بعيدًا عن وادي الجامعة!

29 مارس , 2016

خلع أستاذ مادة الرياضيات نظارته وخاطبني متهجمًا بنبرة غاضبة في ردة فعله تجاه جوابي لأسئلة امتحان المرحلة الأولى بكلية هندسة تقنيات الحاسوب: “يا ابني كأنك في وادٍ ونحن في وادٍ آخر”!

تجربتي مع مادة الرياضيات سيئة، ارتبطت بالرسوب والفشل؛ لم أنجح في امتحاناتها بالدور الأول إلّا نادرًا، ولطالما كنت أُعيد الامتحان مع ركب المُكملين بالدور الثاني!

تناقض كبير أن تكون بتخصص هندسي مبتعدًا عن علم الرياضيات، ولكن هذا ما حصل لي.

 

قصة جوابي تكمن في فهمي للرياضيات؛ بأن أجيب على امتحانه وفق قوانين أصوغها بنفسي مبتعدًا عن قوانين المنهج، حتى عرفت بين زملائي واصدقائي بتلك المرحلة بـ“أبو القوانين”؛ إذ كنت اختصر على نفسي عناء تطبيق قوانين الرياضيات المنهجية، وأبحث بمخيلتي عن قانون مناسب، يصيب حينًا ويخطئ آخر!

 

كثيرة هي الأجوبة التي سببتُ فيها لأساتذتي بمراحل دراستي حتى التخرج بما يمكن تسميته بالصدمة. وأعترف بأن جوابي في ذلك الامتحان كان سيئًا، لم تتجاوز نتيجته الـ10% من الدرجات. فكانت ردة فعل الدكتور طبيعية تجاه قوانيني الجديدة والمُخترعة. لكن، ما قاله الدكتور لزميلي كان مؤسفًا للغاية! جعلني أتجنبه ومادته، فلم أحضر محاضراته إلا ضرورةٍ.

 

سخر دكتورنا من زميلي بعد أن أساء إجابته، وقال له: “يا ابني أنت لا تصلح للهندسة… لا تتعب نفسك بعنائها… سأرشدك لما يناسبك: ابحث عن إطارين لدراجة هوائية… واجمع الخشب… ورتب من الاثنين عربه؛ اطلب من والدتك قدرٍ كبير، ومن والدك قنينة غاز… واشتري من مصروفك الخاص: حمص، وماء، وملح طعام، ومستلزمات أخرى؛ وسأجد لك في ساحات الجامعة مكانًا لتبيع فيه “لبلبي” (أكلة شعبيه عباره حمص يسلق بالماء ويقدم ساخنًا) أو لتبيع مأكولات أخرى مشابهه، هذا إن أحسنت إعدادها أيضًا”!

 

توبيخ الدكتور وسخريته جعلني اتسأل: أيعد البيع بالعربة “سُبة”؟ ألم يحرق بائع العربة “محمد البو عزيزي” نفسه في تونس فكانت عربته وجسده قربانًا لبداية ربيعنا العربي؟ قد يكون دافع البوعزيزي لحرق نفسه وعربته ذات السبب؛ انتقاص من قيمته، واعتداء السلطة على حقوقه بقطع سبيل رزقه وعائلته!

 

“كأنك في وادٍ آخر”

آمنت بها عندما سافرت من وادي العراق إلى وادي تركيا، حيث وجدت ما سَخِر منه دكتورنا مهنة يُحترم صاحبها ويُقدّر! فلا ضير من البيع بالعربة متجولاً، فهو وسيلة رزقٍ لا يستهان بها ولا يستهزأ بصاحبها، وبإسطنبول مثلاً يعد بائع الأرز مهندسًا بارعًا زرع المجتمع في ذاته معاني الثقة والاعتزاز بالنفس! فكثيرون هم باعة العربات المتجولين باسطنبول الذين يبيعون وجبة الأرز (عرباً وأتراك)؛ ويختلف طرق تقديمها والاعتناء بها من بائع لآخر!

مدينتي التي ولدت فيها، غرب العراق، شُيدت بأيادٍ فرنسية بمهنيةٍ وإتقانٍ عالٍ… فكانت روعة في البناء والهندسة المعمارية، إلّا أن فيها حي بطرقات متعبة تثير الانتباه… أُعيد أكساء الطرقات وتعميرها عدة مرات إلّا أنها بقيت بحالة سيئة.

 

سألت عن سبب سوء طرقات الحي، فتبين أن المهندس وطاقم العمل المُعمر للحي عراقي – عربي بكامل أفراده بعيدًا عن إشراف الطاقم الفرنسي… عُرف السبب؛ فلا عجب!

كثيرًا ما عاتبت أصدقائي من المهندسين العراقيين، مازحًا، عندما عرفت أن زميلهم كان سببًا في استياء طرقات الحي وسط المدينة الجميلة: مهندسكم مثال سيء بالتعمير والتشييد بتاريخكم الأغر… لم يرد على اتهامي أحد بل أيدوني، وراحوا يلومون معي كُلّ مهندس!

 

فقد يكون المهندس وطاقمه رُشحت لهم مهن كما رُشح لنا! بائع لبلبي نموذجًا؛ وهو ما اعتبره دكتورنا سبة وإساءة؛ تصب في توعيته لضمير طلابه وتنبيههم لذنبهم وتقصيرهم؛ وفق طريقة تفكيره الضيقة!

 

تغيرت قناعتي سلبيًا في كلية الهندسة التي أدرس فيها، ولو لفترة من الزمن، وتحديدًا بعد ما قاله دكتور مادة الرياضيات لزميلي. وأعترف بأنني أهملت دراستي الجامعية بعد ذلك، لأنني ببساطه لم أكلف نفسي عناء دراسة مواد لا تسمن ولا تغني من جوع -وهذا من أكبر الأخطاء- فكنت أستعد للامتحان قبل ساعات بسيطة فقط، حتى إن علامات دراستي الجامعية لم تتخطَّ حاجز الـ 70% في تقدير المواد طيلة أربع أعوام!

 

“مشكلتي الجامعية” تكمن في حبي للجانب العملي في اختصاصات الحاسوب، وهو ما اندفعت تجاه تطوير خبرتي فيه -بادئ الأمر-، في وقت ابتعدت فيه عن المواد التي تُلقن تلقينًا.

 

 لا أنسى اندفاعي وحماسي عندما اقترحت لأصدقائي بالمرحلة الأولى مشروع عملي يكون لنا ببداية الطريق قوة مهنية وخبرة عملية؛ كان مقترحًا بسيطًا، بأن نأتي بإنسان آلي (لُعبة) يعمل بالتحكم عن بعد –بالريموت كونترول-، لنقوم نحن بتغيير نظامه ليتم التحكم به عن طريق الحاسوب!

 

لزم الأمر عدة تجارب شهدت خراب أكثر من إنسان آلي، وأفسدت فيها الكثير من القطع الإلكترونية المستخدمة بتصميم جزء “الهارد وير” -جهاز إلكتروني ضمن المشروع- الذي سنربطه بالريموت كونترول؛ ليتحكم بالإنسان الآلي حاسوبيًا.

 

أكملنا الجزء الهندسي، والبرمجة الحاسوبية، وبهذا اكتمل المشروع. نجحت التجربة، ألّا أننا لم نقم بتطوريها لأسباب عدة أبرزها عدم اهتمام الجامعة بهذا النوع من الأنشطة، وغياب الدعم المادي والمعنوي للطلاب الناشطين فيه، وهو ما دعا ببعض أعضاء الفريق بأن يعتذروا عن الاستمرار.

 

صحيح أننا شُكرنا وأُثني على مشروعنا البسيط، من عميد الجامعة وأساتذة القسم. إلّا أن الكثير منهم راح يسأل: كيف عملتم هذا؟ من أين أتيتم بالفكرة؟! وأسئلة شك مزعجة: هل أنتم من عمله ونفذه؟ كيف تبرهنون على أنه إنتاجكم؟ وآخرون يحققون معنا عن كيف بإمكانكم وأنتم بالمرحلة الأولى إنجاز مشروع كهذا؟!

 

وككل شيء؛ انتهت أسئلة الحائرين والمشككين حول مشروعنا البسيط، كما انتهى شكر الشاكرين وثناءهم. افتخرت بالمشروع وزملائي، وكانت تجربة مبهرة… إلّا أنني صُدمت حينما نشرت نتائج العام الدراسي النهائية فكنت راسبًا بأربعة مواد!

 

مادة المشروع أبرزها: فحصلت في المادة على 18 درجة من أصل 50؛ رسوب من العيار الثقيل؛ بأربع مواد، ثلاثة منها أساسيه!

 

تحملت الصدمة، وقسوتها؛ كثير ما سُئلت حينها عن مغزى وفائدة المشروع ومستواي الدراسي رديء: رَسبتَ بسبب عدم اهتمامك بالمنهج وابتعادك عنه لنشاطات أخرى!

 

نصائح كثيره، أخرى أوامر وضوابط طارئه يجب تنفيذها سريعًا؛ كلها تحثني لتصحيح مساري في طريق الجامعة والدراسة: أنتبه للمرحلة المقبلة، أدرس كما يدرس الآخرون ولا تكن من الراسبين!

 

بعد اجتيازي للمرحلة الأولى ناجحًا بدورٍ ثاني؛ ما كنت اعتبره نجاحي الوحيد “عمليًا”، اعتبره من حولي فشلي الأكبر! فهم لم يحددوا مشكلتي بالرسوب وأين تكمن، ولم يتحققوا من أساسيات المشكلة… لكنهم أتوا إلى ما اعتبرته واعتبروه بادئ الأمر نجاحًا؛ وانهالوا عليه بمعاولهم فهدموه.

في المرحلة الثانية قررت أن أبتعد عن مبادراتي العملية، ألّا أنني بقيت بذات المستوى دراسيًا؛ لا أذكر أنني نجحت من الدور الأول طيلة سنوات الجامعة الأربعة!

 

كتبت مقالي هذا وأنا أتناول وجبة الأرز من يد ما أسميته “المهندس التركي” (بائع الأرز بالعربة) الذي أبهرني بإعداده للوجبة وإحسانه لتقديمها؛ أذكر أنني حين أنهيت تناولها قدم لي منديلًا بذوق رفيع… فانصرفت حينها متسائلًا هل يعرف دكتورنا قيمة بائع العربة المتجول التي اعتبرها سُبة وبّخ بها طلابه لأنهم لم يحققوا “نجاحه” المنشود؟

 

صحيحٌ إنني رَسبتُ حين نجح الآخرون في امتحان مادة الرياضيات، لكنني في بداية طريقي العملي اعتبر نفسي قد تجاوزت الكثير من الصعاب، والـ 50% التي يصعب عليَّ تحصيلها “علميًا” في بعض المواد الدراسية، حصلت عليها، أو على أكثر منها “عمليًا” وفي مستويات عدّة!

 

أَتعلَم يا دكتورنا بأنك وأنظمتنا الدكتاتورية تخرجون بمواقف عدوانية من بوتقة ظلم واحدة؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك