قضايا التعليم بالمغرب سنة 2016… وسؤال الأفق؟

15 يناير , 2017

حملت السنة الفارطة في السياسة التعليمية المغربية عدة مستجدات، وجملة من التفاعلات، لم تصب جميعها في الارتقاء بالمنظومة التعليمية لتكون نواة نهوض للدولة والمجتمع، وإنما كرس بعضها الانقسام وكشف مدى الخلل الذي تعانيه المنظومة التعليمية المغربية؛ وقد توزعت تلك المستجدات بين مبادرات رسمية تمثلها الوزارة الوصية على قطاع التعليم وغيرها مما يشكل بنية الدولة في المغرب، وبين الفاعلين المهتمين بقضية التعليم او العاملين فيه، ويتوقع أن يشتد الصدام على أرضية التعليم والتربية في المستقبل، ما دام تنزيل الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المنظومة التربوية التي قدمها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، سيتم تفعليها في إجراءات وسياسات تعليمية في السنوات المقبلة، حيث تقدم الرؤية التي قدمها رئيس المجلس الأعلى للتربية والتربية والتكوين، عمر عزيمان سنة 2015، أسسًا للنهوض بالتعليم في حدود سنة 2030.

في ضوء تلك التفاعلات يمكننا أن نحصر أهم قضايا التعليم ومشكلاته بالمغرب سنة 2016، في بعض الإشارات المقتضبة والخلاصات العامة للنقاش والتفاعلات، للنظر في الختام إلى أثر ذلك ضمن مسار مشكلة التربية والتعليم بالمغرب وآفاقها.

وقدم ذلك بسؤالين جامعين: ما هي أهم إشكالات التربية والتعليم التي أحدثت تفاعلات في السياق المجتمعي المغربي؟ وما آفاق تلك التفاعلات وتأثيرها على مستقبل التربية والتكوين في بلد يعرف تعثرا في مسيرته التعليمية يوازيه محاولات للنهوض به؟

من أشد القضايا التي أثارت سجالًا مجتمعيًا في مستهل 2016 حول التربية والعليم، نجد المرسوم الصادر عن الحكومة المغربية صيف 2015، والقاضي بـ “فصل التوظيف عن التكوين بالنسبة للأساتذة المتدربية أو ممن يتقدمون لمراكز التكوين لشغل مناصب أساتذة الغد”، وقد عرف هذا المرسوم رفضًا شاملًا وقطعيًا من الذين اجتازوا مباراة التعليم بمختلف أسلاكه، باعتبار أن المرسوم صدر في الجريدة الرسمية بعد اجتياز المباراة، وهو من الناحية القانونية لا يسري أثره على فوج سنة 2015 2016، وإلى جانب البعد القانوني أسند الرفض بمقاطعة التكوين وتنظيم سلسلة من الاحتجاجات استمرت من نهاية سنة 2015 إلى مايو 2016، بفعل تشبث الحكومة المغربية ووزارة التعليم بتطبيق المرسوم، ولم تحل معضلة الاحتجاجات على المرسوم إلا بوساطة فعاليات مدنية ومبادرة سهر عليها نشطاء من المجتمع المدني، عملت دور الوسيط بين المؤسسات الوصية على التعليم والأساتذة المتدربين دفعت الطرفين إلى تقديم تنازلات لإنقاذ السنة الدراسية، وهو ما قضى باستئناف التكوين بعد أكثر من نصف سنة من مقاطعته، ليكون مرسوم فصل التوظيف عن التكوين ساري المفعول بادية من هذه السنة، ويبرر فصل التوظيف عن التكوين أسوة بجملة من القطاعات، إلى تأهيل العنصر البشري ليكون له الاختيار بين القطاع العام والخاص، وكذا لسد الفراغ الحاصل في القطاع الخاص بالتعليم، والذي يتم سده عادة بأساتذة التعليم العمومي، فيكون ذلك إضعاف لجودة الأداء في المدارس العمومية في مقابل ارتقائه في القطاع الخاص، وقد جاء القرار لمنع الجمع بين التدريس في القطاع العام والخاص.

ثاني القضايا التي استمر بشأنها الجدل، ما ورد في بلاغ الديوان الملكي بخصوص الانفتاح على اللغات في تدريس المواد العلمية والتنقنية وكذا مراجعة مناهج التربية الدينية والنهوض بالتكوين المهني [أنظر مقالنا “الظاهر والخفي من سجال تدريس اللغات ومراجعة مناهج التربية الدينية بالمغرب..(1)”]، وكان البلاغ الذي صدر عن المجلس الوزاري يوم 6 فبراير 2016 مقدمة لجملة من التفاعلات حول الموضوعات المثارة فيه سيما أثناء إجرأتها من طرف الوزارة، حيث إن موضوع اللغات والتربية الدينية من القضايا المرتبطة بالهوية اتصالًا وثيقًا وهي أحد مكوناتها، ولم تسلم قضية الهوية حين مناقشتها في جل التجارب من اصطفافات واختلافات حادة قد أدت في بعض المجتمعات إلى التطييف والانقسام الحاد، الإثني واللغوي أو المذهبي الديني، إلى جانب صراع الأصيل والحديث في المجتمعات التي عاشت صدمة الحداثة وانعكس ذلك في صراع حول القيم التي ينبغي أن تنظم المجتمع، ومن تم كان تحوير موضوع التربية الدينية عند البعض مع توجيه انتقادات لمضامين كتب التربية الإسلامية بداعي عدم مواكبتها للعصر، وتشبث فريق آخر بالقيم الدينية باعتبارها أحد مرتكزات الهوية، وقد اشتد ذلك مع صياغة مقررات التربية الإسلامية حيث سرب للرأي العام تغيير عنوان كتب المادة من “التربية الإسلامية” إلى “التربية الدينية”، مما اشتد معه حدة السجال الذي سيدفع الوزارة الوصية إلى العدول عن تغيير مسمى الكتاب المدرسي؛ الحدة نفسها مع موضوع اللغات حيث ستواجه من طرف النسيج المجتمعي المدافع عن اللغة العربية، ويكفي ان نكرر ما كتبناه حينها في المقالة السالف ذكرها، حيث “لو كانت الغاية مواكبة التقدم العلمي لكان الانفتاح على الإنجليزية بدلًا من الفرنسية، لاعتبار الإنجليزية في سياقنا الحالي لغة العلم والمعرفة وأداة التخاطب العالمي التي يزيد انتشارها في مقابل انحصار اللغة الفرنسية وتراجعها في الترتيب العالمي، فالإبقاء على سطوة الفرنسية في التعليم والإعلام والإدارة معناه الحفاظ على التخلف ودوام التبعية بمختلف واجهاتها”.

ثالث تلك القضايا المهمة المثارة موضوعين شديدا الحساسية، أولهما مجانية التعليم، حيث نسب تصريح لوزير التعليم العالي بداية السنة الدراسية الحالية العدول عن مجانية التعليم، وهو ما وجه بانتقادات شديدة باعتبار ذلك يمس مجانية التعليم ويضر بالمدرسة العمومية، مما جعل الوزير يعدل من تصريحه ويعتبر أن الأداء مقابل التعليم سيكون خاصًا بأصحاب الدخل المرتفع، وأن مجانية التعليم لن تمس، دون أن ذلك ساريًا على الأغنياء كذلك، الذين سيفرض عليهم رسوم التسجيل، ودون ربط بسياق المجانية السابق، نجد أن الجامعات بدأت في الإجراءات الفعلية للأداء مقابل استكمال الدكتوراه بالنسبة للطلبة الموظفين، وقد عرف هذا الإجراء تطبيقه في جامعة محمد الخامس بالرباط، ومن يدري فقد تصبح الخطوة المتخذة قدوة بالنسبة للجامعات الأخرى، وهو ما قد يجعل الجامعات قبلة للسمسرة فيتم إضعاف البحث العلمي بتغييب الكفاءة بالمال؛ الجانب الآخر الشديد الأهمية هو إدخال التوظيف بالتعاقد إلى التعليم، وقد يكون هذا خطوة أولية في أفق تعميمه بداعي الارتقاء بالمردودية والجودة، ورغم أهمية المردودية فإنه قد يكون مدخلً للإضرار بالتعليم العمومي والوظيفة العمومية في قطاع التعليم، في سياق لا تحمي فيه القوانين الأطر المتعاقد معها.

إن الموضوعات المثارة سالفًا بخصوص سنة 2016، وإن كانت متفرقة دون أن يربطها خيط ناظم، فإنها تجلي حقيقة التعليم المتسمة باللاستقرار وعدم الانتظام، فالمغرب كسائر الدول التي تعرف تعثرًا في المسيرة التعليمية، يعالج إشكالات التعليم بتردد، وقد يستمر ذلك رغم الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، لأن التعليم بحاجة لإرادة قوية واستقلالية في التقرير بشأنه، وهذه الأخيرة لما وجدت في دول رأينا انتقالها السريع إلى مصاف التقدم والتحديث، مقابل بقاء أخرى تعاني التردد في ذيل التخلف والسياسات الخاطئة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك