الكُتاب.. حين يكون التعليم من المسجد

30 مايو , 2015

ماذا يعني “كُتاب”؟ يعني أن تتعلم في بيئة “المسجد” أو المجالس التعليمة في الحي سواء؛ في البيت أو المزرعة أو السوق! ويكون فيها الأستاذ عالماً أو مربياً أو فقيهاً! ماذا تعني “مدرسة”؟ هي خليط من كل شيء! قد تكون سجناً! قد تكون مستشفى! قد تكون مكان آخر فيه من أنواع الابتلاء أصناف وأشكال! هكذا، وببساطة أرى الفرق بين طبيعة “الكُتاب” و “المدرسة”!

وحول التعليم في “الكُتاب” و “المدرسة” أرى بأنه لكلٍ منهما منظومةٍ بني عليها أساس التعليم، ولم يلغي أحدهم الآخر، فمثلما انطلق التعليم في الإسلام من المساجد وحلق الذكر، لا تزال حلقات الذكر والتعليم في المساجد باقية في العديد من مساجد الدول العربية، إلا أن الكثير من البلدان العربية لم تولي هذا الامر اهتمامًا، وقامت بتهميشه إن صح التعبير، وفي ذات الوقت أولت التعليم الرسمي اهتمام واعتناء أكبر.

في السطور القليلة القادمة، نحاول أن نستشرف تاريخ الكُتاب، ونلقي نظرة سريعة عن حلقات الذكر وتحفيظ القرآن في المساجد العراقية، والتي هي بحد ذاته صورة مشابهة لمنهج وفكر الكُتاب، والتي مهما حدث في تطور التعليم الرسمي في العراق إلا أنها باقية على منهجها التنظيمي لحلقات الذكر والتعليم، إلا أن هناك قصورًا بليغًا من المدراس والجامعات في استغلالها لتطوير  الطلاب والطالبات.

عن نشأة الكُتاب والتعليم في حلق الذكر، ورد في كتاب “التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية” لمؤلفه “محمد منير مرسي”، بأنه وفي العصر العباسي، “عُد المسجد النواة الأولى للمدرسة في الحضارة الإسلامية عمومًا، وأنشأ إلى جانبه في العصر العباسي، مكانًا يهتم بتعليم الصبية والتلاميذ، سُمي بـ”الكُتاب”، وخصص لتعليم القراءة والكتابة بالقرآن، وشيئاً من علوم العربية والرياضيات، وكان الكتاب يشبه المدرسة الإبتدائية في عصرنا، وكان من الاتساع بحيث يضم أعداداً كبيرة من الطلاب”.

الكُتاب في العصر العباسي

تميزت مجالس الكُتاب في العصر العباسي، بتصنيفها إلى ثلاثة أنواع، استوعبت اليتامى من الأطفال وأبناء الجند، حيث اعتنى المماليك بهذا النظام التعليمي وأدركوا أهميته، وهذا ما أشار إليه بعض المختصين بتاريخ هذه الحقبة مشيرين إلى ثلاثة أنوع من الكتاتيب ظهرت في تلك الحقبة وهي:

كتاتيب أولية: يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة، ويحفظون القرآن، ومبادئ الدين، وأوليات الحساب.

 كتاتيب قانونية: كانت تعلم الأطفال والشباب علوم اللغة والآداب، وكانوا يتوسعون فيها بعلوم الدين والحديث وسائر صنوف العلوم الأخرى بصورة عامة.

 كتاتيب الأيتام: وكان الغرض من إنشائها تعليم الأيتام وأبناء الفقراء، وأبناء الجند، وقد وفر هذا النوع من التعليم الرعاية العلمية والاجتماعية لأبناء هذه الفئة الفقيرة من المجتمع، بحيث حظي أبناؤها بما يحظى به أبناء الطبقات الغنية من الرعاية والتعليم.

هذا، وكان يراعى في اختيار مكان الكتاتيب أن يكون متسعاً طلق الهواء يساعد الصبية على الإقبال على الدرس، ويجب أن يكون وجود الكتاب في أمكنة عامة من ناحية شرعية واجتماعية وخلقية. وكان يشترط فيمن يتولى منصب معلم الصبيان ومؤدبهم، كما يقول ابن طولون: (ينبغي أن يكون صحيح العقيدة، فلقد نشأ صبيان كثيرون عقيدتهم فاسدة، لأن فقيههم كان كذلك، ومن حق معلم الصغار ألا يعلمهم شيئاً قبل القرآن، ثم بعده حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه تمكين الصبي المميز من كتابة القرآن في اللوح، وحمل المصحف وهو محدث).

وقد خرجت الكتاتيب أعداد كبيرة من الأعلام الذين كان لهم أثر واضح في تراث العصر العباسي.

وعن طبيعة الدراسة في الكُتاب زمانيًا، فقد حدد المدى الزمني للدراسة فيها من طلوع الشمس حتى العصر يومياً، مع استثناء يومي الثلاثاء والخميس أو أيهما مع جعل الجمعة عطلة رسمية، وللترويح عن الصبيان سمح لهم بالانصراف إلى بيوتهم في أوقات محددة تتخلل ساعات الدراسة اليومية للاستراحة والغداء، لأنه لم يكن مسموحاً لهم إحضار الأموال أو الأطعمة إلى الكتاب، مراعاة للفقير، وهذا مبدأ اجتماعي فيه درء جملة من المفاسد، إلى جانب مراعاة آداب الشريعة في التحرز من الأكل على الطريق، وفي الأسواق بحضرة من لا يعرف.

الكُتاب في العهد العثماني

وتفيد دراسة الباحثة العراقية “لمى عبد العزيز مصطفى عبد الكريم”، في بحث معمق لها عن أوضاع التعليم غير الرسمي في العراق، بأنه وفي العهد العثماني سميت مجالس “الكتاب” وهذا النوع من المدارس الذي “أنتشر في أرجاء الدولة العثمانية بمدارس الصبيان، التي كانت تقوم في الغالب في محلات ملاصقة للجوامع أو مستقلة عنها في مباني مشيدة لهذا الغرض أوكل إليها مهمة تحفيظ آيات القران الكريم وتعليم القراءة والكتابة وضبط الأخلاق”.

وتشير الباحثة إلى أنه “لم يقتصر التعليم في الكتاتيب على الذكور فحسب، بل أوكل إلى بعض النسوة مهمة تدريس الفتيات مع شيء من الاختلاف في طريقة التدريس، إذ كانت الفتيات يتلقين دروساً في الأشغال اليدوية والمنزلية، فضلاً عن الدروس الدينية”.

وتوضح الباحثة بأن الدراسة في الكتاتيب “كانت تبدأ في سن السادسة، ولم تكن محددة بمدة زمنية وإنما اعتمدت على مقدرة الصبي على حفظ القران وسرعة تعلمه القراءة والكتابة، لذا فان مدة الدراسة قد تكون سنة واحدة وربما تمتد إلى 3 سنوات. وإذا ما أظهر الطالب تفوقًا ونباهة فقد يلتحق بإحدى المدارس ليكمل تعليمه لكن أعداد هؤلاء كانت قليلة”.

عن التعليم في المساجد: كُتاب بحلة جديدة!

يعيش الكثير من التلاميذ والطلاب من البنين والبنات أيام عطلتهم الصيفية بأجواء مختلفة، و لكل طريقته في قضاء وقته و الاستمتاع به، وحتى لا تضيع أيام هذه العطلة من دون فائدة يحرص القائمون على المساجد العراقية وبيوت الله تعالى على ترتيب برنامج لجميع هؤلاء الأطفال والشباب لاستغلال هذه العطلة والاستفادة منها بشكل صحيح، كما ويحرص القائمون على هذه الدورات السنوية في العراق بأغلب جوامعهم ومساجدهم على توعية الجيل دينيًا وثقافيًا، ولا يخلو البرنامج من رياضة بدنية و ترفيه على مستويات عدة ليضمنوا لنا جيلاً محافظًا في زمن كثرت فيه الفتن في مختلف أماكنه، والمسجد هو أفضل مدرسة للتربية السليمة من الأخطاء على مر العصور.

من هذه الحلقات المباركة، ومن هذه المساجد النيرة برجالها وأئمتها يمكن لهذه المبادرات والأنشطة إن تبني شخصية ملتزمة للشباب المسلم ليكونوا أهلاً لتولي المسؤولية والمحافظة على الدين والوطن ومسايرة التطور في مختلف مجالات الحياة بعيدًا عن التعصب والغلو في أمور الحياة المختلفة، فالوسطية هي خير منهج يتعلمه الطفل في بداية حياته.

عادة ما تكون ساعات الدراسة التي تخصص للتربية الإسلامية والدينية في المدارس الإبتدائية والمتوسطة والثانوية العامة قليلة جدًا، ومن ثم لا يتمكن التلاميذ والطلاب خلالها إلا من حفظ بعض السور والآيات القرآنية، ولا يسعهم الوقت للحفظ أجزاء كاملة من القرآن الكريم، ولا يتعلم الطالب في مدرسته إلا جزءً بسيطًا من أحكام التلاوة والتفسير.

طلبة المعاهد والكليات وبطبيعة  مناهجهم  لا تشمل إي شيء من التربية الدينية والإسلامية، ويعتبر هذا قصور كبير في التوعية الدينية للشباب الذين يكونون في مرحلة من العمر هم في أشد الحاجة إلى ذلك، و لو إن الأنظمة الإسلامية والحكومية في العراق او البلاد العربية الأخرى انتهزت فرصة العطلة الصيفية لتحفيظ الشباب أجزاءً من القرآن الكريم وأن يقوموا بتدريسهم الأحكام والمعاني لكلماته وحروفه، ومن ثم يفقهونهم في أمور دينهم ودنياهم، وحتى تتم العملية وتتوج بحفظ أجزاء من القرآن الكريم قبل تخريجهم من الجامعات والمعاهد المختلفة الإختصاصات، لكان ذلك خير سلاح يواجهون به حياتهم العملية بعد التخرج، وخروجهم لمعترك الحياة واعتمادهم على أنفسهم، ويجب إن يدرك الشباب جيدًا منزلة القرآن الكريم في الإسلام.

تعتمد دورات تحفيظ القرآن في نجاحها على الكثير من الأمور، أهمها؛ دور المربي في حلقات لتحفيظ القرآن هذه. وعلى المربي في هذه الدورات السنوية أن يضع في مخيلته مسارًا يسير فيه، ومنهجاً ينهل منه، وقبل كل شيء أن يشعر بعظم رسالته وأنه يؤسس جيل على حب الله ورسوله وحب القرآن الكريم، وعلى الأسرة دور مثل ذلك، فيقع الدور الكبير على الأسرة في دفع أولادهم وبناتهم من الطلبة والتلاميذ إلى المساجد والجوامع لتحفيظ ودراسة القران الكريم بمعانيه وأحكام تلاوته. وفي كل ذلك يبقى لنا في منهج الكُتاب الأوائل قصة وحكاية ومنهج وعبرة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك