طفلي يعاني من التوحد! الحقيقة الكاملة

26 نوفمبر , 2016

بعد انتظار دام لشهور طوال إن لم نقل لأعوام، مليئة بالتعب الجسدي والنفسي، يأتي طفلك إلى الكون لتزول برؤيته كل آلامك، ويملأ قلبك وروحك بحبه  في أطهر علاقة حب عرفتها البشرية ألا وهي “الأمومة”، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتك تتحملين فيها المسؤولية الكاملة عن نمو وسلامة هذا الكائن الملائكي الذي وهبه الله لك، وكان بحق نعمة تستحق الشكر، ووسط الضغط الناتج عن ثقل هذه المسؤولية قد تغفلين عن بعض الأعراض التي قد تبدو على طفلك  لتكتشفي بعد مرور فترة من الزمن أنها لم تكن سوى أعراض إحدى الأمراض  الأكثر انتشارًا في أيامنا هذه، ألا وهو “التوحد”، هذه الأعراض التي ربما قد تبدو في البداية عادية جدًا، ثم تتطور لتشكل أزمة حقيقية قد تغير مجرى حياة طفلك وحياتك على حد سواء، وعدم قدرتك على التعايش مع واقعك الجديد أو بالأحرى كونك غير  مؤهلة بشكل جيد لتقبل حالة طفلك قد يزيد الوضع تأزمًا وحدّة.

فما هو التوحد؟ وهل يمكن معرفة أعراضه منذ الشهور الأولى؟

بداية دعونا نعرف التوحد، فكثرة الحديث عن هذا المرض في الآونه الأخيرة خلقت نوعًا من الخوف وعدم القدرة على تحديد ماهية هذا المرض لدى كثير من الأمهات. يعرف التوحد على أنه اضطراب عصبي يؤثر في تطور الفرد وله تأثير على سلوكه وإدراكه، يضعف من قدرة الطفل على التواصل والتفاعل الاجتماعي، ويتميز المرض بوجود ثلاثة أعراض محددة: ضعف في التفاعل الاجتماعي، وضعف في التواصل، واهتمامات وأنماط سلوكية مقيدة ومتكررة.

وتقول الدكتورة “زهرة وهيب خدرج” أنه من  الممكن ملاحظة أعراض التَّوَحُّد بعد الأشهر الستة الأولى من حياة الطفل، وقد لا تظهر الأعراض واضحة قبل الثالثة من العمر، ويشخص المرض عادةً استنادًا إلى السلوك الملاحظ، وتحدد بداية ظهور الأعراض بذلك السلوك الذي يظهره الأطفال الرضع المصابون بالتوحد، كاهتمام أقل بالمؤثرات الاجتماعية، يبتسمون وينظرون إلى الآخرين قليلًا، وقليلًا ما يستجيبون عند مناداتهم.

ويختلف الأطفال الصغار الذين يعانون من التوحد بصورة لافتة للنظر عن غيرهم، فعلى سبيل المثال: يقل لديهم التواصل مع الآخرين عن طريق العين، ولا ينتبهون إلى أخذ دورهم في أثناء الكلام للتفاعل مع الناس، وليست لديهم القدرة على استخدام الحركات البسيطة وإيماءات الجسد للتعبير عن أنفسهم.

الأطفال في سن 3- 5 سنوات: قليلًا ما يظهرون القدرة على الفهم الاجتماعي، والاقتراب من الآخرين من تلقاء أنفسهم، وتقليد الرد على الانفعالات، والتواصل غير اللفظي، والتفاعل مع الآخرين، ومع ذلك يُلحظ أنهم يكونون روابط مع من يقدم لهم الرعاية الأساسية مثل الأم أو الحاضنة، ويظهر هنا ارتباط التوحد بنوبات الغضب والعدوانية وتدمير الممتلكات، كما يعاني الأطفال المتوحدون من ضعف في اللغة مصحوب بالعديد من أنماط السلوك المتكرر أو المقيد، مثل: تكرار الحركات نفسها، مثل رفرفة اليدين، أو دوران الرأس، أو اهتزاز الجسم، والالتزام بقواعد محددة، مثل ترتيب الأشياء على هيئة أكوام أو صفوف، والقيام بسلوكيات مقاومة للتغيير مثل: الإصرار على ألا ينقل الأثاث من مكانه، وعلى ألا يقوم أحد بإيقافه عن ممارسة الطقوس التي يلزم نفسه بها، وسلوكيات مقيدة مثل الاهتمام بنشاط محدد، كالانشغال ببرنامج متلفز واحد أو الانشغال التام بلعبة واحدة وعادة ما يوجه الطفل المتوحد الأذى لذاته، مثل: عض اليد، أو ضرب الرأس.

أعراض لا بد من الانتباه لها

وتشير الدكتورة أن هناك مجموعة من العلامات والأعراض التي على الأهل الانتباه إليها، لأنها قد تشير إلى أن الطفل لا يتطور بصورة طبيعية، وأنه مصاب بالتوحد:

– إذا كان الطفل لا يستجيب لأصوات أفراد عائلته ولا يلتفت إليهم خلال الأشهر الأولى من عمره؛ فهذا يدعو إلى القلق، وربما يحتاج إلى استشارة.

–  الأطفال المصابون بالتَّوَحُّد نادرًا ما يقلّدون الآخرين ويتفاعلون باستعمال إيماءات الجسد، على العكس من الأطفال الطبيعيين الذين يقلدون الأشخاص المحيطين بهم بتعبيرات الوجه وإيماءات اليدين، والجسم.

– الحركات الجسدية للطفل المصاب بالتَّوَحُّد تكون غير طبيعية، فيصعب عليه البقاء ساكنًا في مكانه ويواصل التنقل من مكان إلى آخر، ويستمر بممارسة حركات متكررة مثل: الدوران، أو التصفيق، أو الرفرفة بذراعيه.

– الطفل الطبيعي يستجيب لمشاعر الآخرين بطريقة ما، كأن يحاول مواساة شخص حزين أو يمسح دموع والدته عندما تبكي. إلخ، أما الطفل المصاب بالتوحد فلا يستجيب لمشاعر الآخرين، ولا يتضامن معهم.

–  لوحظ في دراسة جديدة أن الطفل المتوحد لا ينظر إلى عيني الشخص المتكلم، إنما يركز نظره على فمه كيف ينطق بالكلمات.

طفلي مختلف ، كيف لي تقبل ذلك؟

لا يتقبل الكثير من الأولياء فكرة أن ابنهم لا يقدر على النطق وبأنه غير طبيعي  إذ يعتقد البعض أن المشكلة في النطق فقط، وربما قد يصبح الجهل بحقيقة هذا المرض جريمة حقيقة بحق هذا الطفل، إذا ما اقترنت بتلك الخرافات الشعبية المنتشرة. حاولت أن أجمع بعضًا من تلك الموجودة في المجتمع الجزائري على سبيل المثال، فالبعض يعتقد أن عدم القدرة  على النطق سببها جني يربط لسان الطفل ويمنعه من الكلام وسيغادر جسده  بعد جلسات رقية. وهناك من يعتقد أن الطفل دمه ثقيل آو لسانه ثقيل عن الكلام  فيلجأ إلى طرق شعبية وخرافات قديمة جدًا، كتجميع 7  ألسنة خروف في عيد الأضحى من عند الأقارب والجيران، يأكل الطفل جزًءا منها فتفك عقدة لسانه، آو اطلاعه على جزء من الصرة التي تنزع منه عند ولادته لينفخ عليها، كل هذه الترهات جعلت بعض الأولياء يتقاعسون عن  الإسراع في عرضهم على المختصين لتدارك الوضع قبل أن تتعقد الأمور أكثر.

من هنا يتجلى أن المشكلة الأساسية هي مشكل تقبل الوالدين لحقيقة مرض الطفل بداية، ومن ثمة وجود حالة من الوعي العام وسط ندرة إن لم نقل انعدام تام لتلك الدورات التأهيلية التي تساعد الأولياء على معرفة حقيقة ما يعانيه طفلهم، وكذا معرفة دورهم في علاج الطفل وتنمية قدراته، فضلًا عن عدم وجود مراكز متخصصة في استقبال أطفال التوحد وتعليمهم بدرجة أولى، فنحن نتحدث عن شريحة لا يستهان بها، فحسب آخر الاحصائيات نحن نتحدث عن 85 ألف طفل مصاب في الجزائر وحدها، تتراوح أعمارهم ما بين 15  شهرًا و17 سنة! حيث يتصدر داء التوحد قائمة الأمراض العقلية التي يتعرض لها الأطفال في وقت يكاد ينعدم التكفل به، ليجد أولياء  هذه  الشريحة من الأطفال المهمشين  في مجتمعنا أنفسهم مكتوفي الأيدي، ينتظرون فرص  المتابعة الطبية  بالمراكز المختصة في الأمراض النفسية والعقلية الذي يتولى فيها فريق طبي في المجال من مختصين في الارطوفونيا والطب النفسي والحركي معالجة الحالات بضمان متابعة نوعية. حيث تعيش الآلاف من العائلات الجزائرية في متاهات بسبب شبه انعدام تام للتكفل بأطفال التوحد، وإهمال القدرات العملاقة التي يمتلكها معظمهم. والتاريخ يشهد على نماذج لأطفال أصيبوا بالتوحد واستطاعوا أن يصنعوا ما لم يصنعه الكثيرون.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك