المخيم الصيفي ..استرواح وبناء

28 يونيو , 2015

للمخيمات الصيفية سمة خاصة في تشكيل شخصية الفئات الشابة، أكانت هذه الفئة تنتمي إلى المرحلة العمرية التلمذية أو المرحلة الطلابية، وكذا بالنسبة للجهة التي تنظم هذه المخيمات، أكانت جمعيات متخصصة في التخييم أو جمعيات مدنية تشتغل أساسًا في الوسط الشبابي، فتجد في المخيمات الصيفية  لحظة استرواح من عمل سنوي طويل واستعداد للمقبل من العام الجديد، فيكون المخيم الصيفي لحظة بناء داخلي واستجماع للقوى من جديد بإنفاذ برنامج تكويني في المخيمات إلى جانب البعد الترفيهي، ولا يقتصر التخييم الصيفي بهذا النمط على الجمعيات والهيئات المدنية، وإنما قد تجد تجمعات شبابية  تعتبر عطلة الصيف فرصة للترفيه والاسترواح، كما قد تجد تجمعات أسرية تجعل لفصل الصيف سمة خاصة فتقضيه جنب البحر والجبل بعيدا عن ضجيج المدينة وضوضائها، خصوصا تلكم الأسر التي دأبت على التخييم السنوي في خيم خاصة بالاصطياف وفي ميخمات خاصة بالخيم.

فعن المخيمات الصيفية لجمعية من الجميعات وطبيعة إنفاذ البرنامج بها، والتخييم في مخيمات الاصطياف سنحاول الرصد من أجل الإفادة في الاسترواح والبناء.. وهو حديث عن تجربة عايشت فصولًا منها داخل جمعية طلابية، ثم بعد ذلك، لما انقضت مرحلة الدامعة مع رفقة من الزملاء الشباب بشكل مستقل في خيام، متلمسين في ذلك الاستفادة من العطلة الصيفية للشباب عمومًا والطلاب خصوصًا واستخلاص بعض الدروس من ذلك.

  • التخييم مع منظمة التجديد الطلابي..البناء الفكري والاسترواح النفس

لا يكون المخيم في العادة مع منظمة طلابية ذي سمة عادية شأنه شأن باقي المخيمات مع الجمعيات المهتمة بالتخييم، أو الجمعيات التي تحظى برعاية ودعم الدولة في التخييم وتوفير كل الشروط اللازمة لذلك، التخييم مع منظمة طلابية بالمغرب من قبيل منظمة التجديد الطلابي، وأنت تتلمس خطاك في الجامعة، يعني التدريب على كثير من الأمور والقضايا، والارتباط بهموم وأسئلة شباب يقظ واعي وطموح بقضايا الإصلاح والتغيير وبأسئلة النهوض والتجديد، وبمعاني البناء النفسي والمعرفي لشريحة من الطلاب، وتوفير فضاء لهم من أجل التخييم ليس كباقي الفضاءات ولا المنتزهات، وتنزيل برنامج ليس كسائر البرامج، فمرحلة التخييم هي جزء من عمل سنوي يتحقق فيه البناء للطالب بقدر ما يوفر له شروط الاسترواح، فيكون المخيم مزيجًا من الاسترواح النفسي والبناء المعرفي والاستمتاع بجمالية الطبيعة بالتفكر في آلاء الله وخلقه.

أ- الإعداد الأدبي والتنظيمي الأولي للمخيمات الطلابية

على امتداد الجامعة المغربية بمختلف فروعها بالنسبة للمنظمة الطلابية التي نقدم تجربتها، يتكلف كل فرع للجمعية الطلابية بالسهر على الإعداد التنظيمي والأدبي للمخيم الصيفي، والجانب التنزيلي له والذي سنعرض له فيما هو آت، ويكون الإعداد التنظيمي الأدبي  متعدد المهام والقضايا المتعلقة بالتخييم، من إعداد برنامج يمزج بين التربية والفكر والجانب الثقافي الترفيهي، إلى الإعداد اللوجيستي وباقي متعلقات التخييم، من حصر لائحة المشاركين إلى توفير معدات النقل في حافلات خاصة يتم تأجيرها للمهمة، ما دامت وزارة الشباب لا تمنح الدعم لجمعية مثل هذه، ليس لاعتبارات قانونية، فالهيئة مرخص لها وتنظم المخيمات بناء على وصل قانوني تتسلمه من السلطة، وتعمل بمنهج إصلاحي من داخل المؤسسات الجامعية وتعتمد الحوار منهجًا والسلم طريقة والعلم رافعة والتجديد مسلكًا والنهضة هدفا منشودًا؛ لكن المانع من منح الدعم هو الاعتبارات السياسية الضيقة وطريقة التعامل مع المجتمع المدني ورؤية الدولة المتلبسة بلبوس الاستبداد لوظيفته ومهامه، فمنه المقرب من السلطة الذي يحظى بالرعاية والحماية، وهو ذو طبيعة تعتمد الريع ومنطق الزبونية والمحسوبية، ومنه البعيد منها أو الذي ينشد الإصلاح فهو مبعد ومضيق عليه إلى حين.

لكل ذلك يكون العمل لمخيم أشبه بخوض معركة في الإعداد والتنزيل، مع الإشارة إلى أن بعض من ذلك المنطق بدأ يتغير قليلاً بفعل الانفراجة السياسية التي وقعت في المغرب بالتزامن مع الربيع العربي وما بعده، لكن الإعداد المادي وأغلب التكاليف هي من  إنجاز الجمعية الطلابية.

ب- التنزيل العملي للمخيم الصيفي

في العادة يكون اختيار مكان التخييم في فضاء يمزج بين الجمالية الطبيعية، من بحر وجبل حيث يسر الناظر والباحث عن التخييم بهدف الاسترواح بعد عمل سنة من الاشتغال الفكري والثقافي والاهتمام بقضايا الجامعة والتعليم والشؤون الاجتماعية للطلبة، وكذا فضاء يسمح بتنزيل برنامج يهدف إلى البناء والتكوين لزمرة من الطلاب، من خلال البرنامج المعد.

تكون الوجهة عادة لمنطقة  شمال المغرب ( ترغة، السطيحات، واد لاو، أمتار وغيرها من المناطق المحادية لمدينة تطوان) عند أغلب فروع الجمعية الطلابية، إلى جانب جمعيات تلمذية أخرى، وتمتد الفترة الزمنية بين الأسبوع إلى عشرة أيام، يتم توزيع البرنامج بها حسب المجالات، بين التربوي والثقافي والبعد المعرفي الفكري، إلى جانب تخصيص مدة معينة للاسترواح بحرًا أو جبلاً.

إن البعد التربوي يهدف إلى تزكية النفس والارتقاء بالجانب الروحي في الإنسان، فيكون الورد القرآني عماد ذلك وأسه، والموعظة والرقائق مُلح صباحات كل يوم من المخيم، أما البعد المعرفي فإنه يهدف إلى معالجة إشكالات معرفية وقضايا فكرية، من خلال محاضرات وورشات يخضع لها المشاركين في المخيم وينتظمون فيها في توقيت شبه يومي، أما الجانب الثقافي فيعنى بالمسابقات الثقافية والأسمار الليلية على جنبات البحر، وتكون السهرة الخاصة بالقضية الفلسطينية أبهى الأنشطة وأرقاها، حيث تعتبر القضية الفلسطينية مركزية في الأشتغال عند الحركة الطلابية باعتبارها ملهمة لها في قضايا التحرر، وآخر ظاهرة استعمارية.

  • الاصطياف الجماعي الحر في الخيم

توجد مخيمات خاصة بإيواء النزلاء الذين يفضلون الاصطياف في خيم خاصة يصطحبونها معهم، فينصبونها في مكان مخصص على جانب البحر، حيث يغلب عليه القرب من الطبيعة والابتعاد عن المباني ومظاهر العيش الحديث، هو عودة إلى الطبيعة بكل سحرها وجمالها، ومعلوم أن هناك أناس كثيرون يعشقون هذا الجانب من التخييم، عائلات وأفراد، وله طقوس وجمالية خاصة.

كان لي رفقة زمرة من الأصدقاء الذين تقاسمنا معهم لحظات جميلة في الحياة، أن نخوض هذه التجربة ونكتشفها منذ سنوات، فأسرنا أنموذجها الرفيع في بساطة الحياة على جنبات البحر في منطقة ترغة الساحرة قرب تطوان والنواحي وفي خرجات من المخيم إلى الجبل قرب مدينة شفشاون إلى حدود مدينة الحسمية المغربية، عدة التخييم في ذلك نصطحب معنا خيامًا خاصة بالتخييم ونحمل معنا لوازم الاصطياف، فننصبها كالعادة في المنطقة الخاصة بذلك، ويكون العمل على ذلك بشكل جماعي ومنتظم، من طهي وسقي للماء، وقبله توفير لوازمه مما تنتجه المنطقة من خضراوت وفواكة يبيعها أهل الجبل إلى ما يجود به البحر من أسماك.

يكون في التخييم الجماعي الحر  صحبة مجموعة من الأصدقاء، فرصة أكثر للخلوة مع الذات ومراجعة شوائبها وعثراتها واستشراف بعض الأفق والاستعداد النفسي له بعزيمة وإصرار، فما أجمل أن تحاور الطبيعة وتنصت لهزيج الأمواج ليلاً وتترك لنفسك التأمل والتفكر ولو بشكل جماعي في مناقشات وأسمار، فيصبح للفكر معنى حين يصطلح مع الطبيعة ويعيد الإنسان إلى حياته الأولى، وترتقي الروح من تلقاء ذاتها لما تغرق في التفكير على إيقاع موسيقى البحر وبعيدًا عن ضوضاء المدينة ومظاهر الحياة الحديث التي تسحق في الإنسان إنسانيته وتذهب بكينونته وحقيقته.

إن كل تلك السمات والمعاني له أثر عميق في تحقيق الاسترواح لنفس مثقلة بالكثير من الأنات والبناء لبعد معنوي يعاني الكثير من المعاناة في زحمة تعقيدات النمط المعاصر للحياة والمفارقات الصارخة بين الواقع المر والأمل المنشود، وحين تكون في منطقة يمزج فيها بين البحر والجبل ويعرف أهلها بالخصال الحميدة وتاريخها يمتح من عشق للحرية ومقاومة للمستعمر كما هو شأن منطقة ترغة والنواحي حيث اعتمدت الرباطات والزوايا في مواجهة المستعمر، وعهد على المنطقة بكونها بلد له صلة وطيدة بتحفيظ القرآن وتدريس علومه وصانعة لرجالات كبار وجدوا أنفسهم في الخط الأمامي للدفاع عن حوض بلد عاش هجمات عديدة من البرتغال قديمًا إلى إسبانيا وفرنسا حديثًا، وقبل ذلك قدوم الموريسكيين المطرودين من الأندلس إلى جغرافيا المنطقة الشمالية.

إن هذا البعد التاريخي يسهم في تقديم لمحة عن منطقة تعد واجهة من واجهات التخييم عند الكثير، والأكثر من ذلك لما تكون جمالية الجغرافيا والطبيعة فتنعكس جمالية في الأخلاق وحسن المعاملة من أهل المنطقة، حينذاك فإن منطقة مثل هذه تكون قبلة للكثير من الوافدين من أجل التخييم رغم بساطة الحياة بها، لكن جمالية المنطقة تمنحها سحرًا متفردًا، وذلك ما شد الكثير ممن نعرفهم إلى اعتبار المنطقة محجًا سنويًا في فصل الصيف، أكان مع جميعات المجتمع المدني أو بشكل مستقل وحر في خيم.

إن البناء والاسترواح أحد المقاصد الأساسية التي ينبغي أن تحكم الأفراد والجماعات والأسر وكل إنسان في تخييمه، فينظم لذلك برنامج يروم من خلاله تحقيق القليل من الراحة المفتقدة والمبحوث عنها والتي تمنحها الطبيعة للإنسان، لاعتبار الإنسان نسخة أخرى من الطبيعة، يحقق في التخييم وجمالية الطبيعة بعض من فطرته النقية الطاهرة، وينمو ذلك بالبناء لما يكون الكتاب والتفاكر الجماعي أنيس كل قاصد للتخيم في بعض أوقاته.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك