دليل مختصر لتحفيز الأطفال المصابين بالتّوحد

26 نوفمبر , 2016

التوحد هو واحد من الأمراض التي تنتج عن اضطرابات عصبية تظهر لدى الأطفال في سنّ مبكّرة، وتسبب لهم الكثير من النقص على مستوى التفاعل الاجتماعي وطريقة التعامل والتواصل مع المحيط الخارجي. لهذا من الضروري أن نعرف جميعًا كيفية تحفيز هؤلاء الأطفال لأجل التعلم في ظروف تسمح لهم بتطوير أنفسهم بدل البقاء في نفس الوضعية الحرجة التي من الممكن أن تؤدي إلى إحساسهم بالنقص أمام الأطفال الآخرين.

صحيح أن تحفيز الأطفال المصابين بالتّوحد ليس بالأمر السّهل على الإطلاق، كما أنه لا يتمّ بشكل عشوائي غير مدروس. هذا النوع من الأطفال لا يملك تلك القابلية البسيطة للتحفيز التي يملكها الأطفال الآخرون، لأن مسألة التحفيز ترتبط بالعديد من العوامل الأخرى مثل أنماط التعلم، مدى أهمية الأشياء التي يجب تعلّمها من زاوية نظر المتعلّم – كلما رأى أنها مهمة بالنسبة له كلما زاد مستوى تحفيزه لتعلّم المزيد منها، والعكس صحيح، كما ترتبط أيضًا بالمحيط الخارجي الذي يتعلّم فيه الطفل.

من منّا لم يلاحظ أنه يشعر بالكثير من الرغبة في مواصلة القيام بأشياء تذكّره بنجاحات سابقة، في حين أنه يشعر بالنفور من نشاطات أخرى تذكّره بخيبة الأمل والفشل؟ هناك من يشكّل الفشل المتواصل عائقًا بالنسبة له، وبالتالي يتوقف عن المحاولة. وهناك من يحتاج أحيانًا لفشل مفاجئ لكي يرفع من مستواه ويتخطّاه نحو النجاح. كلّ هذا يتوقف على طبيعة الطفل التي تبدأ في التّكون منذ السنوات الأولى. لماذا إذن لا نحاول فهم الأطفال المصابين بالتّوحد وتوجيههم نحو النجاح قبل أن يتمكّن الفشل المتكّرر منهم؟

ضع بطاقة شخصية للطفل المصاب بالتوحد

ماذا نعني بالبطاقة الشخصية؟ إنها ببساطة أول خطوة استراتيجية يجب القيام بها، وتتلخص في تحديث نقاط قوة ونقاط ضعف الطفل المصاب بالتوحد، كما تتعلق أيضًا بفهم اهتماماته مهما كانت غير واضحة أو غريبة بالنسبة للشخص العادي. في هذه المرحلة، وبعد فهم هذه العناصر، يمكنك الانطلاق منها لأجل بناء قائمة طويلة من الاهتمامات الأخرى التي قد تلفت انتباه الطفل المصاب بالتوحد.

لا تنس أن الطفل المصاب بالتوحد حسّاسًا جدًّا تجاه الأشياء التي تثير غضبه أو قلقه وتوتّره. حاول أن تفهم هذه الأشياء وتحدّدها ثمّ بعد ذلك تصرّف حيالها بطريقة تُبعد الطفل عن الإحساس بالفشل وبالتالي تمنعه من تفادي التعلم أو الاكتشاف حين يكون مصدر قلق بالنسبة له.

من المهمّ أيضًا أن تعرف أن الطفل المصاب بالتوحد هو طفل يحتاج الكثير من الدّعم، وليس كالأطفال الآخرين من وجهة نظر معيّنة. وبالتالي يجب أن يكون التعامل معه خاصًا، بحيث تمنحه الكثير من الوقت للتفكير والعمل على النشاطات التعليمية سواء داخل قاعة الدرس أو في المنزل.

اصنع محيطًا ملائمًا للطفل المصاب بالتوحد

تحدثنا في الفقرة السابقة عن شخصية الطفل المصاب بالتوحد وأشرنا إلى اختلافها عن الأطفال الآخرين، ولكن لا يجب أن ننسى أيضاً المحيط الخارجي الذي يعتبر عاملًا أساسيًا لا يمكن تجاهله.

المحيط الذي يسمح للطفل بالعيش في أمان تامّ هو محيط فعّال جدًا ومحفّز للتعلم، عكس المحيط الذي يُشعره بانعدام الأمان وبالتالي لا يشكّل عاملًا مساعدًا على التعلم.

عليك أن تسهر على جعل الأشخاص المحيطين بالطفل المتوحد إيجابيين تجاه طريقته في التعلم، مشجّعين لجهوده الشخصية وملتفتين لإنجازاته مهما كانت صغيرة. أحيانًا قد يجد الطفل نفسه وسط أطفال آخرين لا يعانون من نفس المشاكل، وربما يتعلّمون بوتيرة سريعة جدًا لا يتمكّن من اللحاق بها. في هذه الحالة لا ينبغي الاستغراب من محاولة الطفل المتوحد الانعزال عن المحيط التعليمي وبالتالي الاستسلام للإحساس بالفشل. الطفل المتوحد ليس فاشلًا ويجب أن تكون طريقة تعامل الأشخاص المحيطين به تسير وفقَ هذه الحقيقة.

إذا لاحظت وجود عوامل في المحيط الخارجي تؤثّر سلبًا على رغبة الطفل المتوحد في التعلم، ما عليك سوى تحديد نشاطات جديدة للتعلم بحيث تقلّل ما أمكن من تأثير سلبيات المحيط على الطفل. من الممكن جدًا تغيير طريقة تعليم الطفل المتوحد في كلّ مناسبة حسب تغيّر حاجياته وتطوّر مستواه، وهذا أمر ضروري فعلًا، لأن طريقة واحدة قد تنجح في زمن ما وقد تكون السبب الرئيسي في ظهور مشاكل أخرى في زمن آخر.

استعمل أدوات تعليمية تشرح بشكل جيد النتائج المنتظرة من الطفل المتوحد

ربما يستطيع الطفل العادي فهم ما ترغب في الوصول إليه من نتيجة بعد أن تعطيه تمرينًا في اللغة مثلًا، ولكن الطفل المتوحد يجد صعوبة في فهم الأمر. لا تجعل من أمر كهذا معيقًا له. حاول أن تقدم له الوثائق والأدوات اللازمة التي تشرح له خطوات الوصول للنتيجة كي يتمكن من تتبع خريطة واحدة دون الضياع وسط الطريق وفقدان الرغبة في مواصلة التعلم.

بعدما حددت في خطوات سابقة اهتمامات الطفل المتوحد، حاول الآن أن تستخدمها في تمارين تعليمية معينة بحيث تلفت انتباهه أكثر. مثلًا إذا كان يحبّ كرة القدم حاول أن تقدم له أمثلة من عالم الكرة أثناء تعليمك له، قدّم له أشرطة فيديو ملفتة للانتباه واجعلها أدوات لتعليمه.

لا تقدم له تمارين صعبة جدًا بحيث يقع في فخّ الفشل من جديد. حاول أن تجعل من الأشياء التي يتعلمها صعبة فقط بالدرجة التي يمكنه التعامل معها.

إذا لاحظت أن الطفل المتوحد يعاني من تشتت كبير في التفكير بسبب المحيط، حاول استعمال أدوات تعلم تشغل حواسّه عن المحيط بحيث يهتم بها ويركز أكثر على التعليم وينسى ما يشتت تفكيره.

حاول ربط الأشياء التي يعيشها الطفل في الحياة اليومية بالمواد التي تدرّسها له أو التي يتلقاها في المدرسة. مثلاً إذا كانت الحصة القادمة حول الجيولوجيا من الجيد الخروج في نزهة للغابة أو الجبل مع الطفل وتركه يستكشف المكان بنفسه، لأنه أثناء الحصة في المدرسة أو التعلم في البيت سوف يتمكن من إيجاد الرابط بين ما يدرسه وما عاشه كتجربة جديدة ذلك الأسبوع.

حاول أن لا تحدد للطفل المتوحد أهدافًا تعليمية بعيدة المدى. يُفضّل العمل معه على أهداف صغيرة قصيرة المدى بحيث يرى نتائجها في الوقت الحاضر ولا يضطر لانتظار أيام طويلة حتى يعرف أنه فعلاً حقق الهدف من وراء ما كان يفعله. بمعنى آخر، اجعل المكافآت آنية ولحظية، لكي يزيد هذا من اهتمام الطفل بما يتعلمه.

افعل كلّ ما يمكنك القيام به لأجل جعل الطفل المتوحد ينجح في القيام بما تطلبه منه في المرة الأولى ويتفادى الفشل. وبعد ذلك ارفع صعوبة التمارين بشكل تدريجي فقط، الهدف من هذا كله هو تخفيض احتمال الفشل لأن المتوحد حساس جدًا تجاهه.

اجعل كلّ شيء يسير في اتجاه إيجابي كي لا تخسر اهتمامه

الكلمة المفتاحية هي “الإيجابية”. لا تنس أن تجعل من كلّ شيء إيجابيًا كي لا تخسر اهتمام الطفل المتوحد وشغفه بالتعلم. حاول تقليص الآثار السلبية للمحيط وشخصيته بفهمهما جيّدًا والتحكم بهما كما يجب.

أبعد الطفل المتوحد ما أمكن عن الأشخاص السلبيين الذين قد يسخرون منه أو يطلقون عليه ألفاظًا سيئة، وكن متأكدًا من أنها ستحطمه وتخفض من شغفه بشكل لا يمكنك إصلاحه لاحقًا إلاّ بصعوبة بالغة.

 

مراجع بالإنجليزية:

التوحد وأنماط التّعلم

نصائح لتعليم المصابين بالتوحد

استراتيجيات لتعليم الأطفال المصابين بالتوحد



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك