“المدرس” وعلاقته بمشاكل العنف والسلوك في المدرسة

16 مارس , 2015

يُعد المعلم أحد العناصر المهمة المسؤولة عن تربية الطالب بعد الوالدين، وهو مطالب بالمساهمة مع الوسائل التربوية الأخرى في بناء شخصية متكاملة صالحة وفي تكوين مواطن سوي، وهذا ليس بالعمل السهل وقد يضطر المعلم في أحيان كثيرة إلى استخدام أساليب متنوعة لتعديل سلوكيات التلميذ وتصحيحها، والحد من انتشار المشكلات السلوكية التي قد تحول الفصل إلى بيئة غير مناسبة للتعليم ويعد العقاب أحد هذه الأساليب.

ترى الباحثة العراقية “زينب عبد الله محمّد”، في دراسة ميدانية تبحث في دور البيئة المدرسية في سلوك “العنف”، أجرتها في مدينة بعقوبة، بمحافظة ديالى العراقية، وتقدمت بها الى جامعة بغداد، عام 2005م، بأن “هناك إجماع بين التربويين على إن المعلم هو أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في سلوك التلميذ وشخصيته إن لم يكن أهمها جميعاً، إن المعلم جزء من البيئة المدرسية وله أثر كبير في سلوك التلاميذ وأصبح دوره مرشداً ومحركاً أكثر منه ملقناً للمعلومات، فهو أكثر اتصالاً بالتلاميذ وذلك لوجوده مع التلاميذ وقتاً غير قصير وتفاعله المستمر معهم، فلا بد أن تتأثر شخصيات التلاميذ وسلوكهم بخصائصه الشخصية وأسلوبه في التعامل داخل الصف وخارجه ولا سيما في مرحلة المراهقة التي يسعى فيها الطلبة إلى تقليد النماذج السلوكية للكبار الذين يتأثرون بهم”.

وتفيد الباحثة العراقية بأن الدراسات تؤكّد على “إن اغلب المراهقين ينتخبون مدرسيهم بدلاً من آبائهم عندما يطلبون منهم تسمية شخصية رائدة مثالاً لهم. وتلفت الباحثة إلى أن “الدراسات تشير إلى ان الكثير من المراهقين يكون المدرس أنموذجاً ذا تأثير غير اعتيادي، ففي المرحلة الثانوية قد تفعل المدرسة أكثر مما تفعله أية مؤسسة اجتماعية أخرى لتحديد مثل وأهداف الحياة بالنسبة للمراهقين الذين يسعون جاهدين كي يجدوا نمطاً حياتياً مقنعاً لذلك فإن سلوك المدرس وشخصيته تؤدي دوراً ذا أهمية كبيرة على شخصيات الطلبة الذين يتخذون منهم نماذج يقتدون بها”.

ومع كل ذلك فالمدرس يعد أحد مصادر ظهور المشكلات السلوكية في الفصل الدراسي فعدم كفاءة المدرس وحداثته في المهنة وضعف شخصيته وعدم ثقته بنفسه كلها أمور يمكن أن تسهم في ظهور مثل هذه المشكلات. وحول هذا، تفيد الباحثة العراقية في دراستها بأن هناك ثمة دراسة تحليلية قام بها عبد الله الهاجري لآراء الطلاب والطالبات في أساليب ضبط السلوك الطلابي المتبعة في مدارس الكويت، أظهرت نتائجها بأن “هناك اتفاقاً للتلاميذ على شعورهم بان المدرسين يتسببون في نشوء كثير من المشاكل، وهذه الأساليب تساعد على الصراع بين المعلمين والطلبة وتترك مشاعر مرتبكة لدى التلاميذ وقد يعزى بعضهم مثل هذا الصراع الذي يحدث بين المدرس والطالب إلى التفكير اللاعقلاني للمدرس فالأشخاص الذين يفكرون بطريقة غير عقلانية غالباً ما يفقدون صوابهم ويغضبون بشدة عندما لا تجري الأمور كما يشتهون، كما إن الثنائية الفكرية المتمثلة في رؤية الواقع محصوراً بين دفتي الصواب والانحراف ولا سيما ما يتعلق برؤية المدرس الذي يرى أن كل الحق معه في معاقبة الطالب نفسياً وجسدياً وقد أثبت التحليل النفسي أن الثنائية الفكرية تقلص الحقل الذهني وتُسهم في هبوط الاهتمامات، من خلال الازدراء واللامبالاة تجاه كل ما لا يكون غرضاً من أغراض هواه وحماسه لا يتزعزع في صواب فكره، مما ينسل إلى إسقاط العدوانية على الآخر وممارسة أفعال ضد المحيط تقود إلى علاقة سادية مع هذا المحيط”.
 

لا تزال العلاقة بين المعلم والمتعلم في المؤسسات التربوية ولا سيما العربية، هي علاقة تسلطية استبدادية تسير في اتجاه واحد على ما يبدو، فيتبين أن المعلم هو محور العملية التربوية في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه الطالب هو محور العملية التعليمية. وتوضح الباحثة العراقية بأن “الوضع التعليمي هو انعكاس لعلاقة مسِيطر بمسيطَر عليه وهذه تنعكس على طريقة إعطاء المعلومة والمتمثلة بالتلقين الذي يعد أنموذجاً واضحاً لهذه العلاقة القهرية فهي تشكل علاقة تسلطية (سلطة المعلم) التي لا تناقش والطالب الذي عليه أن يطيع ويمتثل مما قد يولد حالة من التمرس على الطاعة، وميلاً للخضوع وقد تكون الطاعة العمياء عادة خطيرة”.
 

وبحسب ما ذكر آنفاً، فإن هذا النوع من العلاقات يؤدي إلى استنتاج شخصية سلبية يرى فيها بعض الباحثين روح الهزيمة والضعف والقصور. ويجدها آخرون إنها سبب في التطرف العقلي والانغلاق الذهني وإنها لا تربي الناشئة على أعمال العقل والنقد والابتكار بل على التقبل السلبي، غير أن الناقد لأي فكر طالما كان مصدره سلطة ما مما يترتب عليه استعداد لمواجهة أي اختلاف في الرأي بالعنف والقسوة. وتشير الباحثة العراقية إلى ان هناك دراسات أجريت وأثبتت “أن الأسلوب التسلطي للمعلم ينتج عنه تمرد وعدم مبالاة، فقد أوضحت إحدى الدراسات بأن 22% من مشاكل طلبة المدارس الثانوية يمكن إرجاعها إلى نفور الطلبة من سيطرة المدرسين عليهم ويعتقد بعض المربين أن الفشل في العمل المدرسي يعود إلى المواقف العدائية التي يتخذها بعض المعلمين تجاه طلبتهم وأن المعلم العدائي يميل طلابه لأن يبدوا نسبة عالية من السلوك العدواني وقد تكون الخصائص المعنوية لصحة المعلم النفسية من أهم العوامل الفاعلة في خلق الجو الاجتماعي للمدرسة فقد أشارت كثير من الدراسات إلى أن القلق والتوتر والهموم لها تأثير كبير في علاقة المدرسين بالطلبة.
 

ختاماً، ترى الباحثة العراقية، بأن “الازدراء والتهكم والسخرية وإصدار الأوامر والتهديد والوعيد والمقارنة بين الطلبة ومعاملة الطلبة وفقاً لمعيار المراكز الاجتماعية للأهل وأن المعلم المضطرب انفعالياً وبما يحمله من قيم اجتماعية أو ثقافية كلها عوامل من شأنها أن تعزز العنف وقد يكون العنف عرضياً ناجماً من الموقف نفسه وقد يكون ناتجاً عن خطأ ارتكبه الطالب أو عن الحالة المؤقتة للمعلم ويترتب على هذا العنف كما أشارت الدراسات إلى أن الطلبة أكثر اضطراباً من الأطفال الذيـن لم يتعرضـوا للعنف فـي تنظيم انفعالاتهم وسلوكهم ويميلون إلى إن يكونوا أقل جدارة منهم من الناحية الاجتماعية”.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك