سبع صنايع والبخت ضايع!

28 أكتوبر , 2016

الفجوة بين سوق العمل والدراسة

“لماذا نتعلم؟”.. هذا هو السؤال الذي يطرحه رب عملي “هاني الجمل” على الشخص الذي يشرح له فكرة مشروعه الحالي “سبع صنايع” ، المركز التعليمي الذي يسعى ليكون مساحة تعليم وتجريب مفتوحة للأطفال والشباب والأهالي، للحصول على تجربة تعليمية مميزة، بعيدًا عن مشاكل وهموم التعليم النظامي الاعتيادي.

 

منذ ثلاث سنوات قرر “الجمل” أن يقوم بتدريس أبنائه منزليًا، بعد أن لاحظ مدى الإرهاق الذي يصيبهم بعد يوم دراسي طويل لا يستطيعون بعده ممارسة أي نشاط ترفيهي، بجانب عدم حصولهم على معرفة حقيقية بعد كل الساعات التي يقضونها في المذاكرة والمدرسة يوميًا، مما دفعه للتساؤل عن الأسباب التي تدفعنا للتعلم؟

نتعلم كي نستطيع فهم البيئة من حولنا وحل المشاكل التي تواجهنا بها، نتعلم كي نستطيع اكتساب مهارة نعمل بها وتصبح مصدر رزق لنا، نتعلم كي نصبح ذوي فائدة في المجتمع، هذه هي الإجابات السوية والمنطقية في وجهة نظري وأغلب المترددين على المكان، ولكن هناك إجابات أخرى نشأت نتيجة لاستسلام الأفراد لأنظمة التعليم الاعتيادية في الدول المختلفة ودولتنا بشكل خاص، فأصبحنا نتعلم كي لا يُقال علينا جهلاء لأن العلم الحقيقي في المدرسة وفي كتاب الوزارة، نتعلم كي يصبح لدينا قيمة اجتماعية تتحدد بناء على مصاريف المدرسة والجامعة التي انضممت لها، نتعلم كي نجلس على الأقل 16 سنة في الفصول الدراسية نحشر العلوم في رؤوسنا، حتى نتخرج ونكتشف أن سوق العمل الذي يحتاج مهارات مختلفة تمامًا بعيدة كل البعد عن حشائش السافانا وحمض الكبريتيك المركز ومقتل علي بيك الكبير! فنلقي كل ما درسناه في أقرب حاوية -هذا إن كنا نذكره من الأساس- ونتعلم بالممارسة والتجربة والاطلاع الذاتي على علوم ومهارات جديدة للحصول على عمل مناسب وترقيات أفضل، ونحصل على راتب كبير يكفينا لندخل أبنائنا مدرسة بمصاريف خيالية، ليسير في نفس الدائرة المفرغة التي سرنا بها من قبل.

صورة لوجو سبع صنايع

صورة لوجو سبع صنايع

“سبع صنايع والبخت ضايع”:

 
جرت العادة أن يُقال هذا المثل المصري في حال رؤية شخص يمتلك العديد من المهارات الجيدة التي تؤهله للعمل وكسب الكثير من الأموال ولكن “حظه” أو “بخته” قليل فلا يمكنه تحقيق هذا الأمر.
لماذا إذًا؟ ألا توجد غرابة في أن يمتلك شخص مهارات مختلفة تساعده على مواجهة الظروف الصعبة والمتقلبة والعمل في أكثر من مهنة لكسب رزقه؟
من هنا جاءت تسمية المكان باسم “سبع صنايع”، للتعبير عن رفضنا لهذه الفكرة الغريبة، وتشجيع الأطفال والشباب على التعلم واكتساب المهارات والعمل منذ سن صغير في أعمال مناسبة تفيد مجتمعهم وبيئتهم وتساهم في حل مشكلاتهم، كما نعتقد إنه الهدف الأساسي من عملية التعلم.
في بداية عملي في المركز كنت مؤمنة بشكل بسيط بالفكرة ومدركة أهميتها في ظل وجود أنظمة تعليمية فاشلة في المدارس الحكومية والخاصة والدولية على حد سواء، ولكن بعد فترة من العمل وسماع مشاكل الأهالي والأطفال والطلاب عن قرب أصبحت أكثر إيمان بالفكرة وأكثر تعصبًا لها في بعض الأوقات عندما يناقشني أحدهم في أهمية وجود المدارس الاعتيادية، لأنها تمنح أبنائه التعليم الحقيقي في النهاية بجانب الشهادة التي ستضمن مستقبله وحصوله  على مهن ذات قيمة.
أقارن نفسي وزملائي بحديثهم، أي مهن برواتب عالية تضمن لنا مكانة اجتماعية مرموقة كانت في انتظارنا بعد تخرجنا؟
أغلب المهن التي عملنا بها كانت نتيجة للمهارات التي اكتسبناها بالبحث والتجارب المختلفة التي خضناها في فترات سابقة أثناء دراستنا الجامعية في أنشطة خارج إطار التعليم النظامي، وهي التي ساعدتنا بشكل كبير على تطوير قدراتنا وشخصياتنا وفهم أسرع لطبيعة سوق العمل في مصر ومتطلباته.
يبذل الآباء في مصر مجهودًا طائلًا في العمل من أجل أن يوفر لابنه مصاريف تعليم مكلف، ولكن ما العائد من الاستثمار في هذا التعليم؟
تحدثني أختي عن مصاريف الكتب المدرسية فقط في مدرسة أبنائها والتي تصل لـ 1500 جنية لكل طفل منهم، أحد أولياء الأمور الذي قرر أن يقضي أبنائه الوقت بعد اليوم الدراسي في المركز عندنا يحدثنا عن دروس اللغة الإنجليزية التي تتلقاها ابنته التي تدرس في مدرسة دولية، مصاريفها تصل لعشرات الآلاف كل سنة، ولكنها في النهاية لم تفلح في تدريس الفتاة لغة أجنبية ثانية مناسبة.
وبعيدًا عن المصاريف الدراسية، أصبحت مقابلات القبول في المدارس وحتى الحضانات أمرًا لا يمكن السكوت عنه.
تشترط بعض المدارس أن يمتلك الأطفال مستوىً معينًا في اللغة الأجنبية الثانية كالإنجليزية، بالإضافة لبعض المهارات في مواد أخرى وعمرهم لم يتعدى الأربع سنوات، وبعض المدارس التي تطلب معرفة التفاصيل المادية المتعلقة بممتلكات ومرتبات الأهالي واشتراكات الأندية الخاصة بهم.
حرب مظاهر اجتماعية يتبارى فيها الأهالي لإثبات الأفضلية والقدرات المادية الأعلى لكل منهم، لا يوجد للعلم بها دور، وحتى اللغات التي يتفاخرون بقدرات أبنائهم بالحديث بها لم تعد أمرًا مضمونًا، ولا أعلم بصراحة لماذا تعلم اللغات أصبح أمرًا في غاية الصعوبة ويتطلب سنوات من الدراسة بمصاريف عالية بهذا الشكل؟ الأمر أبسط من هذا بكثير، وتعلم اللغات لا يستدعي كل هذه التخطيطات الحربية من الأهالي والمدارس على حد سواء.



ما الحل؟

من وجهة نظرنا أحد الحلول المقترحة لتحقيق تجارب تعليمية للأطفال والكبار على حد سواء هو وجود مراكز تعليمية في مناطق مختلفة، بحيث تصبح أقرب لفكرة مركز مجتمعي وتعليمي، يتعرض فيه الأطفال والكبار لأنشطة وتجارب تعليمية مختلفة تساعدهم على توسيع مداركهم، ويتشاركون سويًا في البحث وإيجاد حلول علمية مناسبة لمشاكل منطقتهم والعمل على تنفيذها، من خلال تعلم المهارات المطلوبة لحل هذه المشكلة وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يتولى كل فرد منهم مسؤولية عمل في هذه العملية، وبهذا تتحقق العملية التعليمية التي نتخيل أنها الأنسب أو الأكثر منطقية وملائمة لتصوراتنا وإجاباتنا السابقة، وتقل تدريجيًا الفجوة بين التعليم وسوق العمل وتتوفر فرص أفضل للمراهقين بل والأطفال من سن أصغر للمشاركة وتنمية مجتمعهم وكسب رزقهم بطريقة كريمة.


والنتيجة؟

في البداية كنت أبحث عن عمل يضمن لي التعلم المستمر والاستمتاع بما أتعلمه في بيئة مكونة من أشخاص على دراية بأهمية ما يفعلونه ويؤمنون به حقًا لا قولًا، وقتها جائني عرض “الجمل” للعمل معهم في مكان يضم كل هذه الشروط، تسائلت في نفسي هل نستيطع أن نوجد مثل هذا المكان؟ جائتني الإجابة في صيغة أفعال تتحقق، أستطيع القول أنني أذهب لعملي كل صباح وأنا سعيدة، وأغادره وأنا أرغب في المكوث لفترة أطول، قرأت في يوم أن موظفين جوجل لا يرغبون في ترك مكان عملهم، وتخيلت أن هذا بسبب الإمكانيات المادية الكبيرة ووسائل الترفيه والرفاهية التي تتوفر لهم، ولكني أدرك الآن أن هناك عامل أهم، وهو الروح التي تسري في المكان بسبب أفكار ومعتقدات العاملين والمسؤلين التي يتشاركونها سويًا، لا يوجد آمر ناهي في مكان عملي، كل شخص مسؤول عن مهمة ونشاط محدد، نتشاور جميعًا في بعض القرارات الهامة ونتخذ القرار الأكثر صوابًا بغض النظر عن مهمة ودور من اقترحه في المكان، نجرب وننجح ونفشل، ولكن لا نتوقف، نتعلم ونساند بعضنا البعض لكي ننجز الأعمال ونخرجها في أفضل شكل، وحتى أوقات عملنا لا يوجد بها قيود صارمة، فهناك عدد ساعات نلتزم بحضوره سويًا لنجلس ونتشاور في العمل، دون ذلك يمكننا تحديد ساعات عملنا كما تقتضي الحاجة والمهمات التي نلتزم بها، وعلى الرغم من إن عملي الحالي كمنسقة للأنشطة لا يمثل لي مهنة الأحلام التي أسعى إليها، إلا أنني لا أسعي لتغييرها حاليًا، بل أسعد بقضاء وقتي في بيئة العمل هذه وتطوير مهارات بمساعدة مديريني وتشجيعهم لي على تعلم ما أحبه والحصول على منح وفرص للدراسة والعمل مستقبلًا.
وفي الحقيقة أعتقد أن هذا أفضل ما يمكن للمرء الحصول عليه في حياته كعمل أو مجتمع للدراسة والتعلم، لذلك لدي شعور قوي بنجاح هذه الفكرة التي ستصبح مبادرة تتحقق في أكثر من مكان للقضاء على ثقافة وأسلوب تعليم وعمل بالي لم يستطع أن يحقق لأي فرد من أفراده النجاح أو السعادة الحقيقية.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك