كيف تجعل من طفلك «فيلسوفًا»؟ من “الليغو” إلى الأفلام والكُتب!

31 مارس , 2017

رغم وجود ثلّة لا بأس بها من الفلاسفة ممن لا يؤمنون بقدرة الطفل على التفلسف، إلا أن هناك من رأى في الطفل فيلسوفًا بطبعه كما الفيلسوف الفرنسي جاك ليفين أو حتى النرويجي جوستاين غاردر الذي يؤكد في رواياته الشهيرة “عالم صوفي” أن الدهشة هي أكثر ما يُميّز الفيلسوف وأن الأطفال يمتلكون هذه الملكة.

وقبل هؤلاء جميعًا قدّم الفيلسوف العربي ابن طفيل للبشرية قصّة “حي بن يقظان” التي تُلخص الأسئلة الفلسفية الكُبرى من خلال تساؤلات “ابن الغابة” وقد تم تحويل هذه القصّة لفيلم رسوم متحركة يُمكن أن يكون مدخلاً مميزًا إلى “الفلسفة”.

حي بن يقظان .. الفيسلوف الصغير

قد يسمع البعض بإسم “حي بن يقظان” للمرة الأولى، إلا أن أكثرنا سمع بطرزان وماوكلي وهي شخصيّات كرتونية يُعتقد أنها استلهمت من قصّة حي بن يقظان التي تحمل ملخصًا للمعرفة الإنسانية حتى القرن الثاني عشر ميلادي بأسلوب فلسفي فريد، فحي ذلك الطفل الذي تربى على يد ظبيّة في جزيرة نائية من جزر الهند، فكانت الظبيّة أمًا له والحيوانات أصدقائه المخلصين الذين لهم الفضل عليه في اكتساب المهارات التي تضمن له البقاء.

لم يتوقف “حي” عن التفكير بل رح يفكّر في الأشياء من حوله وفي القوّة التي تحرك العالم بعقليّة الطفل المُندهش وقد تم تبسيط كُل تلك الأفكار في فيلم “ابن الغابة” الذي يُمكن أن يكون مدخلًا ممتازًا للطفل العربي إلى عالم الفلسفة، علمًا بأن فيلم الرسوم المتحركة لم يصل إلى الاحترافيّة في إيصال الأفكار الفلسفية كما نجدها في الرواية المكتوبة، حيث ينتقل حي إلى الاهتمام بعلم الطب والتشريح بعد موت أمه ( الظبية ) حين قام بتشريح جسدها لمعرفة سبب وفاتها فساقه ذلك إلى دراسة وظائف كل عضو من الأعضاء، كما أن هذه التجربة يسّرت له الارتقاء أكثر وذلك بأنه عندما اكتشف النار، توصّل إلى ضرورة وُجود شيء كالنار يحرّك الأجساد فأجساد الموتى أبرد من أجساد الأحياء وهكذا اكتشف حي وجود “الروح”.

كان بن يقظان كلما اكتشف شيئًا جديدًا زاده شوقًا لمعرفة المزيد فأدى به إلى مُراقبة الكواكب والأفلاك مما جعله بارعًا في علم الفيزياء ولم يلبث طويلاً حتى انتقل إلى الميتافيزيقا ( ما وراء المادة ) ليبدئ البحث عن الموجود الواجب الوجود ( الله ) فيبدأ بالسعي إلى ” مُشاهدة ” هذا الخالق والاقتراب منه حيث يبدأ بممارسة طقوسه التأملية في جزيرته المعزولة، حتى يلتقي بإسال ويبدأ بالتعرف على البشر ويتعلم لغتهم وأطباعهم فينتقل للعيش معهم، إلا أن ذلك لا يروقه كثيرًا ( فقد رأى أن مُعظمهم بمنزلة الحيوان غير الناطق ) ليعود بعد ذلك إلى الجزيرة ليكمل حياته التأملية، آملاً في المزيد من القرب من الله، من الموجود الواجب الوجود، حتى يأتي أمر الله!

الليغو .. اللعبة الأكثر عبقريّة في العالم

ليس الطفل “حي” وحده من استطاع التفلسف منذ نعومته أظافره، فهناك الطفلة “صوفي” التي حققت شهرة عالمية من خلال رواية “عالم صوفي” التي تُرجمت للعديد من لغات العالم ومن ضمنها اللغة العربية بعد أن كتبها غوستاين جاردر بالنروجية وأبدع فيها في تبسيط الفلسفة لتفهمه طفلة في الرابعة عشرة من عُمرها من خلال أسئلة وحوارات متُخيّلة بينها وبين شخص غامص يُدعى “البرتو” الذي جعلها تنتقل إلى عالم الفلاسفة من خلال سؤالين إثنين تدور حولهما الرواية: “من أنت؟ ومن أين جاء العالم؟”.

أكثر من 3000 عام من الخبرة الإنسانية تلخصها رواية عالم صوفي في حوالي 550 صفحة تندمج فيها الأسئلة الفلسفيّة الكُبرى مع تساؤلات الأطفال البسيطة وقدرتهم على الدهشة من كل ما هو جديد وهي أكثر ما يُميّز الأطفال، بل وتجعلهم أقرب الناس من الفلاسفة، فالطفل فضولي جدًا ولا تكاد تمضي بضعة أشهر حتى يجد نفسه مقذوفًا في واقع جديد، فيسعى جاهدًا لفهمه بطرح الأسئلة أو لربما لمسها وحتى وضعها في فمه ليتفحصها جيدًا، بيد أن هذه “الدهشة”  تضعف مع تقدمهم في السن.

في الرواية، حاول الفيلسوف “البرتو” أن يثير اهتمام صوفي بالفلسفة من خلال العاب مثل “إنسان – حيوان – جماد”، ولكنه أكد لها أن لعبة “الليغو” هي اللعبة الأكثر عبقرية في العالم وراح يشرح لها علاقة اللعبة بنظريّة الفيلسوف الاغريقي عن المواد والذرّات في الطبيعة، مؤكدًا أن قطع الليغو لا تبلى مع الوقت الطويل تمامًا كما العناصر الأبدية وهي تشبه الذرات في تراكيبها المختلفة فهي صلبة وكثيفة وليست متماثلة بحيث يُمكن أن نبتكر من خلال لعبة اللغو الواحدة آلاف الأشكال والهيئات المختلفة، تمامًا كما العناصر في الطبيعة التي تصنع الكون من حولنا بكل ما فيه من تنوّع.

كُتب ..  فلسفة للأطفال!

في الواقع فإن رواية “حي بن يقظان” ليست ملائمة للأطفال وإن كانت تتحدث عن “الطفل الفيلسوف”، وكذلك رواية “عالم صوفي” قد لا تُلائم أي طفل، حتى اولئك الذين بلغوا 14 عامًا مثل صوفي قد يجدون فيها شيئًا من المصاعب، وهذا لا يعني بالطبع عدم وجود كُتب فلسفة للأطفال، ففي المكتبة العامة بمدينة آخن الألمانية مثلاً، يوجد رُكن خاص في زاوية كُتب الأطفال للكُتب الفكرية كالكتب الدينية والسياسية وحتى الفلسفية، ومع أن كُتب الفلسفة لم تكن أكثر من 10 أو 15 كتاب على أقصى تقدير، إلا أن هذا الحال يبقى أفضل بكثير من مكتباتنا العربية.

أحد الكُتب الحائزة على جائزة “أدب الأطفال” كان كتابًا مُترجمًا عن الفرنسية واسمه ” تفكّر بالعالم .. الفلسفة للأطفال” وهو بتأليف مشترك للكاتبين  Brigitte Labbéو Michel Puech كما أنه صغير الحجم ويحتوي على الكثير من الرسوم التوضيحية التي تجسّد بعض الأفكار الفلسفيّة، كما تحتوي أغلب الأبواب على قصّة تشرح الفكرة بشكل مقتضب وثم شرح أعمق للفكرة يستطيع الأطفال ممن بلغوا عشرة أعوام أو حتى تسعة أن يفهمونها، ومما يُسهل الفهم أن الكثير من الأبواب مُعنونة بأسئلة “فلسفيّة” يطرحها الأطفال عادة ويقد لا يجدون إجابات عليها عند ذويهم.

الكتاب يتناول أسئلة حول الحياة والموت كما يتناول أسئلة حول الخير والشر والسعادة كما يتناول بعض الأسئلة حول الحريّة وحدودها أو حتى علاقة الإنسان بالآخر مثل علاقة الإنسان بالروبوت “الإنسان الآلي” كما أن هناك أسئلة في الفلسفة الأخلاقية تبدأ في مناقشة مواضيع مثل القتل والسرقة وتنتهي عند النظافة، وفي خاتمة الكتاب المؤلف من 136 صفحة ينصح المؤلف الطفل “الفيلسوف” بأن يجلس للتفكّر في العالم الذي يطمح للعيش فيه وتكوين نظرة خاصّة به عن العالم من خلال سؤال بسيط هو “أتمنى أن أعيش في عالم فيه … وليس فيه .. ” لوضع أول فلسفاته في الحياة.

التجوال .. غذاء العباقرة!

ولأن الفلسفة في مفهومها الأصلي تعني حُب الحكمة، ولأنها تبدأ عند أرسطو بالدهشة وهو ما يميّز الأطفال كما ذكرنا، ولأن الوسائل إليها لا تنتهي باللعب ولا بمطالعة الكُتب، بل هي أكثر من أن تُحصى فلا بُد أن نذكر ما كتبته د. داليا توفيق سعودي في ملف مئوية نجيب محفوظ في مجلة العربي ضمن حديثها عن عبقريّة نجيب محفوظ وعن “غذاء العباقرة” الذي كانت تزوّده به أمه “فاطمة”، وهو ما يُمكننا مطالعته في النص التالي:

“مباركة أنت أيتها الأم التي أمسكت بيد الصبي وطافت من ميدان بيت القاضي بالجمالية، حتى أقصى أرباض المدينة حيث الأهرامات وأبو الهول.. على وقع خطوات الزمان وخطوتِ مع الغلام في الأمكنة العتيقة. غذاء العباقرة في طفولتهم دفء وخبز وتجوال.. فمن زيارة أولياء ومساجد وأديرة ومعابد إلى مراقبةٍ للنيل في الفيضان وفي التحاريق وإنصات خاشع لأسرار الخلود والفناء في قاعة المومياوات بدار الآثار.. غذاء العباقرة معاينة وإصغاء وسعي على القدمين لا ينتهي، وطموح مترع بماء الحياة وفضول صاعد لعنان السماء، وخيال قابض على شعاع الشمس. ومشي ومشي ومشي. مباركة أنت أيتها الأم التي صنعت لنا أطول المشائين نفسًا.. وأنجب الرحالة قدرًا”.

 

ختامًا، فسواء كُنا نتحدث عن “حي بن يقظان” و “عالم صوفي” أو كُتب الفلسفة للأطفال أو حتى “التجوال” على طريقة “فاطمة” والدة “نجيب محفوظ” فإن كل هذه المواد تؤكد أن أطفالنا لديهم الكثير ليقدموه للعالم، ونحن نملك الخيار .. إما أن نطمسهم ونزجرهم عن الكف عن طرح الأسئلة الحمقاء، أو أن نُطلق الفيلسوف الذي في دواخلهم.

 

مصادر:

  1.  الطفل و الفلسفة – تفلسف
  2. ألف .. باء .. نجيب محفوظ | التحفجية
  3. Denk dir die Welt: Philosophie für Kinder
  4. كتب – حي بن يقظان – مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
  5. فيلم كارتون -ابن الغابه .قصة حى بن يقظان
  6. رواية عالم صوفي ستأخذك في جولة ممتعة في عالم الفلسفة الساحر


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

محمود ماهر
محمود ماهر منذ 3 شهور

رائع ياعمر! 🙂

أضف تعليقك