كلتا المجموعتين، تم ملاحظة ازدياده من الصباح وحتى الظهيرة، مع انخفاضه تدريجيًّا بحلول المساء.

 

وجود اختلافات طفيفة

بالنسبة للأطفال الذين حصلوا على عناية مكثفة، لم يتم التمكن من معرفة ما إذا كانت النتائج إيجابية انخفضت بالضرورة حين تم إعادة الأطفال لمستوى رعايتهم الطبيعي، وذلك يرجع لتوقف التجربة لستة أشهر، قبل أن تتمكن “ماري” من دراستها.

إن القرد الهندي الذي يتم تربيته من قبل “أم بديلة” مصنوعة من الأسلاك ومغطاة بالقماش ــ بديل بائس للأم ـــ يتعرض لدورة غير طبيعية من إنتاج هرمون “الكورتيزول” مشابهة لهؤلاء اليتامي الرومانيين، وذلك وفقًا لتجارب قام بها كل من “ستيفين يومي” و”جانر” و”توماس بويس” و”ماريبيث تشامبو” وجميعهم حاصلون على الدكتوراه من المعهد القومي لصحة الطفل والتنمية البشرية.

وقد أرادت “جانر” معرفة ما إذا كانت دورة الهرمون في القردة سوية، أو أن الأمر يتعلق ببساطة بحقيقة أنه: “لا أم، لا ارتباط، لا مجال لتخفيف الصدمات”. لذا، قامت هي وزملاؤها بتكرار التجربة، مع المحافظة على بيئة القردة هادئة بصورة غير طبيعية، وذلك بمنع جميع التحركات في المعمل بما فيها تلك التي تعد يومية واعتيادية.

وكانت النتيجة أن دورات إنتاج الهرمون كانت طبيعية في القردة. وتقول “جانر”: “أما بالنسبة للقردة المحرومين من الرابطة الأمومية، فأي تحفيز كان من شأنه أن يسبب لهم التوتر. كما أنه لم يكن لديهم أي قدرة للتأقلم مع الأحداث اليومية العادية”.

وتُضيف “كارلسون” بأن: “الدراسات تشير لكون معظم ال==أنظمة البيولوجية تعتمد على التحفيز الاجتماعي. وأنه بدونها، يفتقد الأطفال الأساس الذي يساعدهم على التعامل في الحياة اليومية، ناهيكم عن الصدمات والضغوطات”.

 

ما وراء الأم

بزيادة عدد الأطفال الذين يدخلون الحضانات، بدأ الباحثون يتدارسون ما وراء ارتباط الأم بطفلها، ليتجاوزوها إلى علاقة الطفل بمن يرعاه بشكل أساسي سواء كانت الأم أو الأب أو المسؤول عنه في الحضانة. وتقول ” كارولِّي هاوس” الحاصلة على دكتوراه من جامعة “كاليفورنيا” في “لوس أنجلوس”: “إذا ارتأيتم أن الأطفال يرتبطون بمن يعتني بشؤون حياتهم اليومية بما فيها: الطعام، وتغيير الحفاضات، والمداعبة، فيجب إذن أن تضعوا في الاعتبار كل المسؤولين عن رعاية الأطفال”.

ففي مجموعة من الدراسات، وجدت “هاوس” أن ارتباط الأطفال بمن يعتنون بهم بشكل مباشر، يشبه إلى حد بعيد تلك العلاقة التي تربط غيرهم من الأطفال بأمهاتهم. وتقول “هاوس”: “مع ذلك، فإن العلاقات المتينة التي تربط الأطفال بمن يعتنون بهم بصورة مباشرة تشكل نسبة 50% إذا ما قورنت بالعلاقات التي تربط نظائرهم من الأطفال بأمهاتهم والتي تشكل نسبة 70%. وهذه النسبة المنخفضة تعكس غالبًا درجة أقل من القرب والجودة حين يتعلق الأمر بالمسؤلين عن العناية بالأطفال من غير الأمهات”.

أما من جهة التأثير، فقد اكتشفت “هاوس” وزملاؤها من تجربة أجروها على مجموعة مكونة من 48 طفلًا جميعهم في عمر الرابعة، أن علاقة الأطفال بالذين يعتنون بهم أدت إلى تفاعلات أفضل بين هؤلاء الأطفال وأقرانهم، وذلك بالقياس مع الأطفال الذين تعتني بهم أمهاتهم.

كما اتضح أن الأطفال الذين يبدأون المشي، وهم في ذات الوقت مرتبطون بمدرسيهم، كانوا أكثر اجتماعية وانخراطًا في الألعاب التخيلية مع أقرانهم. بالإضافة إلى كون الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة اجتماعيين بنسبة أكبر. أما فيما يتعلق بالأطفال الذين لا تربطهم بمعلميهم علاقة متينة، فقد كانوا أكثر عدوانيةً، ومشاكسةً، ومنطويين، وغير اجتماعيين.

وتشير “هاوس” قائلة: “إن الارتباطات هي علاقات تتطور نتيجة التعاملات. كما يجب علينا أن التعرف على المسؤولين عن رعاية الأطفال، ومن ثم التيقن من أهليتهم لإنجاز هذه المهمة. ورغم أن النتائج السابقة قد تُطمئن الأمهات اللاتي يعملن أو يرغبن في العمل، فهي من جهة أخرى تشير إلى الحاجة الملحة لدرجة عالية من الجودة فيما يتعلق بمجال الاعتناء بالأطفال”.

ويعترف الكثير من الباحثين في مجال الروابط أنهم يجدون أنفسهم وقد تقمصوا دور المدافعين عن الأطفال. ذلك أن أبحاثهم تشير إما للحاجة إلى إجراءات اجتماعية تسمح للأمهات بالعمل من المنزل، أو تُطالب بضمان جودة عالية لجميع الأطفال في الحضانات. وينوه “سروف” بقوله: “إن الأطفال بحاجة لكثير من الحب والجهد، وإنكار ذلك سيكون خطأً”.


المقال الأصلي

 The bond between mother and child



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك