شهادات وهمية وسرقات علمية: البحث العلمي إلى أين؟!

21 فبراير , 2017

لا أستطيع أن أنسى تلك الحادثة التي كشفت لي كم الزيف الذي يغشى تلك الشهادات العلمية العالمية الصدى، والتي يحملها الكثير من الباحثين في وطننا العربي، حيث كانت صديقة لي قد نصحتني بزيارة أحد أطباء الأسنان، والذي أجزلت في مدح شهاداته العالمية وكيف أنه أكمل تكوينه بالخارج، بل وحصل على عدت شهادات من أرقى الجامعات هناك، كان آخرها شهادة في الجراحة التجميلية للأسنان وتصميم الابتسامة بفرنسا، كانت زيارتي من باب الفضول للتعرف على تلك المصحة التي تبدو للوهلة الأولى مطابقة لوصف ” العالمية” من ناحية الاستقبال والمواعيد المضبوطة وغيرها من الأمور التي نبحث عنها جميعًا، وكانت الشهادات المعلقة على جدار بهو الاستقبال تبعث في النفس الارتياح إلى أن اقتربت إليها أكثر وقرأت سطورها، فتلك الشهادات لم تكن إلا شهادات شكر على حضور ندوات علمية، وأيام دراسية عقدتها كليات طب الأسنان، كانت أقصى مدة لها لا تتجاوز ثلاثة أيام، ولا تحمل أي سمة توحي أن المتحصل عليها طالب بالكلية، أو منتسب إليها تحت أي مسمى، ليتجلى لي أن كل تلك الشهرة التي حققتها المصحة في مدة قصيرة كانت مبنية على الوهم، وعلى طبيب يجد في مرضاه حقل تجارب مناسب يطبق فيه تلك المعلومات النظرية التي تلقاها.
لتعود وتظهر أمامي صورة ذلك “الدواء السحري” لمرض السكري والمسمى “رحمة ربي” على حد وصفه الذي هز الجزائر خلال السنة الفارطة وأسال الكثير من الحبر حول حقيقته، والذي سوقه صاحبه على أساس أن هذا الدواء يشفى تمامًا من مرض السكري، ليتم كشف خبايا هذا الدواء بكونه ليس إلا مكملًا غذائيًا يساعد على ضبط السكر في الدم وأن صاحبه لم يدرس بجنيف ولم يطأ أرض جامعاتها.
وغير بعيد عن هذا السياق ذكر لي أحد أقربائي وهو طالب دكتوراه، حادثة استيلاء أحد الأساتذة المؤطرين له، على مجموعة مقالات علمية قام بإرسالها له قصد مراجعتها، ليعيد هذا الأخير صياغة وتحوير مقاطع منها واستخدامها في بحوثه المنشورة، دونما أي إشارة للمصدر الحقيقي لهذا البحث، في سرقة علمية واضحة وجلية، تبعتها مساومة على السكوت أو تأخير تخرجه لسنة أخرى.
هذه الحوادث المتكررة التي تعود لتعري في كل مرة واقع البحث العلمي والباحثين لدينا، ليست محصورة بجامعاتنا العربية فقط بل هي ظاهرة عالمية، متعلقة بأخلاقيات الباحث العلمي والذي يشترك الشرق والغرب على قداستها،وعلى الرغم من مختلف القوانين الرادعة لذلك إلا أن هذه الظاهرة تزداد تفاقمًا .
أفرجت وزارة التعليم العالي بالجزائر مؤخرًا، عن قرار جديد يحدد القواعد المتعلقة بالوقاية من السرقات العلمية ومكافحتها يحمل رقم 933 مؤرخ في 28 جويلية 2016، حدد بالتفصيل مفهوم السرقة العلمية، ومختلف الميادين المحيطة بها كظاهرة أصبحت تنخر الجامعة الجزائرية منذ سنوات وفرض عقوبات تصل إلى السجن وسيتم مقاضاة المتورطين بتهمة السرقة، بعد تجريدهم من الشهادة العلمية وفصلهم نهائيا من الجامعة.

ولمناقشة هذه الظاهرة من خلال مقالي هذا أسعد باستضافة البروفيسور سامية جباري برفسور بكلية العلوم الإسلامية أستاذة وباحثة واستشارية بجامعة الجزائر 1:

بداية نود شكرك لتلبية الدعوة والمشاركة معنا على شبكة زدني، والتي تتمحور حول واقع البحث العلمي اليوم. كونك مؤطرة للعديد من مشاريع تخرج طلاب الجامعة، أود سؤالك عن أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الباحث من جهة، وكيف يستطيع الأستاذ المؤطر أن يكتشف السرقة العلمية داخل البحث الماثل بين يديه؟ أو بصيغة أخرى سؤالي عن دور الأستاذ المؤطر في مراقبة مصداقية البحث؟

بداية أشكركم على مجالستي واختياري للحوار في مجال البحث العلمي وهذا إن دل على شيء فإنه يبرز الدور الريادي لشبكة زدني التي اهتمت ولا زالت تضع لمساتها العلاجية على مواضيع حساسة كالذي بين أيدينا.
البحث العلمي كما هو معروف يسعى لتقصي حقائق معينة وإلى دراسة ظواهر محددة يهدف من خلالها إلى المساهمة في توسيع مدارك المهتمين بالبحث في مختلف مجالاته، هذا وقد أدركت الدول المتقدمة هذه الأهمية وسعت جاهدة لتوفير الظروف الملائمة للبحث والتسابق في شتى الحقول المعرفية والبحث العلمي يعد ركنًا أساسيًا من أركان المعرفة الإنسانية في ميادينها كافة، سواء منها ذات التوجه الإنساني الاجتماعي او ذات التوجه العلمي التجريبي.
ولكي نرتقي بالبحث العلمي بحيث نجعله في مستوى الريادة بين الدول التي أدركت أنه أحد الأسباب المهمة للتطور والتنمية، وأن عظمتها وتفوقها ترجع إلى قدرات أبنائها العلمية والفكرية والسلوكية لهذا لا بد أن تتوفر صفات معينة تخول لصاحبه أن يكون في مستوى المكانة التي أعطيت له كباحث يساهم في هذه المهمة النبيلة.
وعليه فإن صفات الباحث تنوعت بين الصفات الخُلقية وأخرى علمية يمكن أن أوجزها فيما يلي:
فصفاته الخُلقية التي نقصد بها ما تعلق بإنسانية الباحث ونوجز منها:
– الرغبة في البحث لأن طريق البحث شاق وطويل.
– الصبر على العمل المستمر.
– التقصي والاطلاع حيث يحتاج الباحث إلى العلوم واللغات.
– التواضع وعدم مهاجمة الآخرين بشكل شخصي.
– اليقظـة وقـوة الملاحظـة ووضوح التفكير وصفاء الذهن.
أما صفاته العلمية فما تعلق بالباحث كعالم يؤسس لفكر ومنهج فمنها:
– المقدرة على البحث: ( جمع البيانات وترتيبها ثم تحليلها وتفسيرها).
– التجرد العلمي والموضوعية التامة.
– معرفة موضوع البحث: هذا يتطلب قراءة واسعة واطلاعًا على خلفية الموضوع النظرية.
– الإلمام بأساليب البحث العلمي وطرق جمع البيانات وتحليلها وتفسيرها.
– معرفة جمهور المبحوثين.
– عدم إبداء آرائه الشخصية دون أن يعززها بآراء لها قيمتها.
ومن هنا متى توفرت هذه المواصفات كان لمؤطر البحث أن يضطلع بدوره في توجيه الباحث والمتابعة الدقيقة والحرص على أن يخرج بحثه بإضافة علمية جديرة بالتشجيع، وعليه بالحرص واليقظة في تتبع البحث منذ بدايته كإرهاص إلى أن يتجسد كحقيقة، تمكنه من التفريق بين أسلوب الطالب وذلك بمعرفة نوعية مداركه ومقدرته على التحليل والصياغة والسبك وبين ما يمكن أن يكون لآخرين أو ما نسميه سرقة علمية يدرجها دون إحالة او إشارة الى أصحابها. فالأستاذ المؤطر عادة تكون له القدرة على التفريق بين الأسلوبين ومدى كفاءة الباحث في معالجة النصوص.
هذا الأمر وإن كان مهمُا إلا أنه في وقتنا الحالي القليل من المؤطرين من يتابعون الأبحاث بحرص وجدية واستمرارية إلى أن يخرج في صورته النهائية وهذا نوع من الإهمال الذي يجعل من الاستعجال واللامبالاة سببًا في عدم الوقوف على السرقات والأخطاء أيضًا.

بين واقع الشهادات الوهمية من جهة وشهادات أخرى لا تتعدى كونها حبرًا على ورق كيف ترين مستقبل البحث العلمي؟ وما هي الحلول المقترحة للحد من هذه الظاهرة؟

كثيرًا ما نسمع عن شهادات وهمية ذات مستوى عال تعطى لبعض الباحثين وتجعلهم مؤهلين ومتوجين على رأس قائمة العلماء والدكاترة والمفكرين فتفسح لهم المجالس بموجبها، ويعطون قيمة عالية ويتولون بفضلها مكانة مرموقة سواء كانت في الإدارات أو على مستوى المعاهد والجامعات والمؤسسات التعليمية. بل منهم من ارتقى في المناصب وأصبحت لهم صولة وجولة وهم لم يتحصلوا حقيقة على أبسط الشهادات فعدم التأهيل العلمي لا يعطي مصداقية لما ينجزونه من أعمال ولا يساهم في تطوير العلوم والمعرفة إذ فاقد الشيء لا يعطيه. للأسف هذا واقع نلمسه في يوميات الجامعات والمعاهد المتخصصة بل وحتى في مراكز علمية أنشئت لترقية البحوث العلمية.
ومن هنا نضطلع بمهمة المخلصين في مجال البحوث العلمية بمساهمتهم الجادة في وضع حد للسرقات العلمية وتوجيه الطلبة الباحثين في كل مراحل بحثهم والوقوف إلى جانبهم في الاعتماد على المنهجية السليمة وفي طرق الاستفادة من المعلومات الواردة في المصادر المعتمدة، ويكون ذلك بوضع خطة واسترايجية عمل تتسم بالاستمرار والحرص والجدية في التعامل مع مجال البحوث، هذا إضافة إلى الالتماس من مسؤولي القطاعات العلمية التدقيق في الشهادات الممنوحة لبعض الباحثين من طرف جهات أجنبية أو حتى داخلية قد تكون غير معتمدة وإن كانت معتمدة فلا بد من فرض رقابة شاملة على هذه الشهادات وعلى البرامج التأطيرية التي تعطى لرواد هذه المؤسسات والمعاهد.
وفي الأخير لا يسعني إلا أن أجدد شكري لكم مع تمنياتي لكم بالتوفيق في مساركم.
كل الشكر للبروفيسور “سامية جباري” أستاذة جامعية وباحثة بجامعة الجزائر -1- على إثراء هذا المقال.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك