كم تنفق إسرائيل على التعليم وكم تنفق الدول العربية بالمقابل؟

17 أكتوبر , 2015

يلاحظ المتتبع لشؤون الشرق الأوسط بشكل عام، وجود شح واضح في الدراسات المهتمة بالشأن الإسرائيلي، فالكثيرون يفهمون العدائية مع دولة الإحتلال بشكل خاطئ جداًً، وعوض تحليل مكامن القوة في هذا الكيان الذي استطاع بسط هيمنته وتكريس سيطرته في المنطقة، تجد أن المزاج العام ينحو نحو تجاهل ذلك وتجنبه بشكل مثير للاستغراب.

على هذا الأساس، ما إن تم اقتراح موضوع قضية الشهر ، وهو عن عمل مقارنة بين ميزانيات التعليم في دول مختلفة، حتى قفزت إلى ذهني مقارنة بلدي المغرب ودولة الإحتلال الإسرائيلي، لاستفيد أنا وكل الزملاء ومتابعي الشبكة من معلومات قد تكون توطئة لفهم أسباب تفوق العدو الإسرائيلي علينا في كل المجالات، كيف لا والتعليم يبقى دوماً هو الأساس؟

نبدأ بالمملكة المغربية:

فمنذ حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، وهو يولي اهتماماً كبيراً بمجال التعليم، رغم الصعوبات الاقتصادية التي عانى منها المغرب في تسعينات القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، وما زالت الحكومات المتعاقبة تبذل الجهود من أجل النهوض بقطاع التعليم، ويظهر ذلك في حجم الاستثمارات المخصصة لهذا القطاع، حيث تخصص نسبة 26.3% من الميزانية العامة للتعليم، وفي عام 2006، بلغت ميزانية التعليم 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وكانت هذه النسبة أكبر من نسبة دول عربية أخرى كعمان والكويت ومصر.

مر النظام التعليمي المغربي بعدة إصلاحات بهدف تقليص الفوارق الإقليمية وضمان نشر التعليم، ففي عام 1963 أصبح التعليم إلزامياً للبنين والبنات المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و13 سنة.

وفي سبتمبر 1990، أعيدت هيكلة النظام التعليمي ليتكون من تسع سنوات من التعليم الأساسي و3 سنوات من التعليم الثانوي.

تشرف وزارة التربية والتعليم على مراحل التعليم الأساسي، كما تشرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على مراحل التعليم الجامعي، وحسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2009 والذي قام بتغطية المعلومات الخاصة بسنة 2007، فإن المغرب يقع في المرتبة 130 من 182 دولة من حيث نسبة الأفراد المحصلين، بنسبة تعادل 55.6% من مجموع الأفراد البالغين 15 سنة فما فوق.

يحتل المغرب الرتبة 129 في مؤشر التنمية البشرية، نسبة الأمية لدى الراشدين المغاربة وصلت إلى 48% في عام 2004.

رغم الإنجازات التي حققها التعليم ورغم مستويات التمدرس الآخذة في الارتفاع، فإنه ليس من المؤكد أن المغرب سيحقق المرامي الإنمائية للألفية، ففي سنة 2014 تم تصنيف المغرب ضمن 21 أسوأ دولة في مجال التعليم إلى جانب عدد من البلدان الإفريقية الفقيرة جداًً، حيث أن أقل من نصف عدد الأطفال يتعلّمون المهارات التعليمية الأساسية، وأوضحت الوثيقة الجديدة لليونسكو أن أقل من نصف عدد التلاميذ في المغرب هم من يفلحون في تعلم المهارات الأساسية.

يحتل رجال التعليم بالمغرب المرتبة ما قبل الأخيرة عربياً ، من حيث الأجور وفق تصنيف لمركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو الأمريكية.

و أفاد التصنيف الأمريكي أن المعلم المغربي يتقاضى ما يقارب 512 دولار، فيما يتقاضى المعلم في قطر التي حلت على رأس القائمة 7030  دولار شهرياً، بينما المعلم الجزائري فيتقاضى 345 دولار شهرياً، ليحتل بذلك ذيل القائمة.

يشار إلى أن رجل التعليم المغربي يعاني في صمت لغياب الكثير من المحفزات، كالتعويضات عن التنقل والمنحات الدورية التي يستفيد منها باقي موظفي القطاعات الأخرى، العمومية منها و الخصوصية.

و في انتظار تغيير مرسوم النظام الأساسي للوظيفة العمومية، تستمر الفوارق في الأجور بين رجل التعليم وباقي الموظفين، و إن كانت لهم نفس الأقدمية والدرجة، وذلك بسبب إختلاف الرقم الاستدلالي من قطاع لآخر، فمثال على ذلك أجرة أستاذ في الدرجة الثانية تقل عن أجرة الممرض الصافية في نفس الدرجة، هذا بدون حساب التعويضات التي يحصل عليها الأخير.

أما فيما يتعلق بالمنح الدراسية للطلبة، فقد شهدت زيادة واحدة مع الحكومة الحالية بعدما ظلت ثابتة لما يزيد عن الأربعين سنة، وهي زيادة بما يقارب الضعف، مع العمل على تعميمها على جميع طلبة الجامعات المغربية بشكل تدريجي، كما أطلقت الحكومة الحالية مشروعاً للتغطية الصحية لفائدة طلبة الجامعات، ورغم أنها خطوات مستحسنة ومحمودة، إلا أنها تبقى أبعد من أن تحل كل المشاكل التي يعاني منها قطاع التعليم العالي في المغرب.

أما البحث العلمي في المغرب فهو ليس على ما يرام، بل إن المغرب متخلف للغاية، وتأخر كثيراً في هذا المجال، ليس على الصعيد العالمي، فحسب، بل حتى على الصعيد القاري، إذ تقهقر، من الرتبة الثالثة إلى السادسة إفريقياً، وأصبح يحتل رتبة أدنى من تلك التي تحتلها تونس، رغم معاناة الأخيرة في السنوات الماضية في مداواة جراح اللااستقرار، عقب الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس السابق بن علي.

الميزانية التي كانت مرصودة للبحث العلمي في المغرب لم تكن تتعدى 60 مليون درهم، منها 16 مليون عبر الوزارة المعنية في أقصى الحالات، وهو مبلغ هزيل جداً مقارنة مثلاً بفرنسا التي تخصص للبحث العلمي حوالي 8 ملايير يورو سنوياً، وهو لا يمثل سوى  0.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في حين أن المتوسط العالمي يصل إلى 2 في المائة عموماً، وحتى 4 في المائة في الدول المتقدمة.

فيما يخص الإحتلال الإسرائيلي:

فمن الواضح أن في إسرائيل نظاماً تعليمياً شاملاً يركز على اتجاهات تربوية تقدمية، يصل الإنفاق على التعليم في إسرائيل لنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ويقوم الكيان بدعم معظم المدارس، إذ ينفق ما معدله حوالي 1100 دولار على كل طالب سنوياً.

تنقسم المدارس الإسرائيلية إلى أربعة مسارات: مدارس حكومية (مملاختي)، مدارس حكومية دينية (مملاختي داتي)، مدارس مستقلة (حريديم) ومدارس العرب، تدرس معظم الشبيبة الإسرائيلية في المدارس الحكومية، تقدم مدارس الدولة الدينية برامج دراسات مكثفة عن اليهودية وتقاليدها وتشدد على تطبيق واحترام هذه التقاليد، وبخاصة للطلاب الأورثوذكس (مثل الصهاينة المتدينين والأرثوذكس الحديثيين)، تركز المدارس المستقلة بمعظمها على دراسة التوراة وتقديم القليل جداًً من المواضيع العلمانية، يشمل منهاج المدارس تدريس اللغة العربية والتاريخ والدين والثقافة العربية، في الوسط العربي هناك مدارس خاصة يتبع أغلبها لمؤسسات مسيحية وتعتبر مدارس الكنيسة من أفضل المدارس في الوسط العربي وتدعى بمدارس النخبة.

وفقاً لترتيب ويبوماتركس  Webometric، فقد أُدرجَت 6 من الجامعات الإسرائيلية في لائحة أفضل 100 جامعة في آسيا، ووفقاً لتصنيف لجياو تونغ شنغهاي الأكاديمي العالمي للتصنيف الأكاديمي لجامعات العالم، وصلت أربع جامعات إسرائيلية إلى لائحة أفضل 150 جامعة في العالم، وثلاثة منها، دخلت لائحة تصنيف كيو إس للتعليم العالي العالمي للتايمز (أي أفضل 200 جامعة عالمية).

وبالإضافة إلى ذلك فإن الجامعات الإسرائيلية هي من بين 100 الأعلى 100 جامعة في العالم في العلوم والهندسة، ونتحدث هنا عن الرياضيات (جامعة تل أبيب، الجامعة العبرية والتخنيون)؛ الفيزياء (جامعة تل أبيب، الجامعة العبرية ومعهد وايزمان للعلوم)؛ الكيمياء (جامعة تل أبيب، الجامعة العبرية والتخنيون)؛ علوم الكمبيوتر (جامعة تل أبيب، الجامعة العبرية، معهد وايزمان للعلوم، وبيو والتخنيون)؛ الهندسة (التخنيون)؛ العلوم الحياتية (الجامعة العبرية).

في ما يخص العلوم الاجتماعية، فقد وصلت جامعة تل أبيب والجامعة العبرية إلى المراتب ال 100 الأعلى، وهي أيضاً في المراتب 100 الأعلى في للاقتصاد.

من جهة أخرى، يعاني التعليم في إسرائيل، نوعاً ما، من تخفيضات حكومة الكيان في الميزانية وأجور المعلمين. وكانت إسرائيل في الستينات في المراتب العليا بين الأمم في التصنيف الدولي لأداء الطلاب في العلوم والرياضيات، ولكنه انخفض إلى 33 من أصل 41 دولة في استطلاع عام 2002، وقد يعود السبب وفقاً لمسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى انخفاض أجور المعلمين الإسرائيليين مقارنة مع أجور المعلمين في الدول الصناعية الأخرى، لذلك يفضل المعلمون ترك التعليم من أجل وظائف ذات رواتب أفضل أو للعمل في الخارج، مما تسبب في ما يمكن اعتباره “هجرة للأدمغة”.

توفر إسرائيل العديد من المنح الدراسية، يبلغ عددها حوالي 12، منها 6 أساسية، تمتاز جميعها بالمقابل التطوعي الواجب تنفيذه، والمتعلق بالإعتناء بالمسنين والمتخلى عنهم، وأيضا كل ما له علاقة بالترويج للبروباغندا الإسرئيلية في العالم، لكن العنصرية والتمييز واضحان في هذا المجال، إذ يتم وضع عراقيل كبيرة أمام الطلبة من أصول عربية للحصول على مثل هذه المنح الهامة التي تضمن متابعة الدراسات الجامعية في أفضل الظروف.

تنفق إسرائيل على البحث العلمي ما قيمته 0.8- 1.0% مما ينفق في العالم أجمع بينما تنفق الدول العربية مجتمعة ما قيمته 0.4% مما ينفق في العالم أي أن إسرائيل تنفق أكثر من ضعف ما ينفق في الدول العربية مجتمعة على البحث العلمي والتطوير، تنفق إسرائيل على البحث العلمي ما قيمته 4.7% من ناتجها القومي، بينما ينفق العالم العربي 0.2% من ناتجه القومي على البحث العلمي، وإسرائيل هي الأعلى في العالم قاطبة من حيث نسبة الإنفاق على البحث العلمي من الناتج القومي، الولايات المتحدة الامريكية تنفق حوالي 2.7% من ناتجها القومي، بريطانيا 1.8% وألمانيا حوالي 2.6%، أقل الدول في العالم إنفاقاً على البحث العلمي هي الدول العربية خاصة الموجودة في آسيا، فلم يتجاوز إنفاقها على البحث العلمي 0.1% من إنتاجها القومي، وهذا أقل خمس مرات من نسبة إنفاق الدول الافريقية التي بلغت 0.5% من ناتجها القومي، حسب تقرير اليونسكو 2008، وبالمجمل يبلغ انفاق الدول العربية على البحث العلمي والتطوير تقريباً نصف ما تنفقه إسرائيل، على الرغم من أن الناتج القومي العربي يبلغ 11 ضعف الناتج القومي في إسرائيل، والمساحة هي 649 ضعف.

أما بالنسبة لنصيب الفرد من الانفاق على البحث العلمي فقد احتلت إسرائيل المرتبة الاولى عالمياً بواقع 1272.8 دولار وجاءت في المرتبة الثانية الولايات المتحدة الامريكية وأنفقت حوالي 1205.9 دولار وثالثاً جاءت اليابان بواقع 1153.3 دولار، أما الدول العربية فقد جاءت مئة مرة أقل من إسرائيل من حيث نصيب الفرد من الانفاق على البحث العلمي حيث انفقت ما معدله 14.7 دولار سنوياً على الفرد، والدول العربية الموجودة في آسيا بما فيها الدول النفطية الغنية كان نصيب الفرد 11.9 دولار وهو ما يساوي ما تنفقه الدول الافريقية التي تصنف بالفقيرة جداً، وقد بلغ نصيب الفرد فيها ما مقداره 9.4 دولار.

وهكذا يتضح لنا بما لا يدع مجالاً للشك، أن الفوارق شاسعة بين النموذجين، بل أنها تكاد تمثل طرفي النقيض، فبينما يعاني قطاع التعليم المغربي (والعربي بشكل عام فالأنموذج غالباً واحد ويتكرر بنفس الأخطاء والمشاكل) من صعوبات ومشاكل تعوق تطويره، كالفوارق التعليمية بين الأغنياء والفقراء، تفشي الأمية والهدر المدرسي، المحسوبية والزبونية القاضية على الكفاءات والطاقات الواعدة، ضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي، نجد أن التعليم في إسرائيل بلغ مستويات متقدمة ينافس بها أعتى القوى العالمية، وقلما يخلو تصنيف عالمي من وجود جامعات إسرائيلية، بينما يعد وجود مغربية أو عربية في أحيان عديدة مجرد طفرة أو نموذج وحيد سرعان ما يتم إقباره وتدميره عوض الإهتمام به.

أمام كل هذا، هل من شك بعد الآن في أن العدو سبقنا إلى إكتشاف أساس التقدم والتفوق علينا منذ زمن طويل؟ فيما يزال أغلبنا رازحين تحت وطأة الإيمان المرضي بنظرية المؤامرة، عوض النهوض بقطاع التعليم، الأساس في قدرتنا على مواجهة النموذج الإسرائيلي وربما التغلب عليه؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

محمود ماهر
محمود ماهر منذ 3 سنوات

تقرير جميل .. شكرًا على المجهود

أضف تعليقك