فضاء الرسوم .. لُغتنا الجميلة والهوية المفقودة

11 فبراير , 2018

لطالما اعتقدت بأنني لا أنتمي سوى لعالم الرسوم والكارتون، هذا العالم الرائع المليء بالمغامرات والمشاعر والأحداث التي لا تنتهي يعطيك دروسًا مستمرة في فن الحياة، ويُشعرك بأنك على قيدها طَوَال الوقت.

 

كل ما أنا عليه الآن أدين به للكثير من الأشخاص والأصدقاء الذين خاضوا معي مغامرة الحياة، ولكن أذكر نفسي دائمًا بأن هناك دَيْنًا كبيرًا داخلي لعالَم الرسوم.

 

هذا العالم الذي عشته بشكل مثالي من متابعتي لقناتي المفضلة سبيس تون، وأعتقد الآن أن هذا الاسم كان أفضل اختيار يصف طبيعة ما قدمته لنا هذه القناة.

 

فضاء الرسوم فضاء نحيا فيه، نخططه، ونرسمه، فضاء احترم عقولنا الصغيرة ومشاعرنا الإنسانية فعمل على أن يظهر لنا طبيعة الحياة دون قسوة أو عنف في تعبيره عن حقائقها.

 

الحياة ليست سهلة! نعم.. ليست سهلة على الإطلاق، لذلك لا يمكنك أن تنشئَ طفلًا صغيرًا على مبادئ ساذَجة، وتجعله غير قادر على فهم طبائع البشر وتقلباتهم؛ ليصطدم بالواقع عندما يكبَر، ويكتشف مدى هشاشته في مواجهته، كيف تصنع المعادلة الصعبة في أن تخبر طفلًا بالحقيقة دون أن تغتال براءته، وتقويه وتشجعه على خوض غمار الحياة دون أن ينسى البداية والأصل، كيف تزرع فيه كل تلك الثوابت والمبادئ؟

 

الإجابة جاءت في شكل عمل لا قول، عمل يحترم العقول والمشاعر من فناني الرسوم اليابانيين الذين أثرَوْنا بروائع القصص والأدب العالمي في شكل مسلسلات رسوم متقنة ومُلهِمة.

 

صدَّرُوا لنا ثقافتهم الرائعة عندما دمجوها في قصص وحكايات الشعوب المختلفة، على غير المتوقع والمعتاد، لم يكتفوا بأنفسهم مصدرًا واحدًا لهذا الفن، ربما كانوا على يقين بأن جميع البشر متشابهين؛ لذلك فضلوا أن يقدموا حكاياتهم بمختلف جوانبها وثقافتها.

 

من عالم كرة القدم الذي لم تَبْرَع فيه اليابان، قدموا لنا نموذج الكابتن ماجد، الرياضي الخلوق، الذي أحب كرة القدم بوصفها صديقة له، فاحترمها، واحترم خصومه قبل أصدقائه، وعلمنا كيف نحب اللعب والرياضة، حتى أصبحنا نضرب به المثل عندما نشاهد لاعبًا ماهرًا في الحقيقة، فنطلق عليه مرحًا أنه الكابتن ماجد!

 

ومن حَوَارِي إيطاليا حيث منظفوا المداخن الصغار الذين يستغل الطامعون حاجة أهلهم؛ فيقومون بتسخيرهم لتنظيف المداخن دون مراعاة لضررها على صحتهم، وفي مقابل بَخْس يدفعونه كل شهر لذوي هؤلاء الصغار، تستمر المعاناة، ولكن يستمر معها الأمل النابع من الصداقة التي تنشأ بين هؤلاء الصغار، فخرجت لنا واحدة من أجمل قصص الرسوم التي قدمتها الصناعة اليابانية “عهد الأصدقاء”.

 

 

أتذكر يوم وفاة أحد أبطال المسلسل كم ظللت أبكي أنا وأختي وصديقتنا حزنًا على فراقه، كنا نشعر بنفس قدر الألم الذي يشعر به صديقه العزيز، وحتى الآن لا أستطيع أن أنسى هذه المشاعر، وأصبحت أرى هذه الصداقة في أعين الأطفال الصغار العاملين الذين أصادفهم في الشارع وأتساءل ترى من منهم مثل “روميو” و”ألفريدو”؟

 

ولا داعي لذكر تفاصيل مسلسل “أنا وأخي” فقط شارة البداية تدفعنا للبكاء بشدة حتى تنتهي، ويبدأ المسلسل الذي يحكي كيف تحولت مشاعر الأخ الأكبر “سامي” تجاه الصغير “وسيم” بعد وفاة والدتهم في محاولة لفداء الصغير في حادث سيارة.

 

 

وعلى ذكر الشارات لا يمكنني أن أتحدث عن عالم الرسوم، دون الحديث عن عظماء اللغة العربية والتعليق الصوتي والغناء الذين برعوا وقدموا لنا على مدار سنوات أفضل ما لديهم في محاولة دبلجة هذه الرسوم بلغتنا الجميلة، في بهاء ورقي دفعنا لأن نتعلم اللغة، ونتحدث بها قبل أن ندرس كافة قواعدها في المدرسة.

 

وهذه الموسيقا والكلمات التي تفتتح لك كل مسلسل تخبرك بالمعنى والقصة دون إطالة في شكل جذاب وساحر مع أصوات شجية اختيرت بعناية لإيصال هذا المعنى. لفترة طويلة جدًّا لم أكن أستمع لأي أغاني؛ لأنني اكتفيت بسماع أغاني مسلسلات الرسوم، وعملت أنا وأختي على حفظها وتجميعها في ملف خاص على جهاز الكمبيوتر حتى نستمع إليها في أي وقت نشاء، وكلما واجهتني المصاعب أو المواقف السيئة في حياتي كنت أتوجه لسماع هذه الأغاني لتقوية روحي وتذكرة نفسي بأن هذه المبادئ التي يجب علي التمسك بها، هكذا نشأت وهكذا سأظل.

 

تذكرت كل هذا وأنا أشاهد هذه الحلقة من برنامج تلفزيوني شهير، قرر تخصيص حلقتين لذكريات الطفولة واستضافة أبطال طفولتنا الخفيين العاملين على هذه الصناعة الرائعة، وتخيلت أنها ستحظى بعدد كبير من المتابعين؛ لأننا الأبطال الصغار كبرنا الآن، وأصبحنا شبابًا، ونرغب في استعادة الذكريات.

 

لكن ما حدث هو أنها أثارت ضجة أكبر بكثير مما تخيلت، التعليقات والمشاركات على قنوات التواصل الاجتماعي كانت جنونية!

 

كانت الحلقة شرارة اليقظة للكثيرين الذين تاهوا في غياهب الحياة، وفقدوا هويتهم، ثم استعادوها مرة أخرى عندما تذكروا البدايات، والشعور بالانتماء.

 

من أين أتينا وإلى أين نذهب؟

هذه هي الأسئلة المهمة التي يجب علينا أن نتذكرها، ونحاول أن نجيب عليها، ونحن نحيا اللحظة الراهنة.

سنظل نبحث دائمًا عن الانتماء، سنفتش في أعماقنا والبدايات، وسنجده دائمًا في قلوبنا، حيث زُرعت المحبة الخالصة، والهوية التي لا نحتاج للبحث عنها، فقط علينا أن نسير وراء قلوبنا لنعرف الإجابة عن الأسئلة من نحن؟ من أين أتينا؟ وإلى أين نذهب؟

 

شكرًا لكل من قام بعمله بحب وإخلاص، شكرًا لمن حافظ على هويتنا، شكرًا لمن زرع المحبة والإنسانية والصدق في قلوبنا، شكرًا لمن يُذَكِّرنا دائمًا بحقيقتنا وذواتنا، نحن شباب المستقبل، القادمون من الفضاء الخيالي، حيث يُصنع الأبطال الصغار 🙂



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك