رؤية الغزالي وابن خلدون لما يجب أن يكون عليه المعلم

29 مارس , 2016

لا ينتبه كثير من رجال التدريس إلى الموقع الذي يشغلونه داخل النسق المجتمعي، فهم حجر الرحى التي يوجد بحوزتها كل فئات المجتمع، ومن ينتظر منهم تغذية العقل والوجدان، ليس بمواد تعليمية وحسب، وإنما بوضع النواة التي تتشكل من خلالها رؤية الناشئة والأجيال للحياة والعالم برمته، فالمدرسة أهم حلقة من حلقات النسيج المجتمعي الذي يلقن القيم ويفتح ذهن المرء على الوجود برمته، لذلك إذا إختلت وظيفة أحد عناصرها أو طالها التقصير وران عليها الكسل والفتور، إختلت كل البنيات الاجتماعية بانيهار عماد المؤسسة البانية للعقل الفردي والجمعي.

وأحد أبرز تلكم العناصر الأساسية التي تحتاج إلى ترشيد في طرق اشتغالها وتذكير بوظيفتها الأساسية حتى تكون فعالة أكثر، وهي إرفاق التربية بالتعليم، فليست وظيفة المدرس تلقين المعارف والعلوم وحسب، وإنما الإبداع والتجديد في طرائق التلقين تلك، بعيدًا عما هو متوارث بين رجال لتعليم من آليات الضبط المعتمدة داخل القسم في المدارس، حتى يتجنب الأستاذ المربي السلطة التي يمكن أن يفرضها المتعلمون أو التلاميذ والطلبة على الأستاذ، وغالبًا ما يجنح الكثير من رجال التعليم إلى التكلف في القسوة والتزمت والتعنيف أحيانًا، أو عدم الانسياق في مناقشات مع التلاميذ خارج ما هو مقرر تجنبًا للإنفلات، علمًا أن أسئلة التلاميذ وتفاعلاتهم في مرحلة الشباب تعكس قلقا ذاتيًا لطبيعة المرحلة، وهي حبلى بالانتظارات تكون في أمس الحاجة لوظفية سامية في التوجيه والإرشاد بطرق حوارية لا يمكن تلقيها في غير محاضن التربية والتعليم، التي ينبغي أن تشتغل على تنمية مهارات النقد والتفكير البنائي وفلسفة الحياة برمتها، وهو ما ينعدم إذا ساد منطق مألوف نسمعه من كثير من الأصدقاء الذين ولجوا مهام التدريس، فيعنتون أنفسهم بنهجهم ذاك، ويحيدون عن وظيفة التربية والإرشاد لفلسفة قويمة للحياة والرؤية للعالم لجيل من الشباب قدر لهم أن يتصارعوا مع واقع مضطرب، لم تعد المدرسة وحدها من تقوم بوظيفة التثقيف والتربية، وإنما هدمت التقنية الحدود وفككت النظم وأصبح الإنسان معزولًا أمام سيل من القيم والأفكار والرؤى.

لذلك سنطوف قليلًا مع ومضات لعالمين كبيرين من أعلامنا القدامى النيرين، أحسب أن الأمة لو استرشدت بنهجهم ونمط تفكيرهم، لما تلبس التقليد طرق التربية ووظائف المربي لديها، حيث طغت أعراف وعادات لدى المربين وفي أخلاق العالم والمتعلم، فأنتجت لنا من خلالها عقولًا مهجوسة بتكديس المحفوظات عوض إعمال العقل والتفكير والحلم في التربية بما ينتج حالة من الوعي المتقد المؤمن بالتجديد بدلًا من شيوع التقليد، وكان لهذا الانصراف عن الطرائق السليمة في التربية إنحراف للعقل وضياع للحضارة التي أنبنت أول الأمر مع وهج العقل ونفحات الروح.

فكيف يرى كل من من الغزالي وابن خلدون طرائق التربية ونهج المربي في التعليم؟ وما هي رهانات التربية؟

أولًا “بيان وظائف المرشد المعلم” عند أبي الغزالي

لم يتوقف أبي حامد الغزالي عند نظر بعينه، أو مجال فكري محدد، وإنما أبحر إبحارًا واسعًا في شتى صنوف المعرفة وأبوابها، حتى صار له باع طويل وإضافات حققت طفرات في منهجية التفكير الإسلامية، ولم يكن صاحب فكر منعزل وحسب، وإنما كان رجل تدريس وعالم ألمعي ناظر كبار العلماء والفلاسفة ودرس بكبرى المدارس حينها (نظامية بغداد)، فهو صاحب علم ودراية وتجدد مستمر في الأفكار والمواقف، لذلك يفيدنا قوله في باب “آداب المتعلم والعلم”، الذي أورده ضمن سفره الضخم إحياء علوم الدين والذي جعل في مستهله حديثًا وافيًا ضمن أبواب عدة عن العلم وقضاياه.

إن العنوان السالف “بيان وظائف المرشد المعلم” عبارة عن عنوان فرعي عند الغزالي، ويكفي النظر للعنوان لنعلم أن التعليم مقرون بالإرشاد والتوجيه التربوي، والإرشاد وجه من أوجه العمل عند الغزالي الذي لا ينفصل عن العلم، “فمن علم وعمل وعلم فهو الذي يدعى عظيمًا في ملكوت السموات فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب، والذي يعلم ولا يعمل به كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال عن العلم وكالمسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع والإبرة التي تكسو غيرها وهي عارية وذبالة المصباح تضيء لغيرها وهي تحترق كما قيل:

ما هو إلا ذبالة وقدت تضيء للناس وهي تحترق

ومهما اشتغل بالتعليم فقد تقلد أمرًا عظيمًا وخطرًا جسيمًا فليحفظ آدابه ووظائفه (أبي حامد الغزالي، إحياء علوم الدين،ج1، ص: 84 طبعة دار الحديث القاهرة، سنة 1998).

فرجال التربية والتعليم عند الغزالي، هم قادة إصلاح اجتماعي ومنارة الاستخلاف الرشيد للبشرية والاستعمار (بالمفهوم القرآني) السوي للأرض، ولذلك راح الغزالي يفصل في وظائف وآداب المشتغلين بالتعليم لخطر مهمتهم، ونذكر تلك الوظائف على التوالي كما وردت عنده:

– الوظيفة الأولى: “الشفقة على المتعلمين وأن يجريهم مجرى بنيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إنما أنا لكم مثل الوالد لولده” والمقصود بها عنده التلطف في التربية وعدم الغلظة.

– الوظيفة الثانية: “أن يقتدى بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه فلا يطلب على إفادة العلم أجرًا ولا يقصد به جزاءً ولا شكرًا بل يعلم لوجه الله تعالى وطلبًا للتقرب إليه ولا يرى لنفسه منة عليهم وإن كانت المنة لازمة عليهم بل يرى الفضل لهم إذ هذبوا قلوبهم لأن تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، كالذي يعرك الأرض لتزرع فيها لنفسك زراعة فبمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض فكيف تقلده منة وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى”(ص: 85)، وهذا الجانب الغيبي في نسبة مهام التعليم الذي يشكل حافزًا للعمل أضحى ضعيفًا لدى الكثير من رجال التربية، فأصبحت المهمة جني ثمار المال من المهمة التربوية دون استحضار البعد الرسالي لوظيفة التربوية والرقابة الإلهية ومدى الإخلاص في العمل، والإخلاص في أداء المهمة التربوية هو الاصطلاح الأنسب للوظيفة الثانية عند الغزالي، حيث يستحيل أداء المهمة التعليمية بدون أجر، فما هو مطلوب هو الجد والإخلاص في القيام بالوظيفة التعليمية من طرف رجال التعليم والتربية دون تهاون أو اللهث عند من يدفع أكثر.

الوظيفة الثالثة: استدامة النصح بتجنب المباهاة غاية من التعلم، ويشير إلى ذلك بقوله عن المدرس “أن لا يدع من نصح المتعلم شيئًا وذلك بأن يمنعه من التصدي لرتبة قبل استحقاقها والتشاغل بعلم خفي قبل الفراغ من الجلي ثم ينبهه على أن الغرض بطلب العلم القرب إلى الله تعالى دون الرياسة والمباهاة والمنافسة، وقدم تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده”(ج1ص: 86)، وهنا يشير المؤلف إلى حد المعايير الأخلاقية التي يجب أن تضبط التعلم، ودونها الخطر.

– الوظيفة الرابعة: تجنب التصريح بالعتاب والتوبيخ ونهج الإشارة والتلميح، ويعتبر المؤلف ذلك”من دقائق صناعة التعليم أن يزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ، فإن التصريح يهتك حجاب الهيئة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج الحرص على الإصرار”.

– الوظيفة الخامسة: تحبيب العلوم للمتعلم بمختلف صنوفها دون تنفير من أحدها كما يحدث في كثير من الأحيان لما تتحكم النزعات والصراعات الشخصية بين المدرسين فينصرف ذلك للمواد، ويشير إلى ذلك بقوله “أن المتكفل ببعض العلوم ينبغي أن لا يقبح في نفس المتعلم العلوم التي وراءه، فهذه أخلاق مذمومة للمعلمين ينبغي أن تجتنب بل المتكفل بعلم واحد ينبغي أن يوسع على المتعلم طريق التعلم في غيره وإن كان متكفلًا بعلوم فينبغي أن يراعي التدريج في ترقية المتعلم من رتبة إلى رتبة”(ج1ص: 87)

– الوظيفة السادسة: مراعاة مدارك المخاطب ومستوى فهمه واستيعابه، وتلك مسألة غاية في الأهمية، وعبر عن ذلك المؤلف بضرورة “أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه ما لا يبلغه عقله فينفره أو يخبط عليه اقتداء في ذلك بسيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال: (نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلمهم على قدر عقولهم) فليبث إليه الحقيقة إذا علم أنه يستقل بفهمها”(ج1ص:87).

– الوظيفة السابعة: مراعاة التدرج في تقديم المعارف وفق منهجية منظمة، يقول الغزالي في ذلك “أن المتعلم القاصر ينبغي أن يلقى إليه الجلى اللائق به ولا يذكر له وراء هذا تدقيقًا وهو يدخره عنه فإن ذلك يفتر رغبته في الجلى ويشوش عليه قلبه ويوهم إليه البخل به عنه إذ يظن كل أحد أنه أهل لكل علم دقيق، فما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلًا هو أفرحهم بكمال عقله”(ج1ص: 88).

– الوظيفة الثامنة: ملازمة العمل للعلم، فهما وجهان لعملة واحدة، وذلك بأن “يكون المعلم عاملًا بعلمه فلا يكذب قوله فعله لأن العلم يدرك بالبصائر والعمل يدرك بالأبصار وأرباب الأبصار أكثر، فإذا خالف العمل العلم منع الرشد وكل من تناول شيئًا وقال للناس لا تتناولوه فإنه سم مهلك سخر الناس به واتهموه وزاد حرصهم على ما نهو عنه فيقولون لولا أنه أطيب الأشياء وألذها لما كان يستأثر به” (ج1ص:88)، وهذا الجانب يجعل من المربي متفاعل مع ما يدعوا إليه، فتكون الأفكار والأقوال ضابطة للسلوكيات، أو هاته الأخيرة انعكاسات وتجليات للدعاوى، وذلك ينسحب على جميع التخصصات والمعارف والمستويات العلمية، فالفكرة والعلم يلزمه الموقف والعمل والتنزيل أو مطابقة الأفعال للأقوال.

الكتاتيب ويكيبيديا

تلكم هي وظائف المرشد المعلم في رؤية الغزالي التي ينبغي أن يتحلى بها كل من يزول مهمة المربي المعلم، والغزالي الذي قلنا عنه خبر التدريس، فهو كذلك خبر البعد النفسي في الإنسان، فلم يكن الإحياء كتاب عاديًا بوّب من من خلاله آداب السلوك ونهج التصوف، وإنما هو سبر لأغوار النفس الإنسانية قد تكون ملاحظات على بعض ما درج فيه، لكنه منسق منتظم في تبويبه، غني في أفكاره متجدد في طروحاته، ومن تلك ما لها صلة بوظائف المربي التي رأيناها والأساليب التي ينبغي أن يعتمدها وما ينبغي أن يتجنبه، وتلك لا زالت إلى الآن سبيلًا ضروريًا لأن تكون للتربية وظيفتها السليمة، وإذا كان الغزالي الفيلسوف النفساني قدم تلك الوظائف بشكل منسق، فإن فيلسوف الاجتماع ابن خلدون لم يبتعد كثيرًا عما ذكره شيخه في الاعتقاد.

ثانيًا اللين والرحمة في التربية عند ابن خلدون وعدم الاستبداد في الأخذ بالمتعلم

بعد أن ذكر ابن خلدون سمات التعليم وطرائقه في مختلف الأمصار الإسلامية وخصائص كل بلد في ذلك، انتقل للحديث عن طريقة التربية في فصل يحمل عنوان “في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم”، ويعتبر هذا العنوان العريض وحده كافيًا لفهم أسلوب التربية وطريقة تعامل المربي الذي يدعوا إليه ابن خلدون.

ويشير المؤلف مفصلًا المغزى، معتبرًا “أن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم، سيما في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق عن النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه الكسل وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقًا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عالة على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين، وهكذا حصل لكل أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف” (عبد الرحمن بن خلدون، ص: ،590 طبعة دار الفكر)، بهذا القول يكون ابن خلدون قدم تحليلًا نفسيًا واجتماعيًا شافيًا للأثر السلبي للغلظة لما تواكب عمل المربي وبالمقابل سمات الرحمة واللين وإيجابيتهم في بناء الشخصية والذي يجب أن يعمل عليها المربي.

وبقول موجز لابن خلدون عن مقام المربي المعلم وقدسية وظيفته وطريقة التأديب التي يجب أن ينهجها هو والوالد مع ولده بعيدًا عن الغلظة والشدة التي تلبست عمل المربين لما درجوا عليه من عاداتهم وثقافتهم الاجتماعية بعيدًا عن أصول التربية الصحيحة ونمط التعامل السليم، “فينبغي للمعلم في متعلميه والوالد مع ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب”(المقدمة،ص:591).

إن الاستبداد في التأديب، هو استبداد في الرأي واحتكار له بعيدًا عن المنطق الحواري القائم على الرحمة في التعامل، فكلما حضر الاستبداد الذي يعني الرأي الواحد، كلما غاب العقل وانتفى البعد الإنساني الذي يراعي جوانب الرحمة واللين والرفق في العلاقات والمعاملات، وأخطرها أن تكون في التربية، فتنعكس أخلاقيات المربي المستبد على الناشئة فتكبت فيهم إرادة التعبير وحق السؤال والاعتراض، وهكذا ينتشر الاستبداد في البيئة الحاضنة للثقافة التقليدية، وهي مناقضة للتمدن والحضارة بلغة ابن خلدون، والظلم مؤذن بخراب العمران، وما أشد مأساتنا مع الاستبداد الذي رأينا وجهه عاريًا في النظم السياسية وصدحنا عاليا بالحرية، وتغافلنا عن خلفياته التي سمحت له بالانتعاش وغذت امتداداته، وهي في الثقافة والتعليم، في المدرسة والمجتمع، فهذه الدوائر في علائقها بحاجة لأن تتشرب ثقافة الحرية ومنطق الحوار بدل فرض الرأي الواحد والاستبداد بالرأي، وحين يكون المربي نبيا لنداء الحرية والحوار والطرائق الرحيمة المفعمة بالرفق في نهج التربية، فإن أجيالًا ستصعد مؤمنة أشد الإيمان بضرورة تعديل كل حاضنات الاستبداد وتجلياته في النظم، وما ذلك عنا ببعيد.




شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك