الفساد العلمي بالألوان

14 فبراير , 2017

في أحد الأيام زرت عيادة طبيب في إحدى الدول العربية لاستشارة بعد برنامج تلفزيوني له على قناة عربية مشهورة، جلست إلى مكتبه وطلبت منه توضيحًا للتقنية العلاجية التي يتبعها وإن كان لديه براءة اختراع أو أوراق بحثية منشورة عالميًا، وقد قلت له بصراحة إنني بحثت عن إسمك في أغلب قواعد البيانات العالمية ولم أجده، و قد أكون قد أخطأت في كتابة الإسم لذلك يهمني أن أطلع عليها، شعرت بتوتره وأخذ يحاول فتح موقع Pubmed ويقول لي: لا أكيد طبعًا لدي أبحاث كثيرة ومقالات لكن سأرسلها لك في الإيميل لاحقًا، و تعالي الآن لأشرح لكِ التقنية، دخلت في أروقة عيادته الفخمة والتي تبهر أي مريض يدخلها وأجلسني على مقعد في وسط الغرفة وحضرت مساعدته وفتحت جهاز البيمر وبدأ يعرض لي محاضرة تبهر أي مريض من كثرة الصور والألوان وبطريقة العلاج ولكن صراحة لم تبهرني لإنها ليست علاجًا جذريًا بل هي طريقة لاستنزاف نقود المرضى وإشعارهم بإنهم قد تعافوا ولكنهم سيبقوا يراجعون عيادته إلى الأبد.

انتهى من محاضرته وسألني بسخرية: ما رأيك بهذا التطور حتى الألمان لم يصلوا إلى هذه الطريقة بعد، رددت عليه: نعم بهذا التمويه العلاجي لم ولن يصل له الألمان أبدًا، تغيرت طريقة كلامه وتظاهر بالانشغال الشديد بالحاسوب وقال لي: شكرًا انتهت الزيارة وكما تشاهدين الصالة تعج بالمرضى القادمين من شتى أنحاء العالم، واستعجلت السكرتيرة خروجي عندما أوقفني أحد المرضى يسألني عن رأيي بالعلاج…

خرجت وأنا ناقمة على الفساد الذي ينخر في كل شيء من حولنا، حتى في العلم وصحة الناس، فكم من عالم أو طبيب أو باحث فاسد يستغل علمه في تحقيق مصلحة أو شهرة، تمامًا مثل ذلك الطبيب الذي أبهر ملايين المتابعين بطريقة علاجية لا أساس علمي لها وما هي إلا خدع طبية للمرضى المساكين، والأمثلة كثيرة في هذا المجال، فهناك ذلك الباحث العربي الذي يصعد على ظهر مجموعة بحثية كاملة ويخترق قانون سرية المعلومات ليظهر على شاشات الإعلام ويصيب شيئًا من شهرة وهمية فاسدة وهناك عالم آخر يشتري شهادة دكتوراة من إحدى الجامعات حتي يصعد في سلم الوظيفة وهناك من يتاجر عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدورات وشهادات وهمية بأختام مراكز عالمية.

أشكال الفساد كثيرة ولكن سأركز في هذا المقال على فساد الباحث العلمي:

الهيكل العام لكل مجموعة بحثية Research group كالبناء الهرمي، قمة الهرم وهو مدير المجموعة البحثية Group leader ومن ثم العلماء Scientists  وبعدها الباحثين Post-doc  ومساعدي الباحثين Research assistants  وهم طلاب الدكتوراة والماجستير وأخيرًا التقنيين Technicians.

مدير المجموعة البحثية هو العقل المدبر لمجموعته البحثية ومن تقع عليه مسؤولية تأمين التمويل اللازم لتقدم مجموعته ونشر مشاريعه عالميًا، فتجده منشغلًا في كتابة طلبات التمويل Grants العديدة إلى المؤسسات العلمية الكبرى مثلًا في ألمانيا  DFG  و BMBF و NIH وغيرها، ويكون الطلب محتويًا على فكرة المشروع الذي يحتاج إلى دعم وميزانية لتأمين المواد اللازمة وتوظيف علماء وتقنيين وطلاب دكتوراة وماجستير.

بالتالي الدعم يكون للمجموعة البحثية كاملة بإسم مدير المجموعة البحثية ويوثق ذلك في الأوراق البحثية المنشورة في المجلات العلمية تحت عنوان Funding، على سبيل المثال قد يربح مدير المجموعة البحثية دعمًا مقداره ربع مليون يورو فهذا ليس لجيب مدير المجموعة بل من من أجل تمويل ما نص طلبه عليه. بالتالي أي تلاعب في طريقة صرف الأموال وتأمين المواد يقع تحت قائمة الفساد العلمي وعقوبة هذه المخالفات فادحة وأهمها فقدان الرتبة الوظيفية.

ومعلومة مهمة لا بد أن نعرفها إن مدير المجموعة البحثية وعدد من علمائه هم من يحق لهم تقديم طلب الدعم من المؤسسات الكبيرة وليس الطلاب، فطالب الدكتوراة عادة بعد حصوله على نتائج بإمكانه التقديم لـ Prize لتدعيم بحثه ولا تتجاوز عادة الـ 10000 يورو.

من أشكال فساد الباحث العلمي هو إفشاء أسرار البحوث العلمية الخاصة في المجموعة البحثية التي يعمل بها، علمًا بأن كل باحث علمي أو طالب متدرب يوقع ورقة قانونية Data privacy لحفظ أسرار البيانات العلمية والأفكار والنتائج التي لم تنشر بعد، أي اختراق لهذه السرية يجرم الباحث بالفساد ويجرد من ألقابه العلمية.

من أشكال الفساد أيضًا هو تزوير البيانات العلمية والتلاعب بها وإخفاء النتائج السلبية أو تغييرها وربما قد لا ينتبه أحد لذلك ويتم نشر الورقة العلمية ولكن هذه المعلومات قد تصبح مرجع للعديد من الباحثين ويبنون معلوماتهم وأبحاثهم عليها بالتالي إذا صادف وتم مراجعة المجلة العلمية ستحدث فضيحة على المستوى العالمي ويتم تجريد الباحث من ألقابه العلمية وإقالته من منصبه، وحدثت قصة ممثالة وأحدثت ضجة عالمية عن عالم في إحدى الجامعات الألمانية زور في النتائج واكتشف الموضوع بعد عشر سنوات تقريبًا حيث أصبح هذا العالم الفاسد بروفيسورًا في إحدى الجامعات الألمانية العريقة وتمت إقالته وتجريده من اللقب.

وربما أخر ما أريد أن أختم به مقالي وهو الغش Plagiarism وهذا منتشر جدًا في عالمنا العربي خصوصًا في كتابة رسائل الدكتوراة والماجستير بل توجد مواقع إنترنت تروج لكتابة رسائل دكتوراة مقابل مبلغ مادي وقد حدثني أحدهم إن هناك الكثير من يعمل في هذه المهنة في الهند وباكستان حيث يتمتعون بلغة إنجليزية جيدة وبالتالي ما على الباحث الفاسد إلا أن يعطيه العنوان ويقوم الطرف الآخر بكتابة رسالة دكتوراة أو ماجستير ويستفيد هذا الباحث بالحصول على لقب من مؤسسة ليس لديها رقابة على الرسائل وبالتالي أخذ مكان لا يستحقه، في جامعة هايدلبرغ عادة توضع النسخة الإلكترونية من رسائل الدكتوراة والماجستير في برنامج خاص لكشف الغش والنسخ واللصق Plagiarism Checker، وهذا مبدأ تقوم عليه المجلات العلمية العالمية أيضًا.

أخيرًا وليس أخرًا العلم أمانة وضعه الله بين أيدينا حتي نقوم بإعمار الأرض، وكل ما ذكرته من أشكال الفساد هي خيانة وإن لم يراها الناس فهناك الله مُطلع على كل شيء، عندها لن تنفع المصالح ولا مال ولا شهرة في تنظيف الفاسد من تهمة خيانته لنفسه وعلمه أمام رب العباد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] الباحثة العلمية د. علياء كيوان – ألمانيا في مقالها الفساد العلمي بالألوان، عندما توجهت لعيادة هذا الطبيب وبفطنتها أدركت كذبه: ” […]

[…] الباحثة العلمية د. علياء كيوان – ألمانيا في مقالها الفساد العلمي بالألوان، عندما توجهت لعيادة هذا الطبيب وبفطنتها ادركت كذبه :” […]

أضف تعليقك