كيف صنعت أمي عالمي؟

24 مايو , 2017

أفكر باستمرار بكيفية ارتباط كافة الأمور في حياتنا بالتعليم؟ كلما حاولت الابتعاد قدر الإمكان وجدت أنني أدور في الدائرة نفسها: التعليم والحياة، واليوم قضية الشهر تتمحور حول أصل هذه الحياة، المرأة، الأم، الْمُعلم الأول في حياة كل طفل، وصانعة الأحلام والطموحات، المدرسة التي إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق.

اليوم فرصتي في التعبير عن جميع أفكاري فيما يخص هذا الشأن، بوصفي فتاةً وابنةً وأمًّا حتى وإن لم أتزوج وأنجب الأطفال، لكني أستطيع دائمًا خوض التجارب في عقلي وخيالي وتأملي المستمر لما يحدث حولي في الحياة.

الأم المثالية

كنت دائمًا موضع حسد في صغري من أصدقائي وزملائي في المدرسة، نظرًا لاستعدادي الدائم بكل الأدوات في حقيبة مدرستي أنا وأختي، طعامنا المميز، وحتى ملابسنا المهندمة وتسريحة شعرنا المميزة.
اعتدت على الاستيقاظ مُبكرًا لأجد أن كل ما يلزمني للاستعداد للذهاب للمدرسة على أتم التجهيز، حتى الآن وأنا في السادسة والعشرين من عمري، لا أتذكر يومًا خرجت من منزلنا دون أن أتناول فطوري الصباحي، أعود لأجد أمي في انتظاري وهي منشغلة بالعديد من الأعمال والمنزل في حال رائع؛ فأشعر بالراحة والارتياح لتحقق معنى كلمة “البيت” في حياتي.
لطالما اعتقدت أن كل أصدقائي مثلي، والجميع لديهم أم كأمي، بل وتخيلت دائمًا أن هذا هو المطلوب منها! أن تحافظ على المنزل في حال رائع ومُنظم وتُعد لي الطعام وتتولى مسؤولية ترتيب كافة شئون حياتي.

ربة منزل أم عاملة؟

عندما كان يسألني أحد وأنا صغيرة عن عمل أمي، كنت أجيب بضيق في نفسي، هي ربة منزل فقط وليست عاملة، اعتادت أن تعمل، ولكنها الآن ترعاني أنا وأخواي في المنزل.
أستطيع القول إن المشاعر والأفكار المتناقضة بشأن التصنيف العالمي للمرأة قد تدور بذهن طفلة صغيرة حتى قبل سطوع شمس مواقع التواصل الاجتماعي وعالم المعرفة والاطلاع الهائل على الأفكار النسوية وغيرها.
كنت أفكر باستمرار أن أمي استطاعت تحقيق عالم مثالي لي ولإخوتي، لماذا عليها أن تعمل لتكون في صفوف النساء الناجحات؟ أوَلَيس ما تفعله نجاحًا حقيقيًّا؟
أتحدث مع أحد أصدقائي حول طموحي الشخصي في الحياة، ورغبتي في أن أصبح أمًا وربة منزل لبعض من الوقت، أرعى أبنائي كما تفعل أمي، يعودون من المدرسة ليجدوا المنزل يعمه الدفء والشعور بالأمان، كما أحب أن أعمل وأخطط إنجازات مهنية وشخصية، أحب أن تكون أمومتي إحدى هذه الإنجازات.

الصورة النمطية للمرأة الناجحة

في الحقيقة هذا الأمر يبدو كبيرًا للغاية، حتى إنني لا أعرف كيفية ترتيب أفكاري بشأنه، أخشى الوقوع في دائرة تكرار الأفكار والكلمات الرنانة دون تقديم فائدة، ولكن علي أن أحاول، ربما أصل لشكل جيد يصوغ أفكاري في نهاية هذه السطور.

 

في البداية لنعترف جميعًا بأن إصدار الأحكام أمر في غاية السهولة، من السهل أن تجلس لتحكم على المرأة العاملة بأنها مُهملة ومُجرمة في حق أطفالها لعدم توفير الرعاية الكاملة لهم.
رجاءً لا تحاول النظر للنظام الاقتصادي العالمي وكيفية توزيع الفُرص والمساواة في ظروف الحياة المعيشية، لنُسلط نظرتنا الدائمة حول هذه الفئة من الطبقة من المتوسطة، السيدات والفتيات الحاصلات على تعليم متوسط أو عالٍ.

يُمكننا كذلك ضم الفئة الأعلى، ذات السُلطات والأموال الكثيرة، من يستطيعون جلب مُربيات من دول العالم الفقير لرعاية أطفالهم، ورجاء كذلك لا تحاول التفكير في شأن أطفال هذه المربية الفقيرة، نحن الآن بصدد إصدار الأحكام ورسم النمط المثالي للسيدات التي تجمع بين دور الأم والمرأة العاملة بكل نجاح، أو تفشل فيه فشلًا ذريعًا.

ها نحن نتحرى خطوات الفشل والنجاح على حد سواء لتقديم نصائحنا للعالم، ونخرج في النهاية بمبادئ وأفكار وشعارات نضعها في إطار مُحدد ونُطلق على من يعتنقها اسم الْمُدافعين عن حقوق المرأة والأم والطفل.
نجدهم تارة في دفاعهم يرتدون عباءة الشرع والدين! وتارة أخرى تجدهم يدافعون باستماتة باسم الحُرية، ومنهم من يعتقد بأن النسوية هي الاسم الأمثل للتعبير عن هذه الحقوق والحريات.

في ظل الانقسام والصراع بين مناصري القضية طوال الوقت، تجد أن المشاكل ما زالت قائمة، ولا يوجد من يحاول أن يرى الصورة الكاملة إلا قليل. الكل يحاول إثبات قوته ونجاحه على حساب الأضعف أو الأقل من وجهة نظره!، من السهل أن أتهم الفتاة التي تصغرني بـ 10 أعوام ولديها طفل صغير بالجهل والتخلف والتخلي عن الطموح من أجل رجل!

لا يهم أنها نشأت في بيئة بدائية وتمتلك أفكار مختلفة عن أفكاري وطموحًا ورغبةً في رسم مستقبل بسيط لها ولأبنائها وزوجها، من السهل كذلك اتهام من لا ترغب في الزواج والإنجاب بالفتاة الْمُعقدة التي وقعت فريسة للأفكار التحررية وتعتقد أنها تستطيع الحياة للعلم والعمل والطموح المهني فقط.

أرى يوميًّا نماذج مختلفة من الأمهات والسيدات اللاتي يناضلن للحياة وتوفير فرص أفضل للمعيشة لأسرهم وأزواجهم، من جميع الفئات أراهم يتشابهون ويتقاسمون المهمات الصعبة والشاقة يوميًّا، فلا أرى فارقًا بين المرأة العاملة في المدينة، والسيدة القروية البسيطة، وربة المنزل، يتشاركون المشكلات والظروف الحياتية القاسية من إهمال الزوج وعدم مبالاته، والضغوط المجتمعية والاقتصادية، ومحاولاتهم البائسة في رسم الصورة النمطية للسيدات النجاحات التي تبثها الماكينة الإعلامية كل يوم، وتشاركها الفتيات الطموحات النجيبات على مواقع التواصل الاجتماعي حديثًا.

أين حقوق الطفل؟

المشكلة الأكبر في وجهة نظري هي محاولة رمي حقوق الطفل على الأم أو المرأة الْمُربية فقط، حقوق الطفل تبدأ قبل ولادته في توفير فُرص حياة كريمة للأفراد الذين يقررون الزواج والإنجاب.
حقوق الطفل في وجود مؤسسة تعليمية وتربوية توفر نماذج مختلفة من التعليم مناسبة لظروف كل طفل وعائلته، لا المدارس غير الآدمية التي تمتص عمر الطفل وتحرمه حقه في استكشاف الحياة مع أمه وأسرته بأكملها، حقوق الطفل في تنشئة الشباب والرجال على المسؤولية والتشارك في رعاية الأبناء ودعم الزوجات والنساء في تحقيق أحلامهم ومعاملتهم كأفراد طبيعيين.

حقوق الطفل في مراعاة حقوق المرأة العاملة وطبيعتها الجسمانية الْمُختلفة واحترامها، في منحها فترات الراحة اللازمة وقت الحيض والولادة والرعاية لأطفالها، حقوق الطفل في احترامه من قِبل الدولة وجميع فئات المجتمع ومعاملته كفرد ذي قيمة ومسؤوليات وحقوق رعاية لا بد أن تتوافر له قبل ولادته!

فاصل سينمائي

يقف “جاريد ليتو” على المسرح لتسلم جائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثل مساعد، ويحكي قصة قصيرة عن فتاة مراهقة تركت المدرسة وهي تحمل في بطنها ابنها الثاني وحيدة دون زوج!، وبشكل ما استطاعت أن تدير حياتها وتُعلم أطفالها أن يصبحوا مبدعين ويعملون بجد لتحقيق إنجاز خاص بهم، هذه الفتاة هي أمه، التي وقف “ليتو” ليحيها ويشكرها على كل ما قدمته له ولأخيه الأكبر حتى هذه اللحظة.

فيلم “Mamma Mia” يحكي قصة “صوفي” الفتاة التي ستتزوج قريبًا في حفل ضخم تقيمه في الفندق البسيط الذي تملكه والدتها على جزيرة يونانية، ولكن صوفي حائرة لأنها لا تعرف من هي، ولا تعرف كذلك من هو والدها، لقد تورطت والدتها في ثلاث علاقات في فترة قصيرة وهي شابة ولم تستطع معرفة من هو والد صوفي الحقيقي، فقامت بتربيتها وحدها طوال 20 سنة.

تقف صوفي بفستانها الأبيض مع والدتها لتسألها “هل أخذلك؟” لقد قامت والدتها بالتخلي عن كل ما تحب لأجلها، والآن صوفي ترفض ترك الجزيرة والعيش مع والدتها والاستقرار بالزواج بدلًا من السفر حول العالم لتعرف من هي.

تخبرها والدتها بأنها لم تمتلك القدرة على الاختيار يومًا، فقد رفضتها عائلتها عندما علمت بخبر حملها، ولكنها الآن تنظر إلى صوفي لترى ماذا استطاعت أن تُنجز في حياتها، تقف “صوفي” حائرة أمام 3 آباء مُحتملين في حفل زفافها، تسألها أمها: هل تسامحيني؟، تجيب “صوفي” بثقة وعفوية شديدة: “أنت أمي، وأنا أحبك، لا يهمني ماذا فعلتِ على الإطلاق!”.

قبل التسرع في إصدار الأحكام، هذه ليست دعوة للإنجاب خارج إطار الزواج، لكن هذا ربما هو النموذج الأصعب للأم في أي مجتمع مهما كانت درجة تحرره، نموذج الأم العزباء التي لا تعرف كيف تنجو مع أطفال تربيهم وحدها دون عائلة أو دعم، مُحاصرة بالاتهامات والعنصرية ولكنها في النهاية تستطيع النجاح بتربية طفل يغفر ما لا يغفره سوى الله بمحبته البالغة التي يزرعها في قلوب الأبناء والأمهات على حد سواء.

كيف صنعت أمي عالمي؟

بمرور الوقت تأملت في شكل علاقتي بأمي، وفكرة الأم المثالية الخارقة التي تستطيع فعل المستحيل لأبنائها طوال الوقت، أدركت أنني أحب أمي لا لأنها كانت توفر لي ما أحتاجه طوال الوقت، بل لأنها تصنع ذلك بحُب، كبرت وأصبحت أتذمر من محاولاتها المستمرة في توفير سبل الراحة لي على حساب راحتها الشخصية، وأخبرتها بأنها كانت لا بد أن تحيا لنفسه لبعض الوقت، لتحقيق أحلامها وطموحها، وكانت تخبرني بأنها قضت الجزء الأكبر من حياتها قبل ولادتي في عمل كل ما تحبه في الحياة، وأنني وأخواتي كنا حلمها الأكبر الذي يتحقق كل يوم بنجاحنا في تحقيق ما نُحب بدورنا.
اكتشفت كل ما أفخر بصنعه في حياتي وما كنت أظنه عملًا عظيمًا استطعت الوصول إليه هو لا شيء مقارنة بما تفعله أمي كل يوم، هي من علمتني أن أحيا بهذا الشكل وهي من دعمتني حتى في أوقات فشلي في تحقيق ما أحب، الفارق أن أمي تفعل ما تفعله بحُب في صمت وإيمان بأنه الأمر المعتاد والواجب عليها، وأنا “كنت” أفعله في ضجيج من أجل لفت الانتباه والشعور بالأهمية في هذه الحياة وتحقيق صورة النجاح النمطية.

علمتني “صوفي” وعلمني “ليتو” وغيرهم وغيرهم من النماذج الرائعة للأبناء أن أحب أمي بدون شروط، بدون مقاييس مثالية، وأن أدعمها وأحترم اختياراتها في الحياة، وأساعدها على تحقيقها حتى وإن لم تنل إعجابي، فأنا لا أملك أمي!

علمتني أمي أن أعظم ما أقدمه لأبنائي هو أن أختار وجودهم في الحياة، ولا أتوقف عن تحقيق أحلامي أو أجعلهم عائق في طريقي وأندم بعد ذلك على ما لم أحققه، علمتني أمي أن الحُلم مسؤولية، وعلمتني كذلك أن أبذل كل طاقتي في العمل على تحقيق هذا الحُلم.

لقد صنعت أمي عالمي بحُبها، وعلمتني أن أعمل وأحيا بُحب، وإن كانت هُناك نصيحة واحدة أستطيع أن أقدمها لأي أم ولنفسي قبل الجميع، فهي أن أحب أبنائي ولا أتوقف عن غمرهم بهذا الشعور يومًا، حتى وإن لم يكن هناك الكثير لأقدمه لهم ماديًّا، فأنا لست المرأة الخارقة ولا أي أم كذلك، هن عظيمات بسبب حبهن لنا، ومحاولات التعبير المستمرة عن هذا الحُب في صور أفعال تصيب مرة وتخطئ مرة أخرى.

علمتني أمي أنها “إنسان” وكل إنسان يؤخذ منه ويُرَد، ويبقى دائمًا الصدق في المشاعر والقول الذي لا يمكن أن تخطئه قلوبنا ويصنع من علاقتنا بهن قصصًا أسطورية نحكيها بكل فخر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

[…] أما كيف تعاملت أسماء مع أثر عمل المرأة على أبنائها ففي مقالها كنوز ربما من الواجب أن نقف عليها بمصداقية عالية لما فيها من تحليل دقيق ووافي… لم تتجاوز أسماء تجربتها الشخصية بل لعل في تجربتها شيئًا مختلفًا تمامًا، فجراد ابنة لأم عاملة قررت هي بدورها وبعكس والدتها أن تعطي أبنائها لحظات الحب والرعاية كاملة التي ومع حبها لوالددتها افتقدتها … لقد كانت من الشفافية بمكان لتُحدثك عن أجمل لحظاتها التي تمنتها من أمها كطفلة غير أنها لم تكن لتجد أمها هناك …مما استدعاها لتبقى أمًا ناصعة الأمومة، فاتخذت قرارها كما يليق بالأم أن تكون اقرأ واستمتع في رابط مقالها … بذات المعنى التي كانت تبحث عنه أسماء احتفت آية عاشور الأبنة تحتفي بمعني البيت فكتبت في مقالها ”كيف صنعت أمي عالمي؟”: […]

أضف تعليقك