جلسات الفلسفة الدائرية

31 مارس , 2017

لطالما كان يسيطر على تفكيري سر جلسة الكراسي الدائرية الصباحية في الروضة بعد وجبة الإفطار. وكيف تجلس المربيات مع الأطفال على نفس الكراسي الصغيرة ليكون الجميع في مستوى واحد، يستمعون بإنصات إلى كل طفل.

سر الجلسة المستديرة

كنت أتساءل مع نفسي:

عمّ يتحدثون يا ترى كل يوم؟ هل هو اجتماع لترديد نشيد معين أو إملاء قوانين أو أفكار ما؟ أو غير ذلك من الأمور التي كنت أسمعها من هنا وهناك؟

كنت أسأل أطفالي: هل تتحدثون في موضوع معين؟

يجيبون: نتحدث في كل شيء! استغرب الجواب، وأعاود السؤال: كل شيء مثلِ ماذا؟

يرد أحد أبنائي: عن السماء والأرض والشجر والفضاء وعن الإنسان وعن الصحة وعن قصص كثيرة!

ومع ذلك كان الجواب مبهمًا لي!

سألت إحدى المربيات القديرات يومًا عن سر هذه الجلسة الدائرية الصباحية، فابتسمت وقالت لي: هي إحدى طرق فلسفة التعلم! ربما جوابها زاد من إبهام الموضوع في رأسي وقلت في نفسي: يجلسون ليتفلسفوا! وما دخل هؤلاء الأطفال في الفلسفة؟

بعد عدة سنوات والخبرة مع ثلاثة أطفال اكتشفت أن أساس التعليم في روضات خالية من المناهج أو الكتب هي الفلسفة!

فالعالم بأسره بما يحويه هو منهاج الطفل المفتوح للتعلم، فيه يشعر الطفل بالحرية المطلقة بالتعبير عن نفسه وكيانه، وإعطاء رأيه والدفاع عنه أحيانًا بما لديه من دلائل.

 قد يتساءل البعض الآن وكيف سيدخل هذا الطفل المدرسة وهو لا يعرف القراءة والكتابة؟

ولكن بعد كل هذه الخبرة أنا سأسألكم: إذا كان الطفل سيدخل المدرسة بمهارات القراءة والكتابة فما هو دور المدرسة إذن؟ ما هو دور معلمة الصف الأول؟ هل يجب أن يأتيها الطفل آلة ناطقة وكاتبة؟

التعرف على الفيل

قالت لي المربية كريستينا وهي مربية في روضة الجامعة، كانت مربية ابني الأول والثاني وابنتي حاليًا، (علمًا بأن ابني الأول هو في الصف السابع): إن طريقتنا الفلسفية في تعليم الأطفال تمهد لهم الطريق لثقافة ديمقراطية نابضة في الحياة.

فجلسة الكراسي الصباحية مثلًا والتي نتبعها منذ عشرات السنين نترك فيها الأطفال يتحدثون ويعبرون عن أنفسهم وأحيانًا يقترحون حلولاً لمشاكلهم الصغيرة، فإذا كان لدينا في الجلسة عشرة أطفال، فكل طفل على الأقل سيكتسب عشر خبرات يوميًا.

 تسترسل كريستينا فعلى سبيل المثال: إن أخطأ توماس في حق صديق له وقام بالتعدي عليه وهذا تصرف طبيعي بين الأطفال، فعليه أن يفكر في فعلته ويطرح تساؤلات، ونحن والأطفال نجيب حتى يصل إلى نقطة إدراك أن ما فعله خطأ وعليه الاعتذار، بالتالي نحن لا نلقن الطفل آلية الاعتذار بل يستنتجها بنفسه ويكون مقتنعًا بها، وذلك بالإضافة لمهارات أخرى يكتسبها من خلال ثقته بالتعبير عن المشكلة وأسبابها وكيفية الحوار لهدف، وحرية الرأي واحترام الرأي الآخر، وكذلك التعامل مع الآخرين.

وتذكر كريستينا مثالًا عمليًا آخر في الفلسفة التعليمية للأطفال:

قد يأتي طفل ويحكي لنا أنه سعيد جدًا  لأنه رأى الفيل في حديقة الحيوانات، ربما لأي شخص عادي سيقول له ببساطة: جميل، ولكن لن تصدقي أن الأطفال سيتعلمون الكثير عن الفيل بأسئلة مفتوحة للطفل الذي شاهد الفيل:

هل كان الفيل كبيرًا؟

ماذا كان يفعل الفيل حينها؟

ماذا يأكل الفيل؟

هل للفيل أطفال؟

من أين يأتي أطفال الفيل؟ هل يبيض مثل الديناصورات قديمًا؟

لماذا الديناصورات ليست موجودة؟  وهل الفيل ديناصور لأنه أضخم الحيوانات؟

هل يطير الفيل؟

لماذا لا؟ قديمًا كانت بعض الديناصورات تطير؟

لماذا لا نستطيع أن نربي الفيل في البيت مثل القطة والكلب؟

وتردف كريستينا : “وهكذا من الأسئلة  العامة التي تفتح آفاقًا من المعرفة المفتوحة باستخدام خيال الأطفال الواسع، ومن وظيفتنا نحن كمربيات أن نجيب عن هذه الأسئلة إذا لم يستطع الأطفال أنفسهم الإجابة عنها، وأحيانًا نستعين بالموسوعات وعندها نعلم الأطفال أن المعرفة بحاجة إلى البحث عنها في مصادر أخرى، وربما بسبب سؤال ما نأخذهم في رحلة حتى يتعرفوا على الجواب”.

مكعب الأسئلة

وسألت كريستينا مجددًا: ولكن إن لم يكن هناك موضوع ما في حديث الأطفال، كيف توجهون حديثهم بطريقة تثري عقولهم؟

أجابتني: لدينا أيضًا مكعب الأسئلة، هل تعرفين مكعب النرد؟

صممنا واحدًا عليه أدوات الأسئلة من كافة جوانبه: لماذا، كيف، متى، أين، من أين، ما هو؟ 

فمثلًا نحن المربيات نختار موضوعًا وليكن “ الشجرة ”، يدور المكعب بالدور على الأطفال، فيرميه طفل ويتوقف المكعب على: لماذا؟ هنا للطفل حرية اختيار سؤال يبدأ بلماذا كأن يقول مثلًا: لماذا أوراق الشجرة خضراء؟ لماذا لا تكون وردية أو زرقاء؟

قد يجيبه طفل على سؤاله فإن اقتنع بالإجابة سيكون دور صاحب الإجابة الصحيحة في رمي المكعب واختيار سؤال يخص الشجر، ولكِ أن تشاهدي روعة حديث وخيال الأطفال.

هنا أدركت حجم المعلومات المعرفية التي حملها أطفالي في عمر الروضة بدون كتب ومناهج، وبدون أن أجلس وألقنهم جوابًا واحدًا أو مساعدتهم في حل مسألة ما.

الفلسفة فن التعلم

كم كان يفاجئني معرفتهم بأسماء الطيور التي تشبه العصفور والتي بالنسبة لي كلها عصفور! لكن بالنسبة لهم لها أسماء وأماكن، وكذلك أشجار الغابات يعرفونها بالإسم من شكل الأوراق وأحيانًا من الرائحة،  وحتى الفطريات التي تنمو تحتها يستطيعون التمييز بين السام وغيره، وكل ذلك من خلال أحاديث الصباح المستديرة أو من خلال مجريات اليوم العادي من قراءة قصة أو الذهاب في رحلة مشي ليست لاستعراض وجبات الإفطار بين الأطفال وعمل مشاركة.

بل الرحلة هي استكشافية معرفية حيث ينطلق خيال الأطفال بلا حدود ويعودون وفي حقائبهم ذكريات أو كنوز كما يسمونها، والتي هي عبارة عن أعواد خشبية لأشجار وحجارة ذات أشكال مختلفة أو ريش أو مخاريط صنوبر وغيرها، والتي تحمل كل منها قصة جعلت الطفل يتفكر ويصمم على اقتنائها.

الحديث عن النشاطات التي تقوم بها الروضات في ألمانيا مع الأطفال قبيل المدرسة وبنظرة فلسفية يطول ويطول، وربما ما يلخص رؤيتي  في هذا السياق عندما سأل الكاتب الفرنسي ميشيل دو مونتين منذ أكثر من 400 سنة:

«بما أن الفلسفة هي الفن الذي يعلمنا كيف نعيش، وحيث إن الاطفال يحتاجون لتعلمها بقدر ما نحتاج نحن في أي عمر، لماذا لا نعلمهم إياها؟»



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

Wann Ksaebi منذ 7 شهور

معلومات قيمة

    Shereen abdo منذ 7 شهور

    يجدر بعروبتنا واسلاميتنا ان تفتخر بمثل هذه الفلسفة في التعلم والتامل في الكون لانه جزء من ثقافتنا لما ورد من آيات تدعونا له ولكن طبقها غير المسلمين ومازلنا في ثباتنا .اذا فاتنا الكثير والكثير ونظل نهدم ادمغة اطفالنا في تعليم لا يسمن ولا يغني من جوع ، متي سياتي اليوم الذي نفتخر فيه بتقدمنا في شتي جوانب الحياه الاسلام يستحق ان يكون له شأن عظيم.

أضف تعليقك