تفكر مع أنوس …حين تكون المنهاج سبيلاً لصناعة الإنسان

30 أغسطس , 2015

كثيراً ما نتحدث عن إصلاح المناهج كسبيل لتطوير التعليم في عالمنا العربي، فهو الدعامة الأساسية التي يقوم عليها النظام التربوي بل يعد أهم الوسائل فعالية في صناعة أفراد هذا المجتمع، لأنه بالنهاية يمثل مجموعة القيم  المكتسبة التي سيتعامل بها الأفراد فيما بينهم، ولكن وللأسف نجد أن كثيراً من تجارب تطوير المناهج  لا تتعدى التطوير الشكلي وربما نجد أن المنهج الجديد المقدم هو أكثر هشاشة من حيث المعارف والقيم المقدمة من سابقه، فعلى سبيل المثال شهدت الجزائر تغييرات جذرية في نظامها التربوي ومن ضمنها تغييرات في المناهج المدرسة سنة 2003، نحو نظام تعليمي يعتمد على المقاربة بالكفاءات كوسيلة أساسية للتعلم، أين يكون المعلم موجهاً فقط وليجد التلميذ نفسه في مواجهة مباشرة مع المنهج، وبالنظر إلى هذا المنهج المقدم نجد أنه لا يختلف عن المنهج السابق سوى في بعض الشكليات كالتسميات المطلقة على المواد و استحداث مواد جديدة يجدها كثير من المعلمين  ليست سوى وسيلة لخلق لتعقيدات جديدة و “كلاكيع”  تزيد من عقد الطلاب الدراسية.

لذا لطالما شغلني البحث عن تجارب لمناهج تمتلك القدرة على صناعة الفكر وليست مجرد معارف “تصب” في عقل الطالب “لتكب” على ورقة الامتحان، إلى أن وجدت ضالتي – على سبيل الصدفة من خلال سلسلة محاضرات “[email protected]” –  في  منهاج “تفكر مع أنوس” للأستاذة مها شحادة – الأردن –  وهي باحثة في مجال بناء شخصية الطفل، ويرتكز بحثها في الجمع بين اتجاهيْ: الأصالة والمعاصرة، الأول: في بناء الإيمان من خلال التفكر وبناء القيم الإسلامية، والثاني: في تنمية الإبداع والتفكير والذكاء وتقدير الذات.

حيث أن هذا المنهاج أخذ من حياة  الأستاذة مها 16 سنة كاملة من البحث والتطوير،  ليكون قادراً على بناء شخصية إبداعية أخلاقية قادرة على أداء دورها في صناعة حضارة أمتها، حيث أن فلسفة البرنامج تنطلق من الحاجة لوجود منهجية متراكمة –عدة مستويات بشكل متسلسل-، متكاملة، متسلسلة، شمولية، ويتم العمل على عدة مجالات في الشخصية في نفس الوقت (روحية، نفسية، عقلية، سلوكية) وذلك بالجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ بمعنى: الهوية، الإيمان، القيم الإسلامية، ومن جهة أخرى الاستفادة من علوم العصر لصناعة إنسان فعال قادر على مواجهة مختلف التحديات.

فقد ركزت الأستاذة مها في منهاجها على بناء طفل قادر على إعمال عقله والتفكر في نفسه وفي الكون وجميع المحسوسات من حوله كسبيل للاستدلال على وجود الله تعالى وتنمية مشاعر الحب والخشية وبالتالي التأثير على السلوك الأخلاقي للطفل وغرس المعنى الحقيقي للعبادة وبالتالي بناء دوافع السلوك وهو ما يضمن استمرارية هذا السلوك وتجذره في نفسية الطفل، وتنمية الإبداع وتقدير الذات.

وقد نجحت الأستاذة مها في تبسيط كل هذه المعاني و المعارف من خلال شخصية “أنوس” كرمز “للإنسان الصغير” وبالتالي يجد الطفل أمامه قدوة تشبهه فهي صغيرة مثله، وبالتالي يسعى إلى محاكاتها في تفكيره، سلوكه، شعوره، أي بالاعتماد على إستراتيجية المحاكاة والنمذجة من أقوى استراتيجيات التعلم الاجتماعي.

وقد لاقى هذا المنهاج قبولاً واسعاً حيث نجد أنه يطبق بشكل جزئي في كل من بلاد الشام، الخليج العربي، مصر، ليبيا، الجزائر، أمريكا، كندا، اليونان وذلك ببعض المدارس العمومية و بنسبة أعلى في المدارس  الخاصة.

ويأتي هذا المنهاج على 3 مستويات تغطي مرحلة الطفولة المبكرة ويتم تطوير مرحلة ما قبل الدراسة أو ما يعرف بالحضانة  من خلال برنامج “أنا مكتشف” ولكن هذا المستوى لم يكتمل بعد نظرا للتركيز على إتمام و تطوير كامل المستويات الأخرى المتقدمة .

و إننا حين ننظر إلى تجربة منهاج تفكر مع أنوس نجد أنها تجربة فريدة في وطننا العربي كمحاولة لبناء الإنسان المفكر نتمنى أن تعمم لتشمل جميع أوطاننا العربية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك