بين الكتاتيب والمدارس الحديثة: هل نحن أمام انهيار خطير للقيم التربوية؟

30 مايو , 2015

– هل ستبقى مسمراً هكذا أمام شاشة الحاسوب طوال اليوم؟ ألن تراجع دروسك؟

– أرجوك يا أبي، اسمح لي ببضع دقائق أخرى، لن أتأخر كثيرا ً

– يا له من جيل مستهتر، لا تقدرون أبدًا قيمة الوقت وأهمية التعليم رغم الظروف المناسبة، فرق كبير بيننا وبينكم، فعندما كنا ندرس في المسيد (الكتاب) ورغم قساوة الظروف إلا أن الدراسة كانت أولوية بالنسبة لنا، درسنا على ضوء الشموع و…إلخ.

نسمع دائمًا مثل هذه الحوارات بين الآباء والأبناء، والتي تلخص بشكل واضح التطور السريع الذي عرفه التعليم، من نظام الكتاتيب التقليدية إلى المدارس العصرية الحديثة، لكن، هل صاحبَ هذا التطور تحسن عام في مستوى التربية واحترام القيم؟

تعرف الكتاتيب في المغرب باسم “المسيد”، وكان نظامها بسيط جداً، سواء في البوادي أو المدن، إذ تعتمد على مدرس يكون في غالب الأحيان إمام مسجد القرية، أو “طالباً” يقصد به في الدارجة المغربية حافظاً لكتاب الله، يقوم بتدريس أبناء القرية أو الحي في ملحق صغير بالمسجد، يعلمهم اللغة والحساب، و يساعدهم على حفظ سور وأحزاب القرآن الكريم، و تكون إقامته في غرفة صغيرة، ومعيشته معتمدة على مساعدات السكان وهباتهم التي يقدمونها مقابل تأديته لعمله على أكمل وجه، وكان دائماً ما يحظى بمكانة عالية ومحترمة، وتقدير كبير من الجميع، لما يعتبرون أنه مهمة مقدسة تساهم في تنوير الناشئة وإخراجهم من ظلمات الجهل، وفي أحيان كثيرة كان هذا التعليم التقليدي يساعد بعض المتفوقين على المضي بعيداً ودراسة علوم الدين والفقه والانتساب مثلاً إلى جامعة عريقة كـ “جامعة القرويين” التي تعد أقدم جامعة في العالم، و المميز أيضاً في نظام المسيد أو الكتاب، أن الظروف الصعبة التي يتلقى فيها التلاميذ دروسهم، بسبب الفقر وقساوة طبيعة البادية وبعض المدن، وأيضاً الشدة الإيجابية التي يتمتع بها فقهاء الكتاتيب، ساهمت في تنشئة أجيال جادة، تلقت تربية حازمة وصارمة، ملتزمة بقيمها الإسلامية أولاً، والعربية الأمازيغية ثانياً، ومقدرة لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.

تطورت أنظمة التعليم بشكل ملحوظ، وبما أن المغرب يستنسخ كل ما هو فرنسي، فقد حول المدارس التي بنيت خصوصاً بعد الاستقلال إلى نسخة كربونية عن النموذج الفرنسي، سواء في طريقة التدريس أو المناهج المقررة، صحيح أنها تواكب هذا الزمن الذي سيطرت عليه التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، لكن هل استطاعت تأدية رسالتها كما يجب؟ .. أشك صراحة في ذلك.

في تصريح خطير جداً لوزير التربية الوطنية المغربي، قال أن التلاميذ رغم بلوغهم السنة الرابعة من التعليم الإبتدائي الأساسي، إلا أن نسبة ساحقة منهم لا يتقنون بعد القراءة والكتابة، و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على فشل عدة عناصر مكونة لمنظومة التعليم الحديث هذه، سواء مستوى المعلمين، أو اختلاف مفاهيم العصر الحالي عن سابقاتها قبل أربعين أو خمسين سنة، فلنقارن مثلاً بشكل بسيط بين فقيه المسيد (الكتاب) الذي كان يتلقى الدعم من ولي أمر التلميذ لمعاقبته إن هو أبدى كسلاً أو تهاوناً، في حين تجد اليوم أن مجرد انتقاد عنيف من المعلم للتلميذ قد يجلب عليه وبال الإدارة ووالد التلميذ، وربما التلميذ نفسه، فقد رأينا تكرر حالات تعرض المعلمين للتعنيف اللفظي والجسدي على يد الطلبة، في تعبير صارخ عن فقدان المدرسة بشكلها الحديث (الذي لم يحسن المسؤولون عن القطاع نقله بشكل جيد عن أوروبا) لأهم قيم التعليم: التربية.

مشكلة أخرى تواجهها المملكة المغربية، هي ارتفاع نسبة الأمية، خاصة بين النساء، والتي تقول بعض الإحصائيات أنها بلغت ما يقارب 45 في المئة، وهكذا كان الحل لمواجهتها ما يمكن اعتباره عودة لنظام الكتاتيب، لكن بطريقة حديثة مواكبة للعصر، حيث يتم تكوين مرشدات ومعلمات لتعليم النساء القرويات والأميات في المساجد، وفق برنامج للتعليم غير النظامي يحظى برعاية الدولة وتشجيعها وإشراف شخصي من عاهل البلاد الملك محمد السادس على انطلاقها، ويمكن اعتبار ذلك اعترافاً ضمنياً بفعالية نظام الكتاتيب في التعليم وخطأ بعض المقولات التي تقول أنه عتيق ولا يواكب تطور العصر الحديث.

على أية حال، أنا لا أدعو إلى التخلي عن المدرسة الحديثة والعودة بشكل كلي للنظام التعليمي القديم، لكنني أقصد بكلامي أن الاستنساخ الأعمى لنظم التعليم الأجنبية لن يجلب معه سوى المشاكل، فلا بد من الاعتراف بخصوصية المغرب كبلد عربي أمازيغي إسلامي لا يمكن بأي حال من الأحوال سلخه عن محيطه فقط لتحقيق التبعية المطلقة للغرب، إذ لابد من المزاوجة بين الأنظمة القديمة والحديثة، خصوصاً إذا ما كانت الأولى قد حققت ما عجزت عنه الثانية بشكل واضح: التربية الصالحة واحترام القيم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك