صناعة الفيلسوف الصغير… لماذا وكيف؟

31 مارس , 2017

من بين المشاكل العديدة التي يعاني منها التعليم في وطننا العربي، هو اعتمادنا على النظام التلقيني البحت، والذي أساسه ” الصب والكب” من تحضيرات الأستاذ إلى دماغ الطالب، ومن ثمة من دماغ الطالب إلى ورقة الامتحان، التي ستُرمى معها كل معارف الطالب في النهاية.

ورغم أن هناك العديد من المحاولات لتحسين أداء الطلاب أكاديميًا، والاصلاحات التربوية المختلفة التي شهدتها مناهجنا كتطبيق سياسة المقاربة بالكفاءات التي تسعى لخلق المزيد من الحوار داخل حجرة الدرس إلا أن هذه الاصلاحات لا يمكن أن تكفى وحدها مع ذلك الكم الهائل من الواجبات المنزلية للطلاب كل يوم وهو ما يجعل الطالب في حالة من التعب الدائم مع تنامي كرهه للمدرسة التي يعتبرها مصدرًا لمتاعبه، هذا من جهة أخرى يتوجب علينا إعادة النظر في معايير الاختبارات الموحّدة لمراعاة مزايا الخلفية غير المنصفة أو إخضاع الطلاب لمبادرة المعايير الحكومية للأساس المشترك، والتي يصعب فهمها.
ومن هنا دعونا نلقى نظرة على ما يحدث خارج عالمنا العربي من أبحاث ولعل من آخرها تلك المحاولة الحديثة من المملكة المتحدة والتي وجدت حلًا آخر، والذي بدا في الواقع بأنه فعّال؛ إذ تم تدريس الطلاب “الفلسفة” نعم إننا نتحدث عن ” صناعة الفيلسوف الصغير” .

تجربة المملكة المتحدة في تدريس الفلسفة للطلاب:

تدريس الفلسفة للأطفال
أظهرت دراسة نشرت في العام الماضي أن الأطفال من عمر 9 إلى 10 سنوات، والذين اشتركوا في سلسلة طويلة من الدروس التي تركز على الفلسفة، قد أظهروا تحسنًا كبيرًا في الدرجات مقارنة بأقرانهم في المجموعة الضابطة. وشملت الدراسة أكثر من 3 آلاف طفل في 48 مدرسة ابتدائية في جميع أنحاء إنجلترا. والأطفال الذين أخذوا دروسًا في الفلسفة تحسّنت مهاراتهم في الرياضيات والقراءة بنحو شهرين من التقدّم الإضافي بالمقارنة مع الطلاب الذين لم يأخذوا الدروس قد كان الهدف الفعلي للدروس هو تحسين ثقة الطلاب في طرح الأسئلة وبناء الحجج، ولكن المكاسب على الصعيد الأكاديمي الإضافية لا يمكن إنكارها.

ماذا فعل الطلاب في هذه الدروس الأسبوعية لمدّة ساعة؟ لقد تحدّثوا عن مفاهيم مثل المعرفة والحقيقة والعدالة والإنصاف، والتفكير في أسئلة مثل “هل ينبغي التبرّع بقلب صحي لأشخاص لم يعتنوا بأنفسهم؟” أو “هل من الصحيح حرمان أي شخص من حريتهِ؟”، وكان لديهم أيضًا وقتٌ مخصصٌ للتفكير الصامت.

ومن الجدير بالذكر أيضًا أنه كان هناك تحسن أكاديمي ملحوظ عند طلاب من ذوي الدخل المنخفض. وتحسنّت مهارات القراءة لأولئك الذين أخذوا الدروس بنسبة أربعة أشهر، ومهارات الرياضيات بنسبة ثلاثة أشهر. وكانت هناك فوائد أخرى كذلك.

وكتب الباحثون ستيفن غورارد ونادية صديقي ووبنغ هوات من جامعة دورهام: “إن ردود الفعل من المعلّمين طوال فترة التجربة تشير إلى أن دروس الفلسفة أتاحت للتلاميذ الفرصة للتفاعل وتطوير ثقافة كاملة من التفكير والاستماع والتحدّث واستخدام الحجج المنطقية في المدرسة. وقال المعلّمون أيضًا بأنه كان للدروس أثر مفيد على مستويات أوسع مثل الثقة والصبر واحترام الذات”.

ومن المثير للاهتمام أن برنامج “الفلسفة للأطفال” (P4C)، جرى إيجاده أصلًا في عام 1970 في الولايات المتحدة على يد البروفيسور ماثيو ليبمان من نيو جيرسي، والذي أدّى لاحقًا إلى إنشاء معهد للنهوض بالفلسفة للأطفال (IAPC)؛ إذ قام ليبمان وزملاؤه بدراسة أولية لبرنامجهم في عام 1980 باستخدام 40 طالبًا من مدرستين في منطقة مونتكلير في نيو جيرسي.

وتم تقسيم الطلاب إلى مجموعتين، “مجموعة التدخّل”، والتي يقوم ليبمان بتدريسها P4C مرتين في الأسبوع لمدّة تسعة أسابيع، في حين أن المجموعة الضابطة كانت تدرس الدراسات الاجتماعية. وأظهرت دراسة ليبمان تحسّنًا كبيرًا في التفكير المنطقي والقراءة حسب اختبار كاليفورنيا للنضج العقلي (CTMM). وقد تم اختبار الفروقات في درجات القراءة وُوجد أنّها متقدمة بنحوٍ مماثل بعد عامين ونصف العام.

وظهرت نتائج تجربة أخرى أكبر في عام 2004. ولكن في هذه المرّة تم اختبار 200 طالب (100 لكل مجموعة) على مدى فترة سنتين. وأفاد الباحثون مرّة أخرى بتحسّن كبير في القراءة والتفكير النقدي.(1)

 

انجلترا ليست الوحيدة ففرنسا تصر أيضا على تدريس الفلسفة لطلاب المدارس:

12

 

سأل الكاتب الفرنسي ميشيل دو مونتين منذ أكثر من 400 سنة: «بما أن الفلسفة هي الفن الذي يعلمنا كيف نعيش، وحيث أن الأطفال يحتاجون لتعلمها بقدر ما نحتاج نحن في أي عمر، لماذا لا نعلمهم إياها؟» وهو ما تسعى وزارة التربية الفرنسية تطبيقه، حيث نجد أن فرنسا من أكثر الداعمة لمشروع تدريس الفلسفة للأطفال وقد تم عرض التجربة الفرنسة أثناء انعقاد مؤتمر دوليّ حول تدريس الفلسفة احتضنته تونس خلال  شهر مايو سنة 2009  وذلك تحت إشراف اليونسكو، قدّم المحاضر Michel Tozzi  من فرنسا مداخلة حول تجربته الرّائدة في ” النّقاشات ذات المنحى الفلسفيّ بالمدرسة الابتدائيّة”  “Discussions à visée philosophique À l’école primaire”

تعني دراسة الفلسفة في فرنسا قضاء ثماني ساعات دراسية أسبوعيًا، وامتحانها من أبرز سبع مواد يمتحنها الطالب، أو بالأحرى تمثل مادة الفلسفة المادة الأكثر من حيث تسجيل الدرجات في شهادة الثانوية.

كما تعني دراسة الفلسفة بفرنسا تناول بعض المفاهيم بالدراسة كالوعي والآخر والفن والوجود والزمن والمادة والروح والمجتمع والقانون والواجب والسعادة.

التوصية التونسية:

بعد أن تمّ إدراج الإيقاظ الفكريّ ضمن برنامج الإجازة التّطبيقيّة لعلوم التربية التي ستخرّج الدّفعات الجديدة من أساتذة المدارس الابتدائيّة بداية من سنة 2019، لم يبق لوزارة التّربية إلا أن تشرع، وفي وقت قريب، بتعويض حصص الحوار المنظم التي تتمّ فيها الممارسات البيداغوجيّة على نحو يتّسم بالارتجال وضعف المردوديّة لغياب الأدلّة والمحامل المناسبة، أن تشرع في تعويضها بمادّة ” الإيقاظ الفكريّ ” لما يمكن أن يكون لهذا النّشاط من عميم فائدة كنّا أتينا على بعضها طيّ هذا المقال. وما هذا بعزيز ما دام الحيز الزّمنيّ متوفّر ومشروع الإصلاح مفتوح.

اليونسكو ودورها في إقرار تدريس الفلسفة للأطفال:

سنة 1999 نشرت اليونسكو تقريرًا أعقب مؤتمرًا للخبراء التربويين في العالم توصي من خلاله الدّول بتعميم ممارسة الحوارات ذات المنحى الفلسفيّ منذ المرحلة قبل المدرسيّة. واليوم تتبنّى أكثر من 70 دولة في العالم هذا المشروع.

 

الخاتمة

لقد باتت الفلسفة للأطفال اتّجاهًا عالميًّا اقتنعت بضرورته عديد الأنظمة التربويّة في العالم وأدرجته في مناهجها، فنحن عندما نضع الأطفال على مسار الفكر الفلسفي في عمر مبكر، نستطيع منحهم هدايا لا تعوض: الوعي الأخلاقي والجمالي والسياسي بأبعاد الحياة، والقدرة على التعبير عن الأفكار بوضوح وتقييمها بصدق، والثقة في ممارسة التقييم المستقل والتصحيح الذاتي.

ما هو أكثر من ذلك، التقديم المبكر للحوار الفلسفي سيعزز احترامًا أكبر للتنوع وتعاطفًا أعمق مع تجارب الآخرين، وكذلك الفهم الضروري لكيفية استخدام العقل والمنطق في حل الخلافات.

 

المصادر:

(1)- https://qz.com/635002/teaching-kids-philosophy-makes-them-smarter-in-math-and-english/

(2)-رشيد العلوي، تعليم الفلسفة للأطفال في بعض التجارب الدولية، قسمالفلسفة والعلوم الإنسانية، جامعة الدّار البيضاء ،    www.mominoun.com ، 1أوت 2015



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك