علماء بلا أخلاق: كيف يتلاعبون بالعلم؟

17 فبراير , 2017

للأسف، يبدو أن اكتظاظ جامعتنا العربيّة بالطلبة لا يعني بالضرورة أن للعلم عندنا مكانة خاصة، بل كأنها مُجرد عادة من عاداتنا الاستهلاكيّة، فقد غدا العلم سلعة والذكاء كُل الذكاء أن نحصل عليه بأي ثمن، حتى إن إعلاناتٌ مثل “دكتوراه للبيع” لم تعد مُستغربة بل مُنتشرة بشكل “وقح” في الأسواق، كما أن أكثر من ثلثي طلابنا باتوا يعتمدون على الغش للنجاح، وليس أشنع من هذا كُله إلا أن تجد الإعلام يروّج لبعض ممن يُطلق عليهم “عُلماء” و”مخترعون” لمُجرد أنهم قاموا بتجارب علميّة لقيت شعبيّة لدى العامة، وكل هذه الظواهر لا تنحصر فينا كعرب أو مسلمين فقط بل هي عالمية، ولكنها في بلادنا أعظم كما سنرى في التقرير التالي الذي يُحاول أن يسلّط الضوء على الفساد الواقع في المنظومة الأكاديمية!

دكتوراه للبيع!

في عالم يتصارع ويتسارع في تحصيل الألقاب، يكاد يكون طبيعيًا أن تتجول في شوارعنا العربية لترى إعلانات مُغرية لمُساعدتك على شراء بحثك العلمي، والأمور لا تنحصر في مصر أو في العراق بل نجده في فلسطين والإمارات وغيرها من الدول العربية، كما أنها دخلت عالم التجارة الإلكترونيّة حتى صار بمقدور “العربي” شراء بحث تخرّجه وهو جالس أمام الحاسوب في منزله ودُون أي جهد، إلا أن يدفع بضعة قروش!
في العراق، قدّر أحد الطلبة أن ثلاثة أرباع الطلبة يعتمدون على هذه الخدمات لإنجاز بحث التخرج، وذلك ضمن تقرير للعربي الجديد، وفي تحقيق آخر متميّز لوكالة فلسطين اليوم حول الظاهرة، يتبيّن أن الوضع في غزّة لا يقل خطورة عنه في بغداد، فالأبحاث أرخص بكثير ويصل ثمن رسالة الماجستير إلى حوالي ألف دولار فقط، بيد أنها في قد تكلّف من 4000 إلى 6000 آلاف دولار في بغداد، أما في مصر فإن الأسعار تختلف بحسب التخصص والموضوع ولكن الأسعار تبدأ من 10 آلاف جنيه وقد تصل إلى 25 ألف كما جاء في تحقيق لموقع أخبار اليوم.
بالنسبة للدكتوراه، يكفيك أن تدخل إلى أي مُحرك بحث وتكتب “دكتوراه للبيع” لتجد وابلًا من العروض مع أرقام للتواصل بشكل علني. وبحسب موقع الأهرام فإن تكاليف شراء لقب “دكتور” في مصر يصل إلى حوالي 3500 دولار فقط، ويُمكن الحصول عليه بعد الثانوية العامة بثلاثة أشهر فقط!

اختراع المخترعين!

في بلادنا، لا تُشترى ألقاب الدكتوراه فقط، بل وبكُل بساطة يُمكن أن يتحوّل المرء إلى مُخترع ويكفيه لذلك الدخول إلى مواقع الإنترنت والعثور على فكرة أجنبية، والأهم أن يجد له آلة إعلاميّة تروّج له اختراعه هذا، تمامًا كما حصل مع “إبراهيم عبد العاطي” مُخترع جهاز علاج فيروس التهاب الكبد الوبائي والمعروف إعلاميًا بـ”جهاز الكفتة”.
بعد عامين من الاحتفال بجهاز الكفتة، أحيل المسؤولون عن “الاختراع” للمحاكمة، علمًا بأن الإعلام المصري لا يزال يروّج للكثير من الأفكار العلمية التي تُطبق في بعض المدارس الإعدادية في العالم باعتبارها “اختراع مصري 100%”، مثل فكرة تحويل زيت الطعام إلى “بيوديزل” وهي فكرة بسيطة يُمكن لأي شخص أن يتعلمها من آلاف المرئيات المُتاحة على الشبكة العنكبوتية، مثل فكرة اختراع سيارة تعمل بالماء التي أبهرت “السيسي” فقام بتكريم “المخترع” الشاب مع أن فكرته ليست إلا تطبيقًا لفكرة قديمة.
هذا “المخترع” الذي حظي بشعبية عظيمة بعد مقابلة “السيسي” يزعم أنه اخترع أفضل تردد لاستخراج الهيدروجين من المياه من وحي القرآن وموقع الكعبة من الكرة الأرضية، ويتحدث عن النسبة الذهبية كما صرّح لقناة “الرحمة”، بيد أن معظم التقارير التي تناولت اختراعه لم تهتم بالجانب العلمي من التجربة بقدر اهتمامهم بفكرة إمكانية تشغيل السيارة بالمياه، وكأنها بالفعل سبق علمي “مصري” عظيم.
صناعة المُخترعين ليست حالة مصريّة فقط، فلطالما احتفل الإعلام العربي بشخصيات روّج لها أنها مُخترعة أو حاصلة على جوائز كُبرى مع أنها ليست إلا مُجرد أعضاء في فرق بحثية عالمية، تقوم بما يقوم به أي باحث مع فريقه بشكل يومي، بينما نفاجأ أن يتحوّل هؤلاء إلى أبطال قوميين.

التلاعب بالعلم

شراء الأبحاث والألقاب كما صناعة النجوم ظاهرة من ظواهر عديدة تعكس تراجع العلم والتعاطي معه حول العالم، وحتى عندما نتحدث عن البحث الأكاديمي أو حتى الصحافة العلمية، فإن الوقوع في المحظورات بات أسهل من أي وقت مضى حيث يذكر الباحث السويسري برونو فري في مقالة له بعنوان: “تهالك النشاط الجامعي؟” – بالإنجليزية: Withering Academia؟- أن الضغوط التي يتعرض لها الباحثون والكتاب اليوم تجعلهم يضطرون لممارسة الغش وتزييف الحقائق، وكذلك سرقة الأفكار من أجل التقدّم في السلم الوظيفي أو كي تحظى الجامعة بمرتبة أفضل في اختبارات التقويم.
يؤكد الباحث أن انحسار الاهتمام بالمضمون وانشغال الكُتاب بالنشر بوتيرة سريعة جدًا، قبل أن يتم اتهامهم بالكسل هو الذي يجعلهم يضطرون إلى توظيف طلابهم كي يبحثوا لهم عن الحقائق المتعلقة بالبحث، وطالما كانت هذه الحقائق غير معارضة للنظريّات التي يحاولون تأكيدها، فما يحصل أنها غالبًا ما تُترك دُون التأكد منها، وهو أمر صعب جدًا بالنظر إلى وتيرة النشر المطالبين بها، وبالتالي لم يعد من الصعب أن توجد حقائق علمية مزيفة في مجلّات علميّة مثل Nature أو Science. وليس هذا فحسب، حيث يشير إلى دراسة اعترف خلالها الباحثين أنهم قاموا بالتعامل مع الحقائق بأسلوب غير علمي كتقويمها حسب “هوى” الباحث أو حتى تجاهل ما يتعارض منها مع نظريّاتهم.
وإذا كان هذا الحال في هذه المجلّات والأبحاث العلمية، فكيف الحال في بلاد العرب؟ الأكيد أن الوضع أسوأ بكثير، والأكيد أن الكثير من حملة الشهادات في بلادنا العربيّة لا يستحقونها كما أن الكثير من الأبحاث العلميّة ليست لأصحابها أصلًا، فكيف تكون علميّة وصادقة؟ أما الصحافة العربيّة، فيكفينا النظر في بعض التقارير التي اخترع أصحابها وحدة قياس جديدة هي “لتر مكعب” أو حتى تلك التي تخيّل أصحابها أن إنتاج الغاز من روث الحيوانات أو البيوديزل من زيت الطعام على أنها اختراع وطني عظيم، كي نُدرك حجم الكارثة!


مصادر
سرقة الأفكار وسرقة الأموال! – المدينة

Withering Academia? – Department of Economics

مصر..المسؤولون عن جهاز الكفتة لعلاج فيروس “سي” للمحاكمة – العربية.نت …

دكاكين عراقيّة لبيع بحوث التخرّج والأطروحات – العربي الجديد
البحوث الجامعيّة الجاهزة… ظاهرة منتشرة بين طلاّب الجامعات في قطاع غزّة

تجارةُ الأبحاثِ العلميةِ.. البكالوريس 150 دولارًا … – وكالة فلسطين اليوم

الماجستير بـ25ألف جنيه.. الدكتوراه بـ50 ألف … – مؤسسة أخبار اليوم

3500دولار للدكتوراه حسب التخصص : شهادات علمية للبيع – الأهرام اليومي



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

علياء كيوان
علياء كيوان منذ 4 شهور

مقال رائع ، بارك الله فيك

[…] وعلينا أن نقف لهم بالمرصاد … والسارقون وبحسب مقال “علماء بلا أخلاق .. كيف يتلاعبون بالعلم؟” عمر عاصي – ألمانيا،  لم يعودوا يخفون سرقتهم، فقد […]

أضف تعليقك