تخصصاتٌ أُخْطُبُوطِيَّةٌ مُثِيرة!

1 أغسطس , 2017

لا بُدَّ على الطالب المقبِلِ على التعليم الجامعيِّ أن يأخذَ وقتَه في اختيار التخصص، وألا يَلْجَأَ إلى التخصصات من أجل مظهر اجتماعيٍّ أو أنه سَيُدِرُّ عليه مالًا أكثر فحَسْب.

ومن خلال خبرتي في هذا المجال فإنه يجب أن يكون تخصصك الذي ستختاره يُشْعِرُك بالسعادة بحيث تتشجع على أن تكمل فيه حياتك وتَبْنِي عليه مستقبلًا كاملًا؛  فلو لم يكن كذلك فإنه هذا سيسبب لك مع الوقت المزيد من الضيق والضغط النفسي بالإضافة إلى نقص في المجال الإبداعي.

يمكنك الاطلاع على خواطر وتجربة د.عليا كيوان

 

قبل فترة التقَيتُ بصديقة ألمانية طبيبة، وكنتُ قد عَرَفْتُ إن ابنتها نجَحَتْ في التوجيهي، وبالتأكيد نجَحَتْ بعلامة فوقَ العلامة الكاملة، حيث يُقدِّم الطالبُ من أجل هذه الدرجة متطلباتٍ أكثرَ ونشاطاتٍ وامتحانات شفوية وأمور أخرى، فكان أول ما تبادر إلى ذهني أن أقول لها: “هذا يعني إنها ستصبح بلا شك طبيبة مميزة مثل أمِّها”.

ابتسمَتِ الأمُّ وقالت: “لا، هي لا تريد أن تصبح طبيبة؛ فهي لحد الآن لا تدري ماذا ستدرس؟”.

أصابني هذا الجواب بالذهول؛ فسألتُها: “هذا يعني إنها لم تقدم هذا الفصل للجامعات وقد أقفل التقديم؟”.

ابتسمت الأم وقالت: “بنتي آني فتاة غير عادية، تفاجِئني دائمًا بشخصيتها القوية؛ فهي خلال السنتين الماضيتين عَمِلَتْ بجِدٍّ جليسةً للأطفال، وفي توزيع الجرائد على الرغم من أنها ليست بحاجة للمال، ولكنها كانت توفر ذلك كلَّه، وحاليًّا ستعمل في مستودع للكتب مساعدةً، وبعدها ستنطلق لتجوب العالم باستخدام الدراجة والقطار! وقد وضَعَتْ خطةً محكمةً لهذه الرحلة باليوم، وستنتهي خلال سنتين، وعندها ستعود لتكمل دراستها الجامعية في تخصص ممتع تحبه، فرِحْلَتها في اكتشاف العالم ستوفر لها الكثير من المعلومات التي ربما تدلها على اختيار المساق الجامعي المناسب”.

أُصِبْتُ بالذهول حقًّا، وجعلني هذا الموضوع أفكر مليًّا في الضغوطات التي يتعرض لها الطالب لدينا باختيار تخصصه، وخصوصًا الضغوطات الاجتماعية أو المادية أو من أجل الآباء أو المشاكسة من الأقارب أو بسبب ظروف أخرى.

لكن من خلال عملي في تخصصي ومن خلال عدة مؤتمرات Career day كنتُ قد شاركْتُ فيها أو من خلال معارض الوظائف Job messe التي توجد بكثرة في ألمانيا فسأذكر لكم بعض التخصصات المهمة والحديثة التي تأخذ الآن محلًّا مُهِمًّا في قبول العمل.

 

 

أولًا: Bioinformatic and system biology

هذا التخصص يركز على استحداث واستعمال برامج حاسوب في دراسة البيولوجيا الخلوية الجزيئية وتطوير الأدوية والأجهزة المخبرية والطبية وتحليل البيانات العملاقة، وفيها تُبْنَى قاعدةٌ معلوماتية مهمة جدًّا في تفسير الأمراض المستعصية مثل السرطان والأمراض الوراثية وتطوير الأدوية بل دخل في برمجة وتطوير “الربوتات” المستخدمة في العمليات، وكذلك أجهزة الأشعة والذرات والرنين.

وَيُعَدُّ هذا التخصص من أهم التخصصات المطلوبة في الوقت الحالي؛ فلا توجد مستشفى أو مركز أبحاث أو شركة طبية صناعية أو تقنية إلا بحاجة طاقَمٍ من أصحاب هذا التخصص، ولأنه مطلوب جدًّا في سوق العمل مع وجود نقص في هذه الكوادر فإن عديدًا من الباحثين يُزَجُّ بهم لعمل دورات مكثفة حتى يتقنوا جزئيات من هذا العلم.

وبما أننا الآن نعيش انفجارًا التكنولوجيا الحديثة؛ فإن هناك العديد من التجارب اليدوية في عالم الأبحاث خصوصًا تم الاستبدال بها برامج حاسوبية.

وفي مقالة قد نشرتها مجلة Scinece العالمية بعنوان An Explosion Of Bioinformatics Careers تذكر فيها بشكل موسع عن أهمية هذه التخصصات في عمل الشركات الدوائية والطبية الكبرى مثل فايزر وأسترازينكا وروش وكذلك المعاهد البحثية، أنصحكم بقراءتها.

 

ثانيًا:  Molecular Medicine

قبل سنوات قليلة كان هذا التخصص من برامج الماجستير ويشترط على المتقدم أن يكون حاملًا لبكالوريوس Molecular Biology وتكون مؤهلاته العملية متركزة على الجانب الطبي البحت، ولأن دارس الأحياء الجزيئية قد يتفرع في تخصصه ربما لدراسة النباتات أو الأساس الخلوي التجريبي يختار العدد الأكبر من الطلاب التخصص في الجزء الطبي، وهو فعليًّا ما اتخذته خلال دراستي السابقة.

وقد أصبحت الحاجة لمثل هذا التخصص أصبَحَتْ مُلِحَّة وعدم كفاية الكوادر التي تتخرج بدراسات عليا، فكان لا بد من افتتاحه بوصفه تخصصَ بكالوريوس في كلية الطب في عدة جامعات ألمانية مثل غوتينغن وأولم ونورينبرغ وجامعات أخرى، وفيه يتخصص الطالب بالبيولوجيا الجزيئية المتركزة على الجانب الطبي، ومن خلالها يتم بناء تخصص الطالب في عمق الأساس البيولوجي الجزيئي الخلوي للأمراض، قد يتساءل بعض الناس، ولكن ما مجالات العمل لهذا التخصص؟

 

كما ذكرْتُ سابقًا في تخصص Bioinformatic and system biology فإن العمل في هذا التخصص ليس متركزًا على مراكز الأبحاث والمستشفيات الكبرى فقط، بل يتمدد على نحو مثير في كل الشركات الطبية التقنية وشركات الأدوية، حيث هناك طَلَبٌ كبير على حَمَلَةِ البكالوريوس من هذا التخصص

 

فبمجرد أن يضع حاملُ هذا التخصص قدَمَه في شركةٍ مثل ميرك؛ فإن المستقبل قد انفتح له على مصراعيه، ليس هذا فقط بل إن حَمَلَة هذا التخصص مجالاتهم تنتشر في عمل الكتابة الطبية Medical writers  وهي وظيقة مطلوبة جدًّا في عالَم شركات الأدوية، وهو عالم كبير، فيكون عملًا مهمًّا في كل مرحلة من بدايةً طَرْحِ الدواء للبحث، إلى الاختبارات السريرية Clinical research، إلى سلامة الأدوية Drug safety، إلى العمل في منظمات الأدوية العالمية والتحكيم فيها.

 

ومن مجالات هذا التخصص العمل في منظمات الْمِنَح المختصة بتحكيم طلبات البحوث المختصة بالمجال الطبي مثل منظمة DFG  الألمانية، ومنظمة اليونسكو وغيرها ممن تهتم بإعطاء منح لطلبة الدراسات العليا في مجال هذا التخصص، ولي زميل أنهى معي دراسة الدكتوراه، ويعمل حاليًّا محكَّمًا في منظمة الاتحاد الأوروبي، ويقوم بمراجعة المشاريع الطبية المقدمة من أجل طَلَب الدَّعْم، وتتبلور لديه بخبرته رؤية في مستقبل هذا المشروع وأهميته في تطوير الصحة العالمية، وكما أن مجال هذا التخصص يحتل المراكز الأهم في طواقم المجلات العلمية العالمية مثل Nature وغيرها مما لا يُعَدُّ ولا يحصى.

 

ببساطة ما ذكرتُه من تخصصات هي أخطبوطية على نحو مثير، وستجد لها ذراعًا فعالًا ومهمًّا في أي مكان يهتم بصحة البشرية، وتَذَكَّر أن العالم في تطور سريع؛ لذلك لم تَعُدِ الحاجة مُلِحَّةً للتخصصات التقليدية بل إلى تخصصات تخدم البشرية بطرق مطورة وذكية وسريعة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك