المسكوت عنه في البحث العلمي

14 يناير , 2017

السّرقة من الصّفات الّتي حرّمها الله سبحانه وتعالى على الإنسان، وتعتبر جريمة، أيًا كان نمطها وكيفيتها وفاعلها، وإذا كان الشّرع قد قنّن عقوبة السّارق للمال أو المتاع لخطورتها على الفرد والمجتمع، فإنّ السّرقة الفكرية (بالقياس) أشدّ خطورة وأبعد تأثيرًا على المدى القريب والبعيد، وما أكثر السّرقات الفكرية الأكاديمية في جامعاتنا، سواء على مستوى رسائل الماجستير والدّكتوراه، أو على مستوى بحوث التّرقيات، لاسيما في عصر يختصر فيه الحاسوب والإنترنت وقت وجهد السّارق، ويتيحان له خداع القارئ بما لم يكتب أو يبذل فيه جهدًا، ولو دقّق القارئ لوجد كثرة من الرّسائل والبحوث الأكاديمية العربية ينطبق عليها قول القائل: “ما يقول إلا رجيعًا، ومعادًا من قول الآخرين مكرورًا”.

السّرقات العلمية ظاهرة قديمة تتجدّد وفي زمن سهولة الوصول إلى المعلومات وسيولتها صارت السّرقات أسهل، وتعدّ السّرقات من أبرز تحديات البحث العلمي العربي، ولاسيما في العلوم الإنسانية، إذن فما مفهوم السرقة العلمية، وأسبابها؟ وما هي أثر هذه الظاهرة على منظومة البحث العلمي؟ وما السبيل للقضاء عليها، أو على الأقل الحد منها في ظل رخاوة القوانين والإجراءات تجاه المضبوطين؟

1- مفهوم السرقة العلمية وأنواعها

الانتحال في المعجم العربي لفظٌ من معانيه “نسبة الشيء إلى النفس وهو للغير، أو ادّعاء ذلك، ولا يكون الانتحال بنقل المكتوب فحسب، حيث يذكر المعجم “أن نَحَلَ الشخصُ القولَ يعني أنه نسبه إلى نفسه وليس إلى قائله”، فالانتحال يجاوز نقل المكتوب إلى نقل الأقوال والأفكار أيضًا، أما المصطلح الغربي الشائع عن أصل لاتيني فهو “plagiarius”، وقد ظهر أول مرّة كما تشير المعاجم “في القرن الأول الميلادي بعد استخدامه من الشاعر الروماني “مارتيال”، الذي اتهم شاعرًا آخر “بخطف” أبياته الشعرية، “ثم ذاع بنحو أو آخر في أوروبا في القرن الثامن عشر، مع الحركة الرومانسية”، ويعني تعبير “سرقة أكاديمية” استخدام كلمات أو أفكار أو نصوص أو أبحاث أو استراتيجيات أو كتابات ونسبها إلى الذات أو الإيحاء بذلك، من كاتب أصلي دون الإشارة إليه، أو للمصدر المنقول عنه، سواء كان ذلك كتابة أو شفاهة، من أجل الحصول على فائدة أدبية أو مادية. وقد قدمتُ هذا الإيضاح بالرجوع إلى تعريفات عدد من الجامعات الكبرى في العالم كتعريف جامعة ييل، أو جامعة أوكسفورد، أو ستانفورد، أو شيكاغو وغيرها. وهذا ما يؤكده أيضًا القانون الأمريكي، وذلك باعتبار أيّة فكرة أصيلة ملكية خاصة، مثلها في ذلك مثل الاختراعات، لا يجوز الاعتداء عليها، وعلى حقوق ملكيتها.

فإن أردنا تعريفًا مختصرًا وأكثر دقّة وشمولًا للسرقات العلمية أو ما يسمّى ب(اللصوصية العلمية) فهو كالتالي:”السّرقة الّتي ارتبطت بمجال التّأليف والابتكار، عن طريق النّقل او الاقتباس دون الإشارة إلى القائل”.

وقد اتّخذت السّرقة العلمية عدّة صور كلّها تصبّ في خانة الّلصوصية وهي:

-السرقة الكاملة: تعتبر أخطر السرقات الفكرية حيث يسطو السارق على أفكار الغير في المعنى والمبنى دون الإحالة إلى صاحبها كأن يسرق أطروحة كاملة وينسبها إلى اسمه.

-السرقة الجزئية: سرقة بعض العبارات أو محاولة دمجها بغيرها حتى لا تكشف سرقتها، أو التلاعب في الفقرات كي يظهر الأمر مجرد توارد، لأن التوارد في المشهور يعتبر عدم دراية أو سرقة أو تجاهلًا.

-السرقة عن طريق الترجمة: وهي أن الباحث يعمل على ترجمة بعض الكتب الأجنبية الهامة التي يعثر عليها في الخارج ويضع اسمه عليها ويحذف تمامًا أسماء أصحابها.

-عدم التقيّد بالموضوعية ومناهج البحث العلمي: المقصود هنا هو أن الكثير من المؤلّفات لم تلتزم بالخطوات العلمية، التي يتبعها أي باحث في دراسة مهما كان نوعها للوصول إلى المعرفة اليقينية، ودون اختيار المنهج الملائم للدراسة، مما ينتج عن هذا الإخلال العلمي غياب الموضوعية وحضور الذاتية، وغياب الحواشي والهوامش للإشارة إلى المراجع والمصادر المعتمدة، حتى يتخيّل القارئ أن المصادر الموجودة في هذا الإنتاج وحي نزل من السماء، وكل هذا يتنافى مع منهجية البحث العلمي.

سرقة الجهود البحثية بأشكالها المتعدّدة لا تقتصر على نهب منجزات ونسبتها إلى السارق فحسب، فهناك أشكال كثيرة منها ما أصبح جزءًا من عمل المؤسّسات الأكاديمية، ومنه ما هو سمة من سمات النشاط العلمي، والبحثي المتمثل بالنشر، مثلًا هناك بعض الأساتذة في الجامعات يقوم بسرقة مجهودات طلابهم تحت مسميات كثيرة وطرق مختلفة غير السّرقة الكاملة المباشرة.

2- واقع السرقات العلمية:

على الرغم من أن ظاهرة السرقات العلمية منتشرة في أرجاء العالم العربي، فإن الرصد الإحصائي الدقيق لها غير متوافر، إذ توجد تقديرات فقط في هذا السياق، فتطالعنا من حين إلى آخر الصّحف ووسائل الإعلام بشكل دوري بأخبار هنا وهناك تكشف عن أعضاء تدريس سرقوا أبحاثًا، أو حصلوا على شهاداتهم بالتزوير، وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد كشف عميد البحث العلمي في جامعة الملك سعود في الرياض الدكتور رشود الخليف عن طي قيد أعضاء من هيئة التدريس بالجامعات السعودية، لارتكابهم سرقات علمية من بحوث قد نشرت بواسطة باحثين من داخل المملكة وخارجها، وكان الخريف أكد لصحيفة الحياة على هامش جلسات المنتدى الرابع للشراكة المجتمعية في مجال البحث العلمي، أن اكتشاف السرقات العلمية يأتي عبر اجتهاد من أساتذة الجامعات، ولا يمكن كشف تلك السرقات عبر تعريض البحث إلى برامج الكشف الموجودة على مواقع الإنترنت لأنها لا تدعم الأبحاث باللغة العربية.

ظاهرة استكمال الوجاهة الاجتماعية لبعض ذوي الضمير الميّت بشهادات دكتوراه مضروبة – من جامعات – تلقي بظلال من الشك على مصداقية كثير ممن يحملون لقب «دكتور» في أوطاننا، والغريب أن الجامعات تحتفي بهؤلاء كنوعٍ من التّتويج لممارسات الغيبوبة الفكرية الّتي يكابدها الوطن في أقسى مراحل تردّيه الثّقافي والتّعليمي، لم نعد نتحدّث عن شهادات ودرجات علمية تمنحها الجامعات الحكومية لأنصاف وأرباع متعلمّين في معيّة ضعف وفساد ولا مسؤولية كثير من الأساتذة، وسعي بعضهم المحموم إلى التّباهي بتكوين مدارس فكرية تحوي كثرة من المعاقين فكريًا، ولكن تتجاوزه إلى مسألة أكثر خطورة تشمل الذين اكتسبوا وظيفتهم الجامعية عن طريق السرقة العلمية والمطالبين باستحقاقات كاذبة في مجتمع أقعدته الإعاقة الحضارية والفكرية.

إن النظرة التشاؤمية التي جعلتني أنظر إلى مستوى البحث العلمي في العالم العربي بهذه السلبية هو تدهور الإنتاج الفكري مقارنة بالمعدل العالمي للإنتاج الفكري في الدول المتقدمة من ناحية النوع أو المضمون، وهذا بعد مطالعتي للعديد من الكتب وخصوصًا في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، وحضوري للعديد من المناقشات العلمية تخص بعض رسائل الماجستير والدكتوراة في بعض جامعاتنا، حيث حضرت فيها السرقات العلمية وغابت فيها الأمانة العلمية، وروح الإبداع والابتكار الشخصي، إنّ تفشّي مثل هذه الظواهر أصبح يشكّل خطرًا وتهديدًا كبيرين على سلامة الإنتاج الفكري والبحث العلمي والذي نتج عنه ما يسمى اليوم ب”الإنتاجات العلمية التجارية”.

إن أكبر مخاطر السرقات العلمية في العالم العربي تكاد تكون محمية بفعل القوانين الرخوة، وغياب الشفافية والتواطؤ، ويتعاظم الأثر المدمّر للسرقات العلمية حين يصل التهاون مع من تثبت جريمة السرقة عليهم إلى حد السماح لهم بتقلد مناصب أكاديمية وإدارية قيادية، فحين يصبح لصوص الأمس هم أنفسهم المتنفذون اليوم، فإن الأمل في الغد يكاد يكون معدومًا، إذ يحتمل أن يقف مثل هؤلاء بحزم أمام كل جهد أكاديمي أصيل أمين لصالح أمثالهم.

3- أسباب ظاهرة السرقات العلمية في البلدان العربية:

قد أرجع الكثير من الباحثين أسباب هذه الظاهرة إلى غياب الوازع الديني، والعجز والتكاسل العلمي، وحب التنافس في كثرة المؤلفات وكذا إحساس السارق بأنه لن يكشفه أحد، بحكم موقعة ونفوذه، وقد تساءل الأستاذ “عادل الماجد” في ندوة فكرية حول “السرقات الفكرية” على هامش معرض الرياض الدولي للكتاب سنة 2008، قائلًا “لماذا الدول العربية أكثر مناطق العالم سرقة واختلاسًا؟ ولماذا هي بيئة خصبة للسرقات الأدبية؟ ويعدد أسباب ذلك بقوله: “أول هذه الأسباب مسيرتنا التعليمية منذ المراحل الأولى فالمعلم يطلب عملا إبداعيًا من الطلاب فيوكلون به من يجيد،ه أما من يجتهد في كتاباته فيقابلونه بالنقد والازدراء، وفي المرحلة الثانوية والدراسات الجامعية يحترف الطالب سرقة البحوث والواجبات المكلف بها ليظهر بمظهر أفضل وأرقى في نظر الأساتذة، ويضيف بأن الدارسين خلال تلك المراحل تعمل في بيئة تهمل كبريات الأمور، وتخلط في ترتيب الأولويات، فتركز على قضايا صغيرة على قضايا أهم وأكبر بكثير كالأمانة والصدق والعدل، بالإضافة إلى أن لغة المال والمنصب هي المسيطر على أمتنا العربية ولا يوجد تدافع بين القوى لتحقق الموازنة العادلة، وكذلك المجتمع ينظر للمدافع عن حقه المعنوي بنظرة دونية فالمجتمع رأسمالي في الماديات واشتراكي في المعنويات، ومن الأسباب أيضًا أن الكثير ممن قيل إنهم سرقوا وثبت ذلك عليهم لا يزالون في جامعاتهم وصحفهم يقتاتون من الموارد التي سرقوها، ويتهم الأستاذ عادل النخب الشرعية والفكرية والإعلامية بأن بينها كثيرًا من المزورين مما سهل لكل سارق أن يدخل بينهم دون أن يكشف من اسباب كثرة السرقات الفكرية لدى العرب، كما ذكر الأستاذ عادل بأن العرب مهوسون بالتبجيل والأرقام لذا يسعون إليها بأي وسيلة كانت”.(1)

ولعلّ الأسباب المادية من أهم الأسباب لانتشار ظاهرة السرقة العلمية في مجتمعاتنا، والتي تتجلى في إشكالية الإنفاق وضعف الاعتمادات المرصودة لمجال البحث العلمي والتطوير، مما يجعل الباحث يلتجأ للطرق الغير مكلّفة مادّيًا ومن أهمها السرقة العلمية، إذ لم تخصص الدول العربية مجتمعة للبحث العلمي والتطوير خلال السنوات الأخيرة، وفق ما أورد تقرير المعرفة العربي سنة 2014 سوى مبالغ ضئيلة ومتواضعة من ناتجها المحلي الإجمالي تتراوح ما بين 0،03 و0،073 في المائة، وأيضا كشفت إحصاءات اليونيسكو لسنة 2010 أن الإنفاق العربي على البحث العلمي لم يتجاوز 1،7 مليار دولار، بما نسبته 0،3 في المائة من النتاج القومي،(2) وكنتيجة حتمية ستنقص مردودية الباحث العربي نظرًا لقلة تعويضه وحافزه المادّي والمعنوي، وستفقده زخم الطموح الشخصي الذي لا ينفصل بطوباوية ندّعيها عن الطموح العمومي أو الصالح العام، فالإنسان يحبّ المجد الشخصي ويسعى للحياة الراغدة الهانئة، وارتباط العلم بهما قد يكون أحد أسباب تطوّرهما، لكنّنا في عالمنا العربي لا نزال في طور العالم والمفكر “الرسولي” الذي يضحي بكل شيء لأجل العلم والإنجاز المعرفي، وتتضاعف المشكلة حين نفتقد هذا المفكر والعالم المضحي بكل شيء لأجل العلم والإنجاز المعرفي، وتزداد المشكلة تضخمًا حين نفتقد هذا “المفكر والعالم المضحي” الذي يسعى لتحقيق إنجاز قد لا يرى منه أي عائد شخصي بل لن يرى أثره في زمانه، وبذلك فإن هذا الواقع يفرض تحديات مضاعفة على الباحث والمبدع في عالمنا، لذلك فإن طاقة نفسية هائلة يحتاجها هذا الباحث ليبقى وفيًّا للعلم والفكر رغم هذه المعيقات.

وهناك سبب أو تحدٍّ آخر يتجلى في رخاوة القوانين غير الرادعة للتصدّي لظاهرة السرقات العلمية، سيما في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية، بهدف التجارة والربح السريع من جهة، وكسب الشهرة الإعلامية من جهة أخرى، ولعلي لا أبالغ هذه المرة إن قلت إن تراجع مستوى البحث العلمي في العالم العربي مقارنة بالدول الأجنبية المتقدمة سببه غياب الإبداع الشخصي لدى الباحث العربي، ناهيك عن وجود عوائق أخرى مادية ومعنوية.

4- والنتيجة التدمير المنظّم للمؤسّسات والقيم البحثية:

السرقة العلمية تشكل في وقتنا الراهن أبرز التحديات التي تواجه البحث العلمي وخصوصًا في العلوم الإنسانية، ويرجع هذا بشكل أساسي إلى أنها تمارس تدميرًا منظّمًا للمؤسسات البحثية التي تنتشر فيها، فالباحثون الذين يلتجؤون للسرقة للحصول على درجة علمية او ترقية أكاديمية أو غيرها يدمّرون القيم الأساسية التي لا يرقى البحث بدونها، أعني قيم الاجتهاد والأصالة والإبداع، إن السرقة الإبداعية تسهم في إشاعة أجواء شديدة السلبية في المؤسسات الأكاديمية، وخاصة إذا مرت جرائم من يرتكبونها من غير عقاب.

إن الأستاذ الذي سرق وحصل على الوظيفة الجامعية زورًا وغشًّا، هو أستاذ ميّت الضمير وعديم الأخلاق، لذلك بإمكانه أن يمارس كل السلوكيات اللأخلاقية في وظيفته الجامعية، وبذلك سيشوّه القيم العلمية والأخلاقية التي يتميز بها الحرم الجامعي، فهذا الأستاذ الذي لا ضمير له هو الذي سيغشّ في أبحاث ترقيته، أو يسطو على جهد زميل له دون أن يشير إليه، وهو نفسه من يسرق كتابًا ينسبه إلى نفسه وهو الذي لن يصحّح أوراق الطلبة فينجح طلابٌ لم يحضروا الامتحانات أصلًا، ويُظلَمُ طلابٌ آخرون، وهو نفسه من سيتحرّش بطالبته، وهو نفسه من يقبل دريهمات ذهبية من طالب يشرف عليه قبل المناقشة، أو يعدّ رسالة لآخرين مقابل أموال ثابته أو منقولة، وهو نفس الأستاذ الذي يُحكّم أبحاث أستاذ مساعد ويقبل في الآن ذاته أن يناقش معه أكثر من رسالة في جامعته، في رشوة علمية واضحة، وهو نفسه من يبيع كتابه المسروق ويجبر طلابه على شرائه، في كارثة علمية خالصة تسمى “الكتاب الجامعي”، هذا الاختراع الذي حرّم الطلاب في جامعاتنا من التعامل اليومي مع المكتبات، لكن للأسف هو الأستاذ نفسه الذي ستجده في النهاية على الموائد جميعًا، وفي لجان الجوائز كلّها، بعد أن تراكم صيته عبر انتحال مستمر لمراجع غربية، ترجم منها مذاهب نقدية راسخة كالبنائية والتداولية والألسنية وغيرها، ناسبًا إيّاها إلى نفسه، في انتحال واضح يكافئه الوسط العلمي عليه، دون أن يدرك أنه يترجم وهو يؤلف، ويؤلف وهو يترجم، في غيبوبة أكاديمية فادحة.

لا يفقد المدرس الجامعي الذي نال وظيفته عن طريق السرقة العلمية أو ينتحل من الآخرين في أبحاث ترقيته أمانته أمام زملائه فحسب، ولكنه يسيء إلى تلامذته وسمعة جامعته أيضًا، حتى لو نجا من فعلته -واستمر في عمله الجامعي أو الوزاري دون عقوبة رادعة- استنادًا إلى حجة مكرورة نجا بها عشرات السارقين من قبل تتلخّص في ضرورة إرسال الشكوى من المسروق، فماذا لو كان المسروق أجنبيًّا، ولم يعلم بالسرقة أصلًا؟ وهل يزيل جهل المسروق علمَ السارق، أو اللجنة العلمية، أو الجامعة بالسرقة؟ وماذا لو اعترف السارق بسرقته في الصحافة الأدبية، معلّلًا ذلك بالسهو والنسيان؟

5- حلول مقترحة لمعالجة الظاهرة

فالسرقة العلمية رغم أنها ظاهرة قديمة وتنتشر في دول العالم، إلا أنها تتزايد ما يدعو إلى ضرورة دق ناقوس الخطر، لمسألة لا تؤثر في المردود المادي للبحث العلمي فحسب، بل في الناحية الأخلاقية إذ تسهم في تغيير منظومة القيم والأخلاق لدى جيل يتربى على أيدي أكادميين وباحثين حصلوا على شهاداتهم وأنجزوا أبحاثًا بالسرقة، وأولائك الذين يستغلون طلابهم لإنجاز أبحاث عنهم.

لذا يفرض هذا الواقع أن يكون هنالك اهتمام رسمي بهذا القطاع من خلال سن التشريعات الناظمة للبحث العلمي وزيادة الإنفاق عليه، وضمان مناخ وبيئة علمية وحريات فكرية وأجواء تحث على البحث والإبداع، والعمل وفق خطط واستراتيجيات وطنية يشترك فيها القطاع العام مع الخاص ومأسسة البحث العلمي، وتقريب المسافة بين النظري والتطبيقي للنهوض به وتحريك عجلة التنمية، وهذا لن يكون إلا بوجود إرادة سياسية حقيقية وجادة تسعى للعمل الجماعي، لنحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة، ونسهم في بناء مجتمع معرفي تقني منتج لا مستهلك.

يمكن اقتراح حلول عاجلة للتصدي لمثل هذه الظوهر ومحاولة تطوير الإنتاج الفكري العربي في النقاط الآتية:

-توفير الاستقرار للباحث العربي وتعزيز الحريات الأكاديمية وذلك بترك أي باحث يعبر عن آرائه حتى تصبح آراء الباحثين صرحًا تنشد فيه الحقيقة.

-إقامة إجراءات ردعية ضد السرقات العلمية.

-تعزيز أجهزة رقابية على مستوى دور النشر للحد من ظاهرة الربح التجاري على حساب نشر الثقافة.

-إنشاء جهاز رقابية لحماية الملكية الفردية (الإنتاج الفكري) وحماية للبحث العلمي.

-الزيادة في نسبة الإنفاق العربي على البحث العلمي، وتوفير موارد كافية للبحث والتطوير، اقتناعًا بأهمية دور العلم في حياة المجتمعات.

-إحداث مسطرة قانونية والتي يتم فيها تجريم البحث وسحبه من الجامعة، مثلًا كتعيين لجان أولية للتحقيق، وعند وجود شبهة لسرقة يتم تكوين لجنة لدراسة قضايا الحالات، يلي ذلك لجنة عليا بدورها ترفع ما تتصل إليه إلى مدير الجامعة الذي يعين محقّقًا، وأخيرًا لجنة التأديب التي تشرع نوع العقوبة المناسبة لنوع السرقة العلمية.

هكذا تبقى السرقة العلمية أسوأ ما يمكن أن يتعرّض له البحث العلمي، فأضرارها لا تقتصر على قتل الضمير فقط بل تتعدّاه إلى قتل الأرواح، فمثلًا ربما استطاع أستاذ البلاغة الذي يسرق جهد زميل له في جامعة أخرى متعلّلاً بالنسيان، تبرير فعلته، وربما استطاع أستاذ مادة في العلوم الإنسانية مثلًا أن يمثّل البراءة والحُسن والنزاهة أمام الآخرين، وربما أن ينتحل بكل ثقة وهو على يقين من غياب العقاب لأن وزيرًا هنا أو مستوزرًا هناك يقف من ورائه، والأفضل أن يكون له مع وظيفته الجامعية منصبًا يساعده في عتمة مجالس وزارة الثقافة وهيئاتها على الخلاص، لكن لن يستطيع ذلك بالسهولة نفسها لو كان طبيبًا أو مهندسًا، ذلك لأن الكارثة حينها سترتبط مباشرة بحياة الناس، وليس بضمائرهم فحسب.


المراجع:

1- عادل الماجد، “بيئتنا التربوية تركز على صغائر الأمور وتهمل القضايا الكبيرة ومن بينها السرقة الفكرية”، ندوة فكرية حول السرقات الفكرية، الرياض، 2008.

2- نقلًا عن تقرير اليونسكو للعلوم الصادر عام 2010، ص 205، يمكن قراءة التقرير على الرابط الآتي: http://goo.gl/xevalk



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك