كيف تُضيِّع المدارس الأجنبية انتماء الطلاب؟!

11 فبراير , 2018

في عالم صار يمكن للإنسان فيه عمل كل شيء تقريبًا من خلال الإنترنت، ما يزال التعليم التقليدي مسيطرًا إلى حد بعيد، تمامًا كما هي رغبة الوالدين في حصول أبنائهم على “أفضل” تعليم ممكن. ورغم أن مستوى التعليم المتدني صار معروفًا على مستوى العالم العربي، بالإضافة إلى كونه لا علاقة له بالحياة العملية أو الوظيفية، فإن الكثير من الآباء ما زالوا مصرِّين على تعليم أبنائهم في المدارس الدولية ومدارس اللغات على أمل أن “ينجُ” أبنائهم من وجهة نظرهم من فخ التعليم المُتَدنِّي!

 

   وإذا تحقق لهم هذا الأمر، فإن هناك أمورًا أخرى كثيرة تتهدم ومعظمها يتعلق بقضايا الهُوية والانتماء، نذكر أهمها في ما يلي:

 

1- اللغة العربية ملغاة في كثير من أنظمة تعليم هذه المدارس:

فالكثير من تلك المدارس وخاصة الدولية (الأمريكية أو البريطانية منها) لا يتوفر فيها تدريس العربية. وإذا وُجد فإن العناية بالمادة تكون ضعيفة جدًا، وقد تكون من المواد غير الأساسية والتي لا تُحسب في المجموع. والآثار السيئة لمثل هذا الأمر جد خطيرة. من أبرزها قطعًا هو ضعف مستوى اللغة العربية عند الطلبة إن لم ينعدم بالكلية. وبالتالي يكبر هؤلاء وهم لا يفقهون شيئًا عن لغتهم أو قواعدها أو أدبها.

 

ومن جهة أخرى، فإنهم قطعًا يعانون من صعوبة التحدث بها، وأذكر أن زميلة لي في الكلية قالت لي أنها لا تستطيع استكمال حديثٍ باللغة العربية لخمس دقائق، بينما لا تعاني من هذه المشكلة مع الإنجليزية! مشكلة أخرى وهي لجوء الكثيرين من خريجي تلك المدارس للقراءة بالعامية، لعجزهم عن القراءة بالفصحى في كثير من الأحيان. وقد حدث أن أخبرتني زميلة عمل أن قراءة كتاب بالإنجليزية أسهل كثيرًا بالنسبة لها من قراءة كتاب باللغة العربية، سيما للأدباء القدماء والعمالقة من أمثال العقاد وباكثير والمنفلوطي والرافعي. والكتابة بالتالي لن تكون أحسن حالًا، فمن لا يحسن القراءة وفهم القواعد، من أين تتأتى له القدرة على التعبير سواء بالكلام أو الكتابة؟!

 

2- التربية الإسلامية مهمشة بالكامل:

فهي كمادة تعتبر ملغاة من نظام التعليم بالكامل، لأنها حتى إن وُجدت ـــ كما هو الحال في التعليم الحكومي ـــ فإنها لا تدخل في المجموع، وبالتالي لا يُلقِي لها الطالب بالًا. ومن هنا، إذا لم يحرص الإنسان نفسه على فهم دينه وتثقيف نفسه، أو حرص أهله على ذلك، فإنه يكبر ليجد نفسه، جاهلًا بلغته ودينه، فلا هو يحسن العربية، ولا هو قرأ السيرة النبوية، ولا هو ملم بأمور الفقه الحياتية، والتي لا تستقيم حياة المسلم إلا بها.

 

وتلك الأمور الثلاثة ألا وهي معرفة العربية، وقراءة السيرة، والإلمام بأمور الفقه الحياتية هي التي تشكل الهوية العربية الإسلامية، وبدونها تختل الكثير من الموازين في الشخصية، وقد اختلت بالفعل مع الأسف. فقد كانت الكثيرات من زميلاتي في الإعدادي لا يعرفن معني “التيمم” أو “التطهر”، ناهيكم عن كيفيتهما. وزميلة أخرى لي في العمل، من المفترض أنها مثقفة وجامعية وكان زواجها قريبًا، وكنا نتحدث عن صيام السنن، ففوجئت أنها لا تعرف أن عليها ألا تصوم دون علم زوجها (باستثناء رمضان)، وأخرى كانت تجهل كيفية الغسل من الجنابة وهي على وشك الزواج في اليوم التالي!! وهناك لا ريب الأسوأ، فهناك كثيرات ممن لا يعرفن كيفية الصلاة أو الوضوء الصحيحين، وقد قاربن الثلاثين وهن متزوجات وعندهن أطفال!

 

باختصار، فإن مآسي الجهل الديني لا تنتهي، وهي مرتبطة إلى حد كبير وفي معظم الحالات بجهل الناس بلغتهم. فكيف بمن لا يحسن فهم العربية وقراءتها أن يتفقه في دينه أو يقرأ القرآن، أو يطلع على سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم؟! كيف وهو مشغول بدراسة اللغات حتى يحصل على وظيفة الأحلام ويتمكن من الزواج بعد تخرجه؟!

 

ثم يجد نفسه وهو لا يحسن التعامل مع الناس في عمله، أو يسيء لهم ويسيئون له. ثم لا يعرف كيف يطالب الإنسان بحقه، وكيف يُوفِّي حقوق الآخرين، وأنَّى له وهو لا يعرف أصلًا ما له وما عليه؟! فلا أهله علموه الدين والفقه والأخلاق في بيته، ولا درَّسه معلِّموه في المدرسة، ولا هو حرص على تعليم نفسه! والعجيب أن يأتي البعض ليقف أمام هذا الموقف مشدوهًا ومهمومًا، ويستغرب ضياع الهُوية ويرثى لحال الأمة! ولكن عجبه ينبع من جهله بالسبب، فإذا عُرف السبب بَطُل العجب!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك