تعليم الفلسفة للأطفال.. نموذج ماثيو ليبمان والتجربة الفرنسية

12 أبريل , 2020

الفلسفة للأطفال

انتشر مفهوم الفلسفة للأطفال في أمريكاَ ثمَّ أوروبا منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث أسَّسه أوَّل مرة ماثيو ليبمان الفيلسوف والاختصاصي في علوم التربية، ويُقصد به جميع المُمارسات التعليمية التي تهدف إلى تطوير التفكير الإبداعي والنَّقدي لدى الأطفال من كلِّ الأعمار، وهذا عن طريق نقاشات ديمقراطية ومناهج تعليمية تعتمد على أسلوب الرواية.

انتقل هذا المفهوم لنطاقات أوسع حتى شمل العالم، وأصبح يشكِّل تيّارًا في حد ذاته، ونقطة تقاطع بين علوم التربية والفلسفة والبيداغوجيا.

عن أي فلسفة نتحدث؟

إن ما يُقصد بالفلسفة للأطفال ليس تلك النماذج الفلسفية التقليدية التي يتم تلقّيها في المؤسسات التعليمية الكلاسيكية، أي أن فلسفة الأطفال ليست استعراضًا للفلاسفة وفلسفاتهم، بل إنها تجربة إبداعية من نوع خاص، تنطلق من المفاهيم العادية التي يستعملها الأطفال للتعبير، ومن أفكارهم البسيطة التي يملكونها حول موضوعات الحياة، ثمَّ تحاول مساعدتهم على تطوير أساليب التفكير شيئًا فشيئًا إلى أن يصلوا إلى الهدف الذي هو إدراك طُرق الاستدلال والبرهنة والتفكير المنطقي، ثمَّ الإبداعي والنَّقدي.

إن الهدف إذن من هذه الفلسفة ليس هوَ تلقين الأطفال إجابات جاهزة، بل دفعهم إلى طرح الأسئلة، لأنها أهمُّ ما يمكنه أن يسمح لهم بتطوير آفاقهم في التفكير، وأهم حتى من الأجوبة التي تجعل تفكيرهم محدودًا بشكل كبير فيما يتلقّونه.

تتم العملية عن طريق تَوليد الأسئلة والمُناظرة، ومحاولة جعل الأطفال يستأنسون بالشَّخص الرَّاشد الذي وظيفته هي تسهيل المَهمة لكي يصبحوا أكثر انفتاحًا للتعبير عن كلِّ ما يجول بخاطرهم. وكلُّ هذا عن طريق التعرف على أفكار غيرهم من الأطفال، ومحاولة مُجابهة الأفكار فيما بينها لكي يصلوا للخلاصات والإجابات بأنفسهم.

نموذج ماثيو ليبمان على طريقة سُقراط:

 

كان ماثيو ليبمان أوّل من عمِل على تطوير التفكير المنطقي والعقلاني لدى الأطفال عن طريق استعمال رواية فلسفية مُوجهة للأطفال، مثل رواية Harry Stottlemeier’s Discovery  التي تُعتبر أوّل أشهر رواية فلسفية للأطفال، نُشرت سنة 1974 بالولايات المتحدة الأمريكية، وتستهدف الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 10 و 11 سنة، كما تهدف إلى تبسيط الاستدلال المنطقي للأطفال دون الابتعاد عن مُحيطهم اليومي البسيط من خلال شخصيات الرواية التي هي مجموعة أطفال تمارس فعل التفكير والاستدلال. 

إن نموذج ماثيو ليبمان يعتمد في الأساس على الطريقة السُّقراطية في تعليم الفلسفة، لأنه من المعلوم أن هذا الفيلسوف اليوناني القديم كان يقوم بتعليم الفلسفة للعامة من الناس عن طريق طرح الأسئلة، أو ما يُسمى توليد الأسئلة، وعبر العديد من الأسئلة كان يتمكّن من نقل المعرفة الفلسفية، حيث إن كلّ سؤال هو بداية لسؤال آخر، وعلى هذا الأساس قام ماثيو ليبمان بتطبيق النموذج السقراطي أثناء تطويره لعملية تدريس الفلسفة للأطفال.

يبدو إذن أنه رغم كون الفلسفة للأطفال لا تتعلق بتدريس أسماء الفلاسفة وفلسفاتهم، إلاّ أن ماثيو ليبمان قامَ بتخصيص روايته الأولى للمنطق الأرسطي ولكن على الطريقة السّقراطية!

النّقاشات الديمقراطية

تتمُّ المناقشات مع الأطفال في جوّ ديمقراطية يسمح للجميع بالتعبير عن آرائه وأفكاره كيفما كانت، ودون قيود.

يقوم الأطفال بإدارة النقاشات وحدهم، حيث تتشكّل كلّ حلَقة نقاش من:

رئيس الحلَقة: وظيفته تقتصر على ضمان سيرورة النقاش وفقَ القواعد التي تسمح لكلّ عضو بالتعبير مع احترام الآخر وعدم مقاطعته، ولا يتدخل في النقاشات ومُحتواها.

منشّط الحلقة: يتدخل لأجل التذكير بقواعد النقاش إذا استدعت الضرورة ذلك. كما أنه يحاول تنشيط النقاش وإدارته عن طريق لفت الانتباه للأسئلة الأكثر أهمية للتفكير فيها، وصرف الانتباه عن تلك التي قد لا تؤدي لأية فكرة مفيدة.

المسؤول عن إعادة الصياغة: دوره الأساسي هو التفكير فيما تمَّ عرضه من طرف كلّ مشارك، وتفسير العلاقة بين الأفكار التي قد تتشتت في لحظات كثيرة. كما أنه يشرح تكامُل الأفكار المطروحة فيما بينها أو تناقضاتها.

المسؤول عن التركيب: يقوم بمراقبة النقاشات من الخارج، دون أن يتدخل في الحوار. ووظيفته الأساسية نقل ما يُقال خلال الحوار حسب الترتيب الزمني.

هذه الأدوار تُوزّع بطريقة تسمح بتبادل الأدوار أحيانًا نظرًا لتعقيدها. كما أن النقاشات تكون مراقبة من طرف مختصِّين يقومون بتقديم خلاصاتهم في النهاية.

 

النموذج الفرنسي لتدريس الفلسفة للأطفال:

بدأ التفكير فعلًا في تدريس الفلسفة للأطفال في فرنسا منذ نهاية السّتينيات، حيث اهتمّ المختصون في علوم التربية والتعليم بمسألة تدريس هذه المادة للأطفال والتلاميذ قبل المرحلة الثانوية لعدّة أسباب تعود أهمّها إلى:

كون سياسة التعليم الفرنسية قبل ذلك الوقت قد بدأت تضع الطّفل في محور اهتماماتها، وبالتالي كانت الفلسفة ردّ فعل تلقائيًّا جعل المهتمين يفهمون بأن الطريق نحو فهم الطفل وضروراته ونظرته للعالم والأشياء من حوله لن تتمّ خارج نطاق الفلسفة.

لأنها قبل أن تكون كُتبًا فكرية وفلسفات معقّدة، هي فنّ طرح الأسئلة وتمرين الدماغ على التفكير قبل كلّ شيء.

دعم من اليونسكو“:

اتبعت بعض دول العالم الأخرى نفس الفكرة منذ الثمانينيات، غير أن فرنسا لم تخطُ خطواتها العَملية الأولى في طريق تطبيق الفكرة إلا في نهاية التسعينيات.

كان الأفراد الذين قادوا هذه المبادرة في البداية مُدرّسين تخرجوا من تخصص الفلسفة (مثل: آن لالان، باسكال سونزونيه أو جون شارل بيتييه) برفقة بعض أساتذة معهد تكوين المعلّمين (مثل: مارك بيلول، إيمانويل أورياك بيرونيه)، والذين حاولوا بعد اكتشافهم لنموذج ماثيو ليبمان“، أن يخصّصوا دورات تكوينية مستمرة للمعلّمين في مادة الفلسفة.

ثم بدأ الاهتمام يتزايد حتى وصل لبعض الحركات التربوية الفرنسية وأصبح الموضوع يُعتمد كفكرة أساسية في أبحاث الدكتوراه، ثم انطلق بعض النّاشطين في تطبيق الفكرة على أرض الواقع.

في الوقت الحالي تُعتبر هذه الفكرة منتشرة بما يكفي في أوساط المهتمّين ومطبّقة في العديد من المدارس الابتدائية أو رياض الأطفال التي تخصص ورشات للفلسفة مع الأطفال.

قامت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بدعم هذه الشبكة من المهتمين سنة 2006 بما أن الاجتماع السنوي كان يدور حول موضوع اليوم العالمي للفلسفة. حيث أكدّت المنظمة أن مسألة تدريس الفلسفة للأطفال تعتبر إحدى أبرز أولوياتها الحالية.

ميزة التجربة الفرنسية

عكس الطريقة المتبعة في تدريس الفلسفة للأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية، تتميز التجربة الفرنسية باختلاف النماذج المُعتمدة.

– هناك نموذج ماثيو ليبمان الذي يتطلب قراءة مقاطع من روايات فلسفية مخصصة للأطفال في مجموعات، ثم السماح لهم بطرح الأسئلة والتركيز على سؤال واحد للمناقشة معهم، فلا يتدخل المؤطّر إلاّ لإعادة طرح النقاش أو السّهر على البقاء في نفس الموضوع.

– النموذج الثاني المعتمد في فرنسا هو نموذج جوزيف ليفين الذي يترك للأطفال وقتًا كافيًا للنقاش فيما بينهم ثم يتدخل المؤطّر في النهاية للعودة إلى أفكار كلّ طفل على حدة.

– النموذج الثالث هو نموذج ميشيل توزي الذي يتطلب اختيار موضوع وترك فرصة التعبير للأطفال، ثم التحكم في النقاش بطريقة جزئية فقط. وهنا يتم التركيز على 3 قُدرات يجب تنميتها لدى الأطفال:

1- القدرة على إنتاج المفاهيم.

2- القدرة على وضع الإشكاليات.

3- القدرة على البرهنة والإقناع.

 

– وأخيرًا يُستعمل نموذج أوسكار برينيفر المُستلهم من طريقة الفيلسوف اليوناني القديم سقراط، والذي يؤكد على التدخل الكامل للمؤطّر في النقاش حتى يتمكن من جعل الطفل قادرًا على تحديد أفكاره بدقّة كبيرة.

 

 

الفلسفة منذ سنّ الرابعة حسب ماثيو ليبمان

التجربة الفرنسية تعتمد على هذه النماذج المختلفة منذ سنوات، وتحاول تطبيقها في بعض المدارس ورياض الأطفال منذ سنّ الرابعة. لكن أليس هذا مبكّرًا جدًا؟

يؤكد ماثيو ليبمان على أن الفلسفة هي تعلّم التفكير بشكل جيد، ولهذا يُعتقد بأن العُمر المبكر (4 سنوات) مهمّ جدًا لترسيخ هذا الأسلوب في التفكير.

خلال ورشات الفلسفة التي تُقام بشكل أسبوعي، يتمكن الأطفال من التعبير عن كلّ ما يدور بأذهانهم دون رقابة، وهذا يجعلهم يطرحون أفكارًا وجد الباحثون أن معظمها مصدره الأفكار المسبقة التي يتلقّونها من المجتمع.

ولهذا من الخطير دومًا أن يكبر الطفل مع هذه الأفكار المسبقة التي تكون خاطئة في معظم الأحوال.

مصدران أساسيان لأدب الأطفال الفلسفي

 

نتائج التجربة

بما أنه يتم تدريس هذه الفلسفة خارج البيت فإن أول مكان يمكن أن يخطر ببالنا أن نبحث فيه عن نتائج هذه التجربة هو البيت نفسه.

يُؤكد الوالدين في هذه الحالة على التغير الذي يحدث مع أطفالهم على عدَّة مستويات. عندما يتم طرح أسئلة عليهم فإن طريقتهم في الإجابة تتغير بدرجة كبيرة عن السابق. كما أن تلقِّيهم للأمور الجاهزة يصبح محدودًا للغاية.

وهكذا يصبح بإمكان الطفل أن يسأل والديه بطريقة مختلفة عن السبب الذي يجعلهما يمنعانه من اللعب مع أصدقائه طيلة الوقت، أو عن سبب جعله يرتدي ملابس شتاء لا يحبّها، وفي بعض الأحيان يبدأ الطفل في مناقشة مواضيع الساعة التي تعرضها شاشة الأخبار!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك