خمس تحدّيات رئيسية علينا تجاوزها لصناعة ربيع تعليمي عربيّ!

24 أغسطس , 2014

تتعدد المشاكل التي نعاني منها في نظمنا ومؤسساتنا التعليمية العربية، ويبدو للناظر للوهلة الأولى أنّه أمام واقع متشابك صعب الفهم قبل أن يكون صعبَ الحلّ.
في هذه المقالة أحاول تلمّس طريق ثورة تعليمية ممكنة في وطننا العربي، وربيع تعليمي تدريجي يكون مكمّلا مهمّا للربيع السياسي الذي عشناه مؤخرا (ومؤثّرا ومتأثرا به بطبيعة الحال). ولكي نصل إلى هذا الربيع فلا بدّ برأيي من أن نتغلّب (ولو جزئيّا) على خمس مشاكل رئيسية ليست سهلةً، ولكنها مرتبطة ببعضها، نعاني منها في جميع بلداننا العربية تقريبا. ولستُ هنا في معرض الحديث عن حلول للمشاكل في هذا المقال كي لا يطول أكثر، بيدَ أنّني قد أرجع في مقال آخر مخصّص لذلك.

1- نقص وعي الطلبة بشكل عام بحقوقهم وبمدى رحابة أفق مجال التعليم:
لا يمكن أن نصل إلى ربيع تعليمي حقيقي بدون أن يدرك عدد كبير وكافٍ من الطلبة قوّتهم الحقيقية (من خلال معرفة حقوقهم)، ويؤمنوا بها، ويستخدموها إذا لزم الأمر! هذا أمر مفروغ منه من وجهة نظري!
فالطلبة هم الركيزة الراسخة الأضمن من بين جميع أركان العملية التعليمية، وهم أصل ومنتهى العملية ككل، فمن البداهة إذا القول بأنّ وعيا إيجابيا ينتشر بينهم سيؤدّي بالضرورة إلى دفاع أفضل عن جودة التعليم وقوّته وتطويره. ومن المؤسف أن نرى الحالَ التي نحن عليها كطلبة، حيث يرنو المعظم للانتهاء من سنوات دراسته بدون أن “يورّط نفسه في أي مشاكل” على حد تعبيرهم! (وهنا المشاكل تعني أن تدافع عن حقك كطالب في كثير من الأحيان)، ولا شكّ أن هناك تضييقا ممارَسا على الناشطين في القضايا الطلابية، لكنه ليس مبرّرا للخنوع.
كما أنّ الأفق الواسع لمجال التعليم وتأثيره ارتباطاته الكثيرة مع مجالات الحياة الأخرى ما زال غائبا عن تصوّراتنا كطلّاب ونحتاج إلى إعادة التفكير به جيدا.

2-   نظام القولبة وقتل الإبداع والعلامات كمعيار نجاح أوحد (ومن نتائجه الرئيسية تناقض قطاع التعليم مع الحياة العمليّة وعدم تحضيره الطلبة بشكل جيد لسوق العمل)!

وهي ربما من أكثر المشاكل تجذّرا وتأثيرا، فنظامنا التعليمي السّائد عفا عليه الزمان، وبات من السيء جدا أن نستمرّ على نفس هذا النهج رغم التطورات التي زَخَر بها عالمنا في العقود القليلة الماضية خاصّةً، من سهولة الوصول إلى المعلومة، وتعدد طرق التواصل والتعلّم وغيرها.

القولبة! هي القيمة الأكثر تجلّيا في هذا النظام، فهو يمتاز بالسعي نحو التماثل لا مراعاة التنوّع، والطاعة للتعليمات لا الإبداع بالخروج عن المألوف. ويقول الخبير التعليمي كين روبنسون أنّ المشكلة العالمية فيما يخصّ التعليم لا تتعلق بقلة الإنفاق (في الدول الكبرى)، فهم ينفقون الكثير على التعليم، وهناك المئات من المبادرات النّشطة في هذا المجال، لكن المشكلة الرئيسية تكمن في أنّ كل هذه الجهود تُبذَل وتصبّ في الاتجاه الخاطئ. ويدلّل على ذلك بأنّ تعليمنا يهدم المواهب المتنوعة ويطمس المهارات المختلفة في سبيل تطوير المثال القالب الأفضل الواحد، وامتحان الطلبة في مدى مطابقتهم له، وهذا يناقض الفكرة الأساسية بأنّنا كبشرٍ متنوّعون ومختلفون. النظام بطبيعة تكوينه يعتمد على التعامل مع الطلبة كجموع لا كأفراد، فيدرس الطلبة في نفس المكان والزمان والسرعة! فمن الطبيعي أن يسعى لإنتاج نسخ مكرّرة! ومن الطبيعي أن يتمّ قتل الكثير من الإبداع الفردي الذي لا يتناسب مع عملية إنتاج الأفراخ هذه التي لا ترحم.
حين يكون التعليم أشبه بصناعة مادّية من أن تكون إنسانية، فهذا ما سيحدث!

كذلك نظام التقييم وتقديس مفهوم العلامات (وهو أحد تمظهرات القولبة) لا يعير أيّ أهمية للفروقات الفردية، والنتيجة الرّقمية لأيّ واحد منّا في هذا النظام تحكم حياته تقريبا ونظرة الناس له وأحيانا نظرته هو نفسه للعالم. فيصبح تعاملنا مع التعليم كعبء وواجب ووسيلة مادية لا أكثر، وتُهَمّش النية الحقيقية الصافية لطلب العلم.

القولبة ومعيار “العلامات الأكاديمية” الذي ننتهجه لا يحصر النجاح والإبداع بمفهوم واحد ضيق جدا ويقتل مساحات التعبير الأخرى فحسب، بل إنّه لا يحضّر الطلبة بشكل كافٍ للحياة وسوق العمل (وهي مشكلة عالمية لا محلية فقط).
وأستعير للدلالة على ذلك تجربةَ العالم النفسي لويس تيرمان، وهو الذي جمع ما يقارب 1000 طالب من الأفضل أداءً أكاديميا في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد عمليات طويلة من الامتحانات والتقييم وقياس الذكاء (وأسماهم ال Termites)، ثم تتبّع حياة كل واحد منهم، ليجد أن الكثيرين منهم عاشوا حياةً عادية ولم يلقوا نجاحا، بينما وصل بعضهم إلى درجة الفشل في حياته العملية! فاكتشف أن معيار العلامات الأكاديمية (وحتى امتحانات الذكاء) خادعٌ ولا يعني أيّ شيء لما بعد المرحلة الأكاديمية.
الTermites  لم ينجحوا لأن النظام التعليمي لم يهيّئهم جيدا للحياة العملية، ولأن التقييم الأكاديمي ليس كل شيء، مع الأخذ بعين الاعتبار طبعا فكرة عدم وجود تكافؤ الفرص في الحياة العامّة وهو ما سيؤثر أيضا على الجميع مهما امتلكوا من قدرات كبيرة (وهو أمر سأفصّله في النقطة التالية).

ما أدعو إليه ليس التخلص من التقييم الرقمي والعلامات نهائيا، ولكن إعادة النظر مثلا في كيفية التقييم وجدواه الحقيقية.
الخلاصة أنّ التعليم ليس عملية إيصال معلومة وتقييم بامتحان فقط، بل توجيه وتحفيز ومراعاة للفردية، بحيث تجعل الطلبة ينخرطون بانسجام في هذه المسيرة ويخرجون أفضل ما عندهم كبشر لهم أخطاؤهم وخصوصياتهم، وليس مصنعا له تعاليم تقليدية لا تتغير.

وهنا يحضرني قول العالم الكبير ألبرت آينشتاين: “جميع الناس عباقرة. ولكن إذا حكمتَ على السمكة بقدرتها على تسلّق شجرة! فستمضي هذه السمكة عمرها وهي تظنّ أنها غبيّة!”

3- تغوّل الاقتصادي والسياسي على التعليمي (ومن نتائجه الرئيسية عدم تكافؤ الفرص)!

الحسابات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية هي من تحكم من ينال تعليما مميزا ومن ينال تعليما عاديّا ومن لا ينال تعليما من أصله! إنه واقع محزن! فقد تجد العديد من العقول النيّرة التي لا تحصل على فرصة لإثبات قدراتها نتيجة أنّه وُلِد في عائلة فقيرة وسياسات الحكومات التي صيّرت قطاع التعليم إلى صناعة وتجارة لا تناسبه، أو لأنه لم يتمتّع بالحرية الكاملة للتعبير عن نفسه والإبداع في مجاله، أو في بعض البلدان يحكم عمل أو مكان ولادة أبيك على ماهيّة مقعدك في الجامعة!
تخيّلوا أن تفرّق بين الطلبة على أساس عمل آبائهم أو حتى أماكن ولادتهم!!

طبعا غياب تكافؤ الفرص غير منحصر في القطاع التعليمي، فهو يمتدّ لجميع قطاعات الحياة في البلدان العربية، وهنا أيضا نجد من تجربة لويس تيرمان دليلا واضحا على أن التفوق الأكاديمي ليس له علاقةً تقريبا بالتفوق الحياتي أو العملي، بسبب خلل في النظام التعليمي ولعدم وجود تكافؤ فرص من أي نوع في الحياة العملية بشكل عام. لكن على كل حال، مزيد من التكافؤ وإتاحة الفرص للجميع ليتعلّموا التعليم الذي يستحقّون (وهذا الأمر مرتبط طبعا بتحسين نوعية التعليم ككل)، سيحسّن من الوضع كثيرا، ويؤثّر إيجابا على الحياة بشكل عام وتكافؤ فرصها، وسيجعلنا نخرّج أكبر عدد ممكن من الخريجين ذوي الكفاءة دون ظلم وتجيير سياسي واقتصادي للتعليم.

4- تحوّل الانخراط في النظام التعليمي الحالي إلى واجب مادّي وبريستيج اجتماعي أكثر من كونه طلبا لذات العلم.

لقد أصبح التعليم (بمعنى الانخراط في النظام التعليمي الأكاديمي الحالي من مدارس وجامعات) شبه واجب مادي في المجتمع، ويَنقص من “برستيجك” ومكانتك الكثير إن لم تكن خرّيج هذه المؤسسات أو لم تربّي أبناءك على ذلك! .. وأتساءل: ألا يوجد أي خيارات أخرى قد نخلقها وربما تكون أفضل!؟ ماذا عن العمل اليدوي والمهني؟ ماذا عن القطاعات التي لا يمكن دراستها أو العمل بها إلا عمليا؟ ماذا عن التعليم البيتي (Home Schooling) الذي انتشر في بعض دول العالم وحقق رواجا جيدا؟ (وهو ما زال تجربة جديدة تحتاج لإعطائها فرصة والعمل لتطويرها). كل هذه معرفة وأساليب مهمّشة في سبيل التقليدي.
الفكرة أننا ما زلنا حبيسي معتقد أن علينا أن ننخرط في هذا النظام التعليمي المتهالك، وأن يصرف معظمنا جهده في أمل التأقلم مع الحياة والتخصص الذي لا يريد، في سبيل تأمين حياة مادية جيدة وسوق عمل (أحيانا وهمي) ورضا مجتمع محيط.

طبعا لن أتعامى وأقول بأن هذا حدث مصادفة، بل لذلك سبب وهو ما حدث من إعلاء لأهمية الشهادة الأكاديمية في تحصيلك المادي (ومكانتك الاجتماعية)، خاصة بعد الثورة الصناعية في القرن العشرين، والحاجة لأيادٍ عاملة متعلّمة لتسيير الإنتاج والصناعة، لكن ما أطمح إليه هو إعادة النظر في هذا الأمر.
على الانخراط في التعليم أن يكون أكثر حرّية في الاختيار، وعلينا أن نحوي المزيد من الاهتمامات والمعارف المهمّشة حاليا، أو أن نوجد مزيدا من البدائل التي تحمي فرص وحقوق من لا يتأقلمون مع مثل هذا النظام. نحن نسير في طريق واحد كالعميان، ويكأننا خُلقنا له! ولا نعرف أن بإمكاننا خلق طريق بديل .. ألا يثير الانتباه أنّ كثيرا من المبدعين والعظماء لم ينخرطوا أصلا في النظام التعليمي؟ أو كانوا فاشلين جدا فيه؟!

5- العدد القليل من أعضاء الهيئات التدريسية والإدارية في القطاع التعليمي ممن يتجاوزون النظرة التقليدية للأمور ويقفون مع التغيير.

هذا أيضا أمر يقف عائقا صلبا، لأن نظمنا التعليمية أصبحت مقيِّدة ومقيَّدة بحيث بات من الصعوبة بمكان التغيير فيها دون دعم من المشرفين والمتحكمين بها أساسا. وللأسف، الدخول في هذا السلك والترقّي التدريجي البطيء فيه يزيد احتمالية أن ينطبع الإنسان بطبعه، بحيث تورثه فترة عمله الطويلة والروتينية ميلا للدفاع عن النظام بدلا من التفكير بكيفية تطويره، والرّتابة التي يقع فيها العاملون تخمد أي نار أو فكر متحرر يطمح نحو الإبداع. لكنني لن أنسى طبعا أن أوجّه تحية كبيرة لكل من يحاول أن يضيء شمعة في هذا السواد التعليمي الحالك الذي نعيشه، وآملُ أن يتكاثر عدد هؤلاء ليصيروا قوة وغطاء “فوقيّا” مؤثرا لدعم أي تغيير إيجابي (خاصة إذا كان من قبل الطلبة).

طالب في الجامعة الأردنية

كلية الطب 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك