كاد المعلم أن يكون رسولًا … أم موظفًا؟

29 مارس , 2016

لا يكاد يخلو سياق ذكر المعلم وفضله من البيت الشهير لأمير الشعراء أحمد شوقي (1868 – 1932) ، في قصيدته : “قِف سائلِ النحلَ به”:

قم للمعلِّم وفِّه التبجيلا *** كادَ المُعلّم أن يكونَ رسولا

الطريف أن الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (1905 – 1941) أثاره هذا البيت “الحالم” عن حال المعلم ومنظوره على أرض الواقع، فعارض البيت بقصيدة كاملة بعنوان “الشاعر المعلّم”، حكى فيها من واقع تجربته الشخصية ما أزال القداسة عن ذلك “الرسول” المزعوم في بيت شوقي، نقتطف منها هذه الأبيات:

شوقي يقول وما دَرَى بمصيبتي *** قُم للمعلم وفّه التبجيلا
اقعد فديتك هل يكون مُبَجلاً *** من كان للنشءِ الصغارِ خَليلا
ويكاد يفلقني الأّميرُ بقوله *** كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرّب التعليمَ شوقي ساعةً *** لقضى الحياةَ شقاوة وخمولا
حسْبُ المعلم غُمَّة وكآبة *** مَرأَى الدفاتر بكرة وأصيلا
لا تعجبوا إن صِحتُ يوماً صيحة *** ووقعتُ ما بين الفصول قتيلا
يا من يريد الانتحارَ وجدتَّه*** إنَّ المعلم لا يعيش طويلا

أعتقد أن أغلب المشتغلين في مجال التعليم لو خيرتهم بين بيت شوقي وقصيدة طوقان للتعبير عن حالهم، لرأوا الاختيار الثاني تعبيرًا عما هو واقع، بينما الأول عما كان ينبغي.

لذلك أود أن أشارك في السطور التالية ما لمسته من تجربتي الشخصية وقت أن كنت طالبة، ثم تأكد لدي بعد أن صرت بفضل الله معلّمة، عن أربع تساؤلات رئيسية هي مناط تحوّل المعلم مما كان ينبغي أن يكون عليه من الرسالية، إلى ما هو السائد من الوظيفية، بغض النظر عن سياقات التعليم التي يكون فيها (والتي تتشابه في الأسس والهموم مهما اختلفت صورها).

1. من أنت؟

صحيح أن السياقات المعنية والظروف المحيطة والوسائل المتاحة كلها من العوامل المؤثرة على الأداء في أي مجال، لكن شخص الفرد نفسه وروحه بما تحمل من تصورات وما تعمر به من مبادئ هي كذلك مؤثر، بل هي المؤثر القادر على توجيه باقي المؤثرات في صالحه أو ضده.

تأمل مثالًا بسيطًا كتفاعل الإنسان البدائي مع النار، تأثره بأثر النار هو الذي دفعه للتأثير المواجه بتطويع أدوات ووسائل أتاحت له الانتفاع بالأثر وتوجيهه في صالحه، وكان يمكنه أن يكتفي بالهرب أو الرضوخ لكونها المؤثر المتحكم في كل مواجهة.

وعلى بداهة ردة الفعل هذه في التعامل مع مؤثرات الطبيعة، لا يخطر لنا إسقاطها على مؤثرات السياقات الحركية ونطاقات العمل التي تعنينا، فأكثر شكاوَى المعلمين عما يعوق حسن أدائهم تتركز دائمًا على ما هو خارج ذواتهم: المدرسة، النظام، الطلبة، المنهج، القاعة، التجهيزات … إلخ.

والحق أنه لا تخلو بيئة من تحديات ولا يكتب لسياق الكمال، لذلك ما لم يبدأ الفرد بمواجهة نفسه أولًا فهو لا ريب عن مواجهة ظروفه أعجز.

والذي لا يرى في المعلم أكثر من وظيفة تدريس لا يتساوى في الاستعداد مع من يصر على رفع راية الرسالية على رأس الوظيفة، وإن تساوت المؤثرات الخارجية المحيطة بهما .

البدء بتعديل المنظور الفكري والتهيؤ النفسي هو الذي يوقد فتيل “استعداد” المعلم ليكون رساليًا لا وظيفيًا، وهو الذي منه يستمد الوقود للمضي، فالصعاب والتعب والكآبة والغمة التي ذكرها طوقان هي حال لازمة لكل مشتغل على كل حال، أما الرسالة فهي ما تجعل الختام شهادة بالإحسان لا قتلا بالعبء.
إيمانويل-كانت_9603

2. من هم؟

من هم الذين تعلمهم من الطلبة؟

والقصد بهذا السؤال تجاوز مجرد توصيف الفئات العمرية إلى التأمل في الخلفية التربوية والفكرية لهذا المجتمع الصغير، فكيف يمكنك التأثير بغير أن تعرف مكامن التأثير؟

تمامًا كما لا ينفعك امتلاك مفتاح إن لم يكن في الباب فتحة يدخل منها. والوصول لتصور عن هذه الخلفية ليس عسيرًا كما يبدو للوهلة الأولى، فأبسط مقترحاته أن تكون المحاضرة\الحصة الأولى دائمًا تعريفية، يعرف فيها الأستاذ لطلبته عن نفسه ومن يريد أن يكون لهم، وما يرجو أن يكونوا له، ثم يشرع في طرح تساؤلات عامة: عن اهتمامتهم، طموحاتهم، علومهم المفضلة، أهم العقبات التعليمية، واعتراضاتهم على نظم التدريس السابقة.

على مدى سنوات التعليم التي عملتُ فيها، كان لهذه المحاضرة وقع السحر في بناء جسور مودة وتفهم بيني وبين الطلبة، وكذلك غرس تقدير القيمة وراء صور الأفعال، فليس الشأن في التزام الطالب بتوقيت المحاضرة أو تسليم الواجب، وإنما في قيمة الوقت من حيث المبدأ، ومفاهيم المسؤولية الفردية والانتفاع بالفرص المتاحة والجدية في طلب العلم. البدء من هذه الجذور يوفر محاضرات طويلة في التعليق على ظواهر الأفعال السلبية بغير أن يخلف أثرًا حقيقيًا وراءه، إلا ما قد يكون من نفور من الطالب لتكراره الخطأ ومن الأستاذ لتكراره “الأسطوانة”.

3. ماذا تُعلِّم؟

وهذا السؤال مترتب بالضرورة على مدى الصدق والجدية في تحديد تصور للسؤالين السابقين. فما تعلمه كمعلم غير ما تدرسه كمدرس، أي أن ثمة فارقًا بين العلم والدراسة. مجرد تلقين المنهج وإيصال المعلومة مهما كان مقدمًا بأداء مبهر ممتع، فهذا تدريس لا تعليم.

الدراسة تُعنَى بالمعلومة الآنية وتشربها، أما العلم فهو القيمة والمنارات الهادية للإبحار فيه على نور. مثلًا، حين تنطق كلمة ويكررها الطالب وراءك، هكذا “اكتسب” معلومة واحدة، أما حين تعود به للنظام الصوتي وجذور المعجم ليمكنه هو معرفة مفاتيح نطق الحروف المتراكبة بنفسه، فقد “مَلَك” مفتاح المعلومة، فصار بإمكانه استخراج ألف عليها.

إنه الفرق بين المتلقن التابع، والمتمكن القائد، أو الفرق بين إعطاء السمكة وتعليم الصيد.

لذلك المعلم الحق هو الذي يحرر عقول الطلبة من التبعية له، ويرشدهم لمعالم الطريق لكن يترك لهم السير فيه وسبر أغواره بأنفسهم .

بروس-لي_10010

ولذلك يدخل في اختصاص المعلم من تعليم كل ما يترك علامة على شخص الطالب، من غير المقرر الدراسي ومن خارج المنهج، ما يغرسه في النفوس من مبادئ ويبثه في الوجدان من حرارة، بل إن المعلم الحق لا تجده إلا قد التحم بمشكلات طلبته الشخصية، فتراهم يستشيرونه في شؤونهم بلا حرج، لأنهم يلتمسون من يتفهم قبل أن يحكم، ويستمع قبل أن يُسمَع، ويرى فيهم نبتة الأمل حتى حين يدفنونها بأنفسهم.

هذا المقطع المؤثر يجسد هذه المعاني، عن قصة واقعية لأستاذة ظلت مثابرة في تحفيز طالب عندها على الاستمرار في الدراسة، رغم كل ظروفه الصعبة ورغم فراره منها:

4. ماذا تتعلم؟

كيف يمكن أن يمل معلم أو يتحول التعليم عنده لروتين؟!

قد يكون هذا مفهومًا في حق المدرس الوظيفي، لأنه تحجر في قالب المنهج والكلمتين في المقرر، فلا يعرف سواهما ولا يقدر على التعريف بغيرهما. أما المعلم فهو كل يوم في شأن، في تجديد علمه على المستوى الشخصي، وملء إنائه باستمرار حتى يمكنه أن يفيض به على من حوله، وفي تطوير مهارات التعليم والتواصل وآداب الحوار والتعامل، والتعلم عن دهاليز النفس ومشكلات الفئات العمرية التي يتعامل معها، فضلًا عن أن رساليّته تدفعه حتمًا لتوسيع مجال اهتمامه ليتعدى الاختصاص الوظيفي بتدريس المقرر، فيقود أنشطة طلابية وجلسات استشارة وحملات توعية.

إن أي عمل في أي مجال يمر بمنحى يتناسب فيه طرديًا مقدار ما تتعلم من جديد مع ارتفاع جودة أدائك، لأن كل علم جديد تضيفه يفتح أفقًا، وكل أفق يمثل تحديًا، وكل تحد يصحبه شغف جديد.

إن أكثر ما ينتزع عن المعلم رساليته أن يظن أنه قد أحاط بالعلم، وأن كونه معلمًا ينفي كونه متعلمًا.

ورد في كتاب “حلية طالب العلم“:

العلم ثلاثة أشبار:
• من دخل في الشبر الأول تكبر.
• ومن دخل في الشبر الثاني تواضع.
• ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه لا يعلم.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك