فهم الذكاءات المتعددة: عندما تصير التفاحة موضوعًا تعليميًا ثريًا وشائقًا

18 نوفمبر , 2015

بزغت نظرية الذكاءات المتعددة في أول إصدار لها في كتاب “أُطُر العقل: نظرية الذكاءات المتعددة” عام 1983، ألّفه عالم النفس الأمريكي هوارد جاردنر أستاذ الإدراك والتعليم في جامعة هارفارد، ورأى غاردنر أن الذكاء الإنساني أكثر تشابكًا وأعمق أبعادًا من اختزاله في تصور عام أو معايير جامعة، وأوسع مجالًا من قصره على العمليات العقلية المتعلقة بالمعرفة والإدراك والاستدلال والقدرة العددية، ومن ثم قامت نظريته على وجود 8 مجالات على أساسها يمكن وصف صاحبها على أنه “ذكي” أو “متميز” في بعضها، واضعًا في الاعتبار أن لكل فرد نمط ذكاء هو الغالب عليه، وبالتالي لم يعد الذكاء حكرًا على أفراد، وإنما جل ما في الأمر تفاوت الأفراد في جوانب الذكاء ليس إلا.

وأنماط الذكاء الثمانية (الأساسية) كما يعرفها جاردنر:

ذكاء سماعي – إيقاعي

ذكاء بصري – فراغي (متعلق بالفضاءات والمساحات والتصورات)

ذكاء لغوي – تعبيري

ذكاء منطقي – حسابي

ذكاء بدني – حركي

ذكاء اجتماعي – تواصلي

ذكاء عاطفي – باطني

ذكاء طبيعي – بيئي

ساهمت هذه النظرية في تطوير وسائل التعليم وتغيير النظرة الجامدة للمتعلم، فلم يعد هناك وسيلة واحدة فقط لإيصال العلم بحيث من لا يفهم من خلالها يصنف تلقائيًا على أنه غبي، ولا يعني تفاوت المتعلمين في التلقي عن المعلم فشله في الأداء، وإنما بيّنت هذه النظرية ما صار يعرف الآن بأنماط التعلم المختلفة للمتعلمين.

اهتمام كل معلم ومربٍّ – بما في ذلك الوالدان – بالتعرف على أنماط التعلم المختلفة، وتوجيه المتعلمين للتعرف على أنماطهم ركيزة من ركائز التعلم الناجح والإثمار السوي، بخلاف الشائع من قولبة المتعلمين في قوالب دراسية لا تفهم ومن ثم لا تعرف كيف تراعي فروق سبل التعلم.

لنقل مثلًا إن طالبًا ذا ذكاء اجتماعي وُضع في نفس المجموعة مع طالب ذي ذكاء ذاتي/باطني. الأول سيميل تلقائيًا لصور التعبير الظاهرية وربما الجهرية وسرعة الأداء، في حين الثاني سيتسم بالميل للتركيز والقراءة الهادئة وربما أخذ وقت أكبر في الفهم لأنه “يتأمل” ما يتلقى ولا يكتفي بمجرد الاستقبال، ما لم يكن المعلم والطالبان على دراية بطبيعة هذه الفروق، ستبدأ القوالب النمطية في تشخيص أحدهما على أنه النجم اللامع والآخر على أنه السلحفاة البطيئة!

ومن جهة أخرى، الاهتمام بهذه النظريات وتطبيقها، يمد المعلم بعدة إبداعية وطاقة هائلة من وسائل التعليم ونقل العلم، وكمثال عملي على ذلك، لنأخذ شيئًا بسيطًا كـ “تفاحة”، ونرى كيف أنها يمكن أن تصير مدخلًا لدرس ثري عن كيفية التعرف على طرق التعبير والشعور المختلفة، بل وموضوعًا للكتابة!

مدخل (1): نمط التعلم الحِسّي (الحواسّ الخمس)

أعطِ كل متعلم تفاحة، واطلب من الطلاب أن يصفوها تبعًا لأثرها على حواسهم: كيف تراها العين، ويشمها الأنف، ويستشعرها اللمس، ويستطعمها التذوق.

مدخل (2): نمط التعلم الحدسي (الحاسة السادسة – الحدس – التخمين – البديهة)

وهذا المدخل من أثرى محفزات الخيال وطاقات التصور والتعبير الرمزي والإبداع البلاغي، تخيل ما الرحلة التي مرت بها هذه التفاحة حتى وصلت إلى يديك؟ منذ بدئها بذرة حتى انتهت لهذا الشكل والحجم أمامك، ما الذي شهدته هذه النبتة في تنقلاتها وأين يمكن أن تكون سافرت؟

كذلك إلى ما يُمكن أن ترمز التفاحة؟ لعلها رمز للصحة، أو للإشراق، أو للسعادة.. إلخ؛ وما القصص التي تستدعيها لذاكرتك للربط بها؟

مدخل (3): نمط التعلم التحليلي (العقل والتجريد)

حاول تحليل التفاحة لعناصرها الأولية، وفائدة كل عنصر على حدة، هل تتشابه في تركيبها مع شيء آخر؟ وما الفارق بين قوة العناصر منفردة ومتحدة؟ ما الغاية من الاتحاد أو الوحدة؟ وهل للانفراد منافع؟

مدخل (4) : نمط التعلم الشعوري (العواطف):

هذا المدخل يزيد من الذكاء الوجداني الذاتي للفرد، ويعزز قدرته على التعبير عن مكنوناته، وبالتالي لا يقع فريسة الفوضى العاطفية والانفعالات غير المبررة، وتثيره تساؤلات من نوع: هل تشعر أنك ستحب طعم تفاحتك؟ عبّر عن الأسباب التي دفعتك لهذا الشعور سواء أجبت بنعم أم لا، لو أن التفاحة التي بين يديك تمثل وجه شخص، من سيكون؟ ولماذا اخترته؟

كان هذا نموذجًا بسيطًا للعمق والمتعة اللتين يوفرهما أفق التعلم عن مناهج التعليم ومداخل المتعلمين، والمعلم الحق هو من يغمر طلبته بالأفكار ويوسّع آفاقهم، وليس الذي يكتفي حشوهم بالمعلومات .


مراجع :

  • “So Each May Learn”; Harvey F. Silver, Richard W. Strong and Matthew J. Perini
  • Teaching for Multiple Intelligences, Educational Leadership Periodical
  • ascd.org
  • wikipedia.org
  • موقع مهارات التدريس


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك