تعليم الفلسفة للأطفال .. كيف نُعلّم أطفالنا الفلسفة؟

12 أبريل , 2020

لن أخوض في تعريف الفلسفة فهو أمر متشعب وكبير، لكن عمومًا نعرف أن كلمة فلسفة Philosophy تعني “حب الحكمة”، والفلسفة أيضًا – بحسب أرسطو – هي “الدهشة” أو “القدرة على الدهشة”.. وهو المعنى الذي يجب أن نعتمده في حديثنا عن تعليم الفلسفة للأطفال وتنشئتهم عليها.

بداية قبل أن أشرع في الحديث عن تعليم الفلسفة للأطفال، يجب أن نتكلم قليلًا عن الفلسفة ونحطّم بعض الادعاءات التي تُنسَب إليها…

 

هل الفلسفة تعني الإلحاد؟

يسود في كثير من المناطق حول العالم وخاصة في الوطن العربي اعتقادٌ بأن الفلسفة ترادف الإلحاد وتناصره وتؤدي إلى الاعتقاد به، كما تساعد على الهرطقة والابتعاد عن الدين.

 

وهي كلها افتراءات لا أكثر، فلو نظرنا إلى حال أعظم الفلاسفة لأدركنا بأنهم كانوا مؤمنين إيمانًا راسخًا لا يعتريه شكّ، بداية من سُقراط وأفلاطون وأرسطو، مرورًا بابن سينا والكندي والفارابي وابن رشد وابن طفيل والغزالي وصدر الدين الشيرازي، وصولًا إلى كونفوشيوس وأوغسطين توماس الإكويني ورينيه ديكارت وإيمانويل كانط وليبنتز وفولتير.. إلى أخر الفلاسفة والمفكرين الذين آمنوا بوجود خالق للكون وصنّفوا أقوى الأدلة على ذلك، فكانوا عَونًا للدين وليس ضده.

 

لكن هل من الممكن أن تؤدي الفلسفة إلى الإلحاد؟ .. نعم، لكن هذا لا يحدث إذا ما اعتنى الوالد بتربية طفله تربية فكرية ونفسية صحيحة، فنعرف أن معظم الدوافع التي تؤدي إلى الإلحاد تكون في الغالب نفسيّة وليست عقلية أو فلسفية.

تعلّم الفلسفة هو ترف فكريّ!

 

إذا تكلمنا عن الفلسفة يقول البعض بأنها ترفٌ فكريّ، وبأن هناك من العلوم ما هو أنفع وأكثر قيمة منها..!

 

إن الفلسفة منذ قديم الأزل، كانت حرفيًا “أم العلوم”، وهذا ليس تخايلًا أو مبالغة، وإنما هي كذلك بالفعل .. كانت الفلسفة في البدء تشمل الفيزياء والأحياء والكيمياء وغيرها من العلوم وكان لهذه العلوم فرعًا يسمى “الفلسفة الطبيعية”.

 

لكن ما يميّز الفلسفة عن العلوم وما يجعل لها الأهمية الأكبر، أن العلوم تبحث في تفسير الظواهر وإيجاد القوانين، تبحث في ظواهر الوجود، لكن الفلسفة تبحث في الوجود ككلّ.. فمثلًا: الفيزياء تجاوب علي سؤال: كيف بدأ الكون؟

 

لكن الفلسفة تجاوب على سؤال: لماذا/ما الغاية من خلق الكون؟ وإذا كان الكون مخلوقًا فمَن خالقه؟ ومن الذي خلق هذا الخالق؟

 

والعلوم تبحث في الإنسان من حيث أعضائه وظواهره والأعراض التي تطرأ عليه وتؤثر فيه، فإذا سألت فيزيائيًا “ما هو الإنسان”، فسيجيبك بأنه مجموعة من الخلايا والأعضاء المتكاملة التي تؤدي وظيفتها أفضل من أعظم آلة في الكون.

 

ولكن إذا سألت فيسلوفًا عن “ما هو الإنسان؟” فسيحدّثك في عشرات الصفحات عن النفس والجسد وهل هناك نفسٌ أم جسد، وهل هما منفصلان أم متجانسان، وهل النفس خالدة أم لا.. إلى آخره.

 

بعد أن عرفنا أهمية الفلسفة، الآن نجاوب علي سؤال: كيف نعلّم أطفالنا الفلسفة؟

 

دَعهم يسألون

 

يولد الطفل فيلسوفًا بذاته، ينظر إلي الكَون لأول مرة فتراه يحدّق في كل ما حوله متعجّبًا يريد أن يعرف ويعرف الكثير، وكل ما عرف أكثر تعجّب أكثر وازداد حيرةً وسؤالًا…

 

الأطفال هم أفضل الفلاسفة علي وجه الأرض! وذلك لأنهم يمتلكون القدرة على الدهشة، وهذه الخصلة هي أهم ما في الفيلسوف في خصال، وهي النقطة التي تبدأ منها الفلسفة.

 

ولذلك نرى الأطفال يسألون الكثير من الأسئلة التي قد تبدو محرجة أو “محرّمة” مثل: كيف وُلِدتُ؟ .. من الذي خلقنا؟ ومن هو الله؟!

 

لا يجب أبدًا أن تُثبّط هذه الأسئلة ولا أن تمنعه من طرحها، فهي البذرة الأولى التي ستجعله فيما بعدُ متّقد الذكاء فيسأل ويفكر وتتسع له آفاق لم تتسع لغيره.

فأولى بك أن تخبره بأنك فقط “لا تعرف” علي أن تَنهره أو تعاقبه لأنه سأل.

 

وإذا كنتَ مُسلمًا.. فلابد أن تعرف بأن الله لم يحرّم السؤال، وإنما حثّ عليه، وتجلى ذلك في الكثير من الآيات التي تدعو إلى استخدام العقل والتي ورد فيها:

(أفلا تعقلون، أفلا تذكّرون، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، كذلك يبيّن الله لكم آياته لعلكم تعقلون).

 

كما دعانا إلى التفكّر في الكون من حولنا فقال:

“إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ”

وهكذا يمتلئ القرآن بشتّي الآيات التي تدعو إلى استخدام العقل والتفكّر في الكَون.

 

وبالنسبة إلى أهمية استخدام العقل في الإسلام، فأدعوك لقراءة مقالي: لماذا لا تستخدمون عقولكم بحقّ السماء؟

ولتفادي الوقوع في الجهل، يمكنك أن تبدأ بقراءة بعض كتب الفلسفة المبسّطة كي تعرف الرد المناسب الذي تقوله لطفلك عندما يوجه إليك سؤالًا كهذا..

 

كما يجب عليك أن تحثّهم علي السؤال بنفسك.. فمثلًا عندما ترى عصفورة تعتني ببيضها، تسأله لماذا تبيض العصافير ولا تَلد؟ واسأله لماذا ليس لدينا أجنحة مثل الطيور، وهل يمكن أن نخترع جناحًا يمكننا من الطيران مثلها؟!

وهكذا تستطيع أن تنمّي عند طفلك ملكة التفكير والسؤال، وهو الأمر الذي يتميّز به جُل العلماء والفلاسفة، فليس عالمًا من لم يسأل.. وليس فيلسوفًا من لم يفكّر وينتقد.

ولم نكن سنسمع عن آينشتاين إذا لم يفكّر في سرعة الضوء والجاذبية وينتقد نظريات إسحاق نيوتن، فالسؤال والتفكير هو عُمدة العلم وعماد العلماء ووسيلتهم لصَياغة النظريات والمعادلات.

 

شجعهم على القراءة

 

القراءة من أكثر الأشياء التي تساعد الطفل على أن يفكّر ويستعمل عقله، فبادر بتعليمه القراءة.. حاول أن تشتري له بعض القصص المصوّرة، أو تقرأ له قصة قبل النوم إذا لم يعرف القراءة بعد لكي تعوّده على الكتاب.

حاول بنفسك أن تهتم بالقراءة والكتب وأخبره بأن القراءة شيء مهم لا يقل أهمية عن الطعام والشراب واللعب، وأعطه المكافآت عندما ينتهي من قراءة كتاب أو قصة.

اقرأ بنفسك كتابًا في الفلسفة وحاول أن تُبسّط له نظرية عن فيلسوفٍ ما.

كما أن هناك الكثير من الكتب التي تعلِّم الفلسفة بطريقة مبسّطة للأطفال، وستجد الكثير منها على الإنترنت.

 

كيف تجعل من طفلك «فيلسوفًا»؟ من “الليغو” إلى الأفلام والكُتب!

 

في ظل الانفتاح الحضاري..

 

مع انتشار الإنترنت وتحقيق نبوءة نيكولا تسلا بوجود شبكة تمكّن جميع البشر من الاتصال ببعضهم في وقت واحد، ومع انتشار الثقافات والديانات والأفكار المختلفة… مع وجود هذا كله لا يمكنك أن تمنع طفلك من معرفة ما يزعزع إيمانه…

 

الكثير من الآباء يحاول أن يمنع طفله من الاستماع إلى فلان لأنه مسيحي، ومن القراءة لفلان لأنه ملحد أو يهودي .. هذا لم يعد ينفع بعد الآن!

 

الآن بضغطة زر واحدة يستطيع طفلك أن يتعرف على أكثر الأفكار اختلافًا وانحرافًا عن الأفكار التي تدين بها أنت.

 

والحل يكون في تسليحه بالأدوات المناسبة من التفكير النقدي والمنطق والفلسفة، فبتعليمه الفلسفة منذ صغره يستطيع أن يواجه أقوى الأفكار وأكثرها شذوذًا.. كما يمكنه بذلك أن يميز الصحيح من الخاطئ وأن يتخيّر الحق من الباطل.

 

كما يجب أيضًا أن تعلّمه آداب الحوار والمناظرة وأن تعلّمه بأن هناك في العالم من الآراء والاختلافات ما لا يستطيع بشر عدّه، فيجب أن نحترم الآخر المختلف بدلًا من أن نبغضه أو نسبّه لمجرد أنه يدين بآراء مختلفة عن تلك التي تدين بها.

 

وعلّمه أيضًا أن يكون منصفًا وساعيًا إلى الحقيقة ولو على حساب أفكاره، فإذا اتضح له بالدليل القويم أن واحدة من أفكاره خاطئة، فيجب عليه أن يتخلى عنها فورًا.

 

وكما يقول ديكارت في القاعدة الأولى من كتابه “مقال عن المنهج”:

“ألا أقبل شيئًا على أنه حق ما لم أعرف يقينًا أنه كذلك، بمعنى أن أتجنب بعناية التهور، والسبق إلى الحكم قبل النظر، وألا أدخل في أحكامي إلا ما يتمثل أمام عقلي في جلاء وتميز، بحيث لا يكون لدي أي مجال لوضعه موضع الشك”.

المراجع:
  • عالم صوفي – جوستاين غاردر
  • ويكيبيديا – فلسفة
  • ويكيبيديا – فلسفة الدين
  • الفلسفة الإسلامية – دكتور أحمد فؤاد الأهواني
  • التفكير فريضة إسلامية – عباس محمود العقاد
  • مقال عن المنهج – رينيه ديكارت، ترجمة: محمود الخضيري، ومراجعة وتقديم: د. محمد مصطفي حلمي.


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك