عندما يطرح الصغار أسئلة نعجز عن الإجابة عليها

23 ديسمبر , 2015

صدفة جميلة هي، فقد كنت أنوي التطرق لموضوع الأطفال فائقي الذكاء وسبل الاعتناء بهم وتنمية مواهبهم، ليأتي اقتراح  بتخصيص مقال قضية الشهر لموضوع الحوار مع طفل لا يتعدى عمره الثامنة، ويدفعني للكتابة عن نور الدين، الطفل الذي قابلته قبل مدة قصيرة ودفعني دفعًا لتغيير نظرتي السلبية نحو أطفال الجيل الجديد.

إبن الجيران، لا يتعدى عمره سبع سنوات، أتى برفقة والدته لزيارتنا، كنت ممتعضًا في البداية، فأنا لست من هواة لعب دور جليس الأطفال، خصوصًا وأن النسوة سينشغلن بأحاديثهن التي لا تنتهي.

أدخلته إلى غرفتي وهممت بتشغيل الحاسوب، فتجاوزني بسرعة وضغط على زر التشغيل بنفسه.

أعرف كيف أشغله لوحدي يا صديقي “عبمجيد” !

عقدت ساعدي أمام صدري وأنا أتابعه ببصري، قبل أن أقول :

هل تريد مشاهدة مسلسل رسوم متحركة، أم تفضل الألعاب الإلكترونية؟

لا…أنا كبرت…هذه أمور خاصة بالصغار!

ابتسمت لملاحظته، فسألته:

ماذا تريد إذًا؟

أجابني ببراءة:

أريد خريطة للعالم، مثل هذه التي تعلقها في غرفتك!

كان يقصد خريطة قديمة أعلقها منذ زمن طويل في غرفتي، كانت من هدايا مجلة العربي الكويتية وتضم عرضًا لانتشار الإسلام منذ العصر النبوي وحتى يومنا هذا.

حسنًا، كما تريد، يبدو أنك تحب الجغرافيا.

أحب خريطة العالم عواصم الدول، لا أحب هذه الجغ…جغ…ماذا قلت ؟

اتسعت ابتسامتي وأنا أجيبه :

إسمها الجغرافيا.

بحثت عن موقع خرائط جووجل على الشبكة العنكبوتية، ثم عرضت الخريطة أمامه، فقال :

نعم، هذا ما أريده يا صديقي “عبمجيد” شكرًا…

إعتقدت أنه سينهمك في مشاهدة الخريطة، لكنه لم يلبث أن أضاف:

صديقي، عندي سؤال، لماذا تختلف خريطة الحاسوب عن خريطة الحائط ؟ هذه الخطوط هنا مختلفة !

تقصد الحدود ؟ إنها تختلف وتتغير مع مرور الزمن.

سألني بنفس نبرته البريئة:

لماذا ؟

أجبته وأنا أبحث عن طريقة لإفهامه المعنى بشكل مبسط:

إنها حركة التاريخ الذي يتغير ويتطور مع الزمن، كم من دولة كانت كبيرة صارت اليوم صغيرة، وكم من دولة صغيرة صارت اليوم كبيرة، وهكذا…

هل تعني أن ال ٢٢ دولة عربية لم تكن هكذا في السابق؟

حاولت تغيير دفة الموضوع وأنا أقول:

رائع، أنت تعرف عدد الدول العربية إذن!

بالطبع، ويمكنني ذكرها أيضا : المغرب، الجزائر، تونس، موريتانيا، ليبيا، مصر، السودان، فلسطين، لبنان، سوريا، الأردن، السعودية، قطر، الإمارات، البحرين، عمان، الكويت، اليمن، العراق، جيبوتي، الصومال وجزر القمر.

لم أستطع إخفاء إعجابي، فقلت :

كيف حفظتها عن ظهر قلب؟

فوجئت به يقترب مني بسرعة، قبل يطلب مني الإنحناء ليهمس في أذني :

صديقي “عبمجيد”، سأعترف لك بسر!

قل، لا تخف…

أنا أقرأ كل الكتب التي يحتفظ بها بابا في مكتبته، هو دائمًا يقول أنني ما زلت صغيرًا، لكنني أرفض هذا، وأنتظر خروجه للعمل هو وماما حتى أقرأ، هناك موسوعات جميلة ملونة، لا أفهم كل شيء لكنها تعجبني.

بدا الإنبهار واضحًا على محياي، وكنت على وشك التفوه بكلمة ما، لكنه قاطعني قائلاً بغضب مفاجئ:

أنت مخادع، لن أناديك بصديقي، لماذا لم تجب على سؤالي؟ هل كانت ٢٢دولة عربية هكذا في السابق أم لا؟

قلت في أعماقي :

ما شاء الله، أنت أذكى مما كنت أتصور.

ثم وجهت كلامي إليه قائلاً:

إسمع، كما قلت لك، فالتاريخ يتغير ويتطور، الدول العربية كانت واحدة في السابق، لكنها تغيرت وتحولت إلى ٢٢ الآن.

بدا على محياه أنه لم يكتف بهذا الكلام، ويريد المزيد، وأنا لا أريد الخوض في موضوع معقد كهذا، فأتى الفرج من والدته التي نادته قائلة:

نور الدين، حان وقت ذهابنا.

ثم أضافت بعد دخولها إلى الغرفة:

آسفة يا عبد المجيد، يبدو أنه قد أزعجك بكثرة أسئلته !

أجبتها:

بالعكس، ما شاء الله عليه، سيكون لهذا الطفل الذكي شأن كبير في المستقبل بإذن الله، فقط أحيطوه بالعناية اللازمة وأوصي والده بالسماح له بقراءة الكتب التي يحتفظ بها في مكتبته.

اعترض هو كلامي قائلاً:

أيها الخائن، لقد كشفت سري !

أما والدته فرغم صمتها إلا أنني لاحظت تحرك شفتيها بطريقة تدل على تلاوتها للمعوذتين في سرها، فمن الواضح أنها تخاف على إبنها من الحسد، قبل أن تقول :

  • حسنًا، شكرًا لك يا عبد المجيد، هيا بنا يا نور الدين، قل وداعًا لصديقك.

جاء نحوي وأصر على احتضاني، فودعته وأنا أتمنى صادقًا من كل قلبي أن يحظى بالعناية اللازمة، فهذا الطفل الذكي يستحقها، فقط وجب على والديه تفهمه وتوجيهه، وعدم الإنجرار إلى فخ الحماية المفرطة والخوف من الحسد، والتي نعاني منها في مجتمعاتنا العربية وبسببها دمر مستقبل الكثيرين وأقبرت مواهبهم رغم تميزها وتفردها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك