بعد 4 سنوات من التفوق في قسم اللغة الإنجليزية: صدمات سوق العمل

28 أكتوبر , 2016

English concept with person holding a smartphone

 

مع انتشار الاعتقاد السائد بأن كليات العلوم العملية أصعب من كليات العلوم النظري، فللأولى ميزة على الثانية من حيث كون “التطبيق” أو الجانب العملي متاحًا أثناء الدراسة نفسها، بما يساهم إلى حد ما – ولا أقول تمامًا – في رأب الصدْع بين النظر والتطبيق، وهو ما تفتقر له كثير من كليات العلم النظري.

عندما تخرجت من قسم اللغة الإنجليزية بكلية اللغات عام 2010، كنت الأولى على دفعتي بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، وكان لي نظام دراسي ذاتي حرصت من خلاله على الوقوف على دقائق اللغة الإنجليزية، والإلمام بمهاراتها الأربع قدر الإمكان كأهلها: كتابة وقراءة واستماعًا ومحادثة. لكن مع أول ولوج لسوق العمل والتطبيق، لم يعفني ذلك التفوق من استشعار صدمة تلك الفجوة، وإن كان ساهم بصورة كبيرة في تخفيف حدتها مقارنة بالطلبة المتّبعين لطريقة القوالب الدراسية، المعتمدة على الصم والتلقين للامتحان فحسب ، دون إحاطة علمية حقيقية بالمادة .

وتجلت تلك الفجوة بصورة عامة في 3 جوانب أساسية:

 

الجانب المهاراتي

من حيث تفعيل اللغة في قوالب الحياة العامة، أي الديباجات الثابتة Templates التي يتعرض لها كل مقبل على سوق العمل والتطبيق، مثل كتابة السيرة الذاتية Resume، وصياغة بريد التعريف Letter of Application ، وما يدور في فلك سوق العمل عامة، أو ما يعرف بـ Business English التي صارت الآن فرعًا قائمًا بذاته في تعلم اللغات، له كتبه ومواده ومواقعه على الإنترنت.

مؤخرًا بدأ تدريسه في الجامعة بعد تعييني فيها، لكنه وقت دراستي كان مجالًا ضبابيًا مُهملًا تمامًا، حتى كانت وسيلتنا للتقديم في مختلف الشركات أن نترك أرقام هواتفنا المحمولة مع سكرتيرة القسم، ويقوم مندوبو الشركات بجمع هذه القوائم والاتصال بها، ثم من يحالفه التوفيق في الانضمام لعمل ما يبدأ بالترشيح الشخصي لأصحابه ومعارفه. مؤخرًا صار هنالك سعي رسمي من قبل إدارات الجامعات المختلفة لاستقطاب تلك الشركات فيما يعرف باسم Job Fairs  أي معارض للتوظيف، ومعارض للمنح كذلك Scholarship Fairs.

الجانب التواصلي

فاللغة في المقام الأول وسيلة تواصل ولا تراد لذاتها كحروف وأصوات فحسب. مبدأ التبادل الثقافي وإتاحة التبادل اللغوي مع الناطقين الأصليين لم يكن متاحًا وقت دراستي كما صار الآن. ومهما استمعت على اليوتيوب أو تواصلت على المنتديات – لم تكن وسائل الاتصال الإلكترونية كسكايب وواتس متاحة كما الآن – ، فذلك يختلف تماما عن وقع المواجهة الفعلية .

أذكر أنني في اليوم الأول لتعييني في شركة اتصالات بريطانية، عندما تلقيت المكالمة الأولى من سيدة إنجليزية ظللت أستمع لها في شيء من الصدمة وعلى وجهي علامات دهشة، وشعرت أن الكلام محتبس في حلقي والعبارات الروتينية للتحية والسلام كلها غابت عن ذهني فجأة!

تبين لي وقتها أن سرعة المحاورة في سياق التعلم مهما كانت عالية غيرُ سرعة الكلام العادي في سياق تواصل حياتي، وذلك بخلاف الجو النفسي: فالمتعلم يتوقع معه صبر أكثر ولا يعاب عليه بطء استدعاء المادة لذهنه، لكن ذلك لا يتاح في المحاورات الحياتية، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمة العملاء ومكالمة محسوبة!

 

الجانب الأكاديمي

في بدء تفاعلي بالإنجليزية التي تشربتها أيام الدراسة، كانت تأتيني عبارات من قبيل:

“ما أدق إنجليزيتك الأكاديمية”، “إنجليزيتك تشبه نصًا في كتاب!”، “واو، لم أسمع مثل هذه الإنجليزية الراقية سنوات!”

وهذه من الجوانب التي ربما لا يلتفت لها إلى الآن في تعليم اللغة، وهو المستوى الأكاديمي Academic  والمستوى الدارج Casual، فحتى محاضرات المحادثة وحلقات المحاورة كانت كلها بالكتب وفي إطار كتب نصية. وصحيح أنها مقسمة لمستويات وتحوي مواقف تحاكي الواقع، لكن كل ذلك لا يغني عن أن يهتم الدارس بنفسه بالإلمام بالمستويات اللغوية المختلفة، وأحيانًا سيجد لكل مستوى لغوي لكنته الخاصة.

قد لا تعني هذه الدقائق كثيرًا من الملمّين باللغة عامة للتعايش بها، لكنها بالتأكيد فيصيلة بالنسبة لمن تخصصه الأكاديمي اللغة (فحسب) وليس شيئًا آخر يتطلب معه بعض لغة. لذلك أعود فأقرر القاعدة الخالدة: لا غنى عن الجهد الذاتي في طلب العلم، وعدم التوقف عند حدود التلقين، ثم التطبيق العملي سيأخذ مجراه ويستقيم في النهاية بإذن الله طالما وجد الأساس المتين في البداية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك