لماذا يهاجر الباحثون العرب إلى الدول الغربية؟!

14 فبراير , 2017

يضطر الكثير من الباحثين في الوطن العربي إلى اللجوء إلي الدول الغربية، إما لأسباب سياسية كالحروب والمنازعات الثورية، أو لأسباب اجتماعية كعدم إيجاد دعم أو تقدير حقيقي للباحثين والبحث العلمي في الوطن العربي مما لا يمكنهم من مواصلة حياتهم وإعالة عائلاتهم بالشكل المناسب، أو لأسباب اقتصادية حيث لا تلقِي الدول العربية بالًا للإنفاق على التجارب العلمية والبحث العلمي مما يحتم على الباحث العربي الهروب والفرار إلى الدول الغربية في محاولة لإيجاد مجتمع حقيقي يهتم به ويوفر له احتياجاته البحثية والاجتماعية.

إلى أي مدى تفاقم الوضع؟

يؤكد التقرير الصادر عن منظمة اليونسكو عام 2010 أن مستوى الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي ضعيف للغاية، حتى في دولة كبرى مثل مصر؛ حيث تنفق الحكومة المصرية على البحث العلمي 0.23% فقط من الموازنة العامة، وفي الأردن بلغ الإنفاق علي البحث العلمي 0.34%، وسوريا 0.12% وتونس 1.02%، والمغرب 0.64% والسعودية 0.05% من إجمالي الناتج القومي.

كما لا يتجاوز تمويل البحوث العلمية في العالم العربي 0.2% في الألف من التمويل في الدول المتقدمة.

بنظرة سريعة علي هذه الإحصائيات نجد أنه من المعقول، بل من الطبيعي أن يهاجر الباحثون العرب إلى الدول الغربية، حيث يجدون دعمًا حقيقيًا واهتمامًا كبيرًا بأبحاثهم العلمية.

الباحث الجزائري نور الدين ميليكشي

نور الدين ميليكشي هو باحث جزائري كغيره من الباحثين العرب اضطر لترك بلاده والذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية لمواصلة الدراسة وللبحث عن مستقبل وظيفي مناسب يمكنه من العيش كباحث علمي.

غادر نور الدين ميليكشي جامعة “هواري بومدين” للعلوم والتكنولوجيا في الجزائر، واستطاعت الولايات المتحدة تقدير كفاءته تقديرًا لأبحاثه حيث أصبح اليوم نائب رئيس قسم الأبحاث في جامعة ولاية ديلاوير، والمؤسس والمدير التقني لمركز البصريات التطبيقية.

عندما سُئل ميليكشي عن سبب تركه للعمل في الجزائر والذهاب إلي الولايات المتحدة الأميركية، جاوب ميليكشي أنه بعد إكماله الدراسة في جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا في الجزائر العاصمة في التسعينيات، تم تعيينه كأستاذ لمدة 18 شهرًا، ومن ثم غادر وطنه بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية الصعبة في الجزائر، حيث كان حريصًا على مواصلة دراسته في إحدي الجامعات الغربية.

يقول ميليكشي: “في البداية ذهبت إلى المملكة المتحدة، وحصلتُ على شهادة الماجستير والدكتوراه من جامعة ساسكس”، ثم توجه ميليكشي إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستطاع الالتحاق بجامعة ولاية ديلاوير الشهيرة كباحث في استخدام الليزر للكشف المبكر عن مرض السرطان.

وبخصوص الظروف التي وجدها هناك في الولايات المتحدة، فيقول ميليكشي إنه لم يواجه أية صعوبات أو عقبات هنا في الولايات المتحدة،” فجميع الظروف مثالية لإجراء الأبحاث العلمية المتطورة. وكل ما يحتاجه الباحث فقط هو العمل والتنافس من أجل إثبات ذاته، وهذا الأمر متاح للجميع، دون تمييز”.

ويقول ميليكشي: “أعلم أننا لا نزال متخلفين، بسبب افتقارنا للمؤهلات العلمية، لكنْ هناك اهتمامًا كبيرُل في هذا المجال من الأبحاث (الفضاء). إنه يتطلب أيضًا توفير ميزانيات كبيرة، لا تزال الدول العربية غير قادرة على توفيرها”.

نور الدين ميليكشي واحد من 300 عالم في أنحاء الولايات المتحدة يعملون في مهمة مختبر علوم التاريخ الذي أشرف علي هبوط المسبار “كيوريوسيتي” علي سطع المريخ بنجاح، بالإضافة إلي عدة مشاريع بحثية أخري.

إخفاق الأنظمة التعليمية في الوطن العربي

التعليم في الوطن العربي يعتمد على الحفظ والتلقين لا البحث والتطوير كما يلتزم بأساليب التعليم التقليدية، بالإضافة إلى جودة التعليم المتدنية في كافة المراحل التعليمية حتى التعليم العالي يسود فيه الالتزام بمنهج دراسي محدد وحفظه ومن ثم تفريغ هذا الحفظ في ورقة الامتحان.

وما زالت الجامعات في الوطن العربي تعتمد على أسلوب نقل المعرفة من خلال التدريس عوضًا عن إنتاجها من خلال البحث، ونحن نرى الحاصل على الشهادة الجامعية هنا لا يُقارَن بالحاصل علي الشهادة الجامعية في أوروبا.

لهذه الأسباب وأسباب أخرى، اتجه العديد من التلاميذ العرب إلى الدراسة في الجامعات الغربية، حيث يجدون مزجًا رائعًا بين التعليم والترفيه، وتمتاز الجامعات والمدارس هناك بأنها تعتمد على البحث والتطوير الدائمين وتبتعد عن الحفظ والتلقين، كما تهتم بتجربة أنظمة تعليم حديثة تستخدم التكنولوجيا في عملية التعلم، منها على سبيل المثال نظام التعليم المدمج الذي تبنته العديد من الدول الغربية وقد لقي نجاحًا كبيرًا في العملية التعليمية.

أنظر: نظام التعليم الدمج: النظام المثالي للطالب المثالي

ونحن نرى أن معظم الطلاب العرب الذين يدرسون في الدول الغربية – وبعد أن رأوا هناك ما رأوا من ثقافة وحضارة ووعي وتقدم، بالإضافة إلى الاهتمام الشديد بالباحث والبحث العلمي – لا يرجع إلى بلده العربية التي تعمل ضد الباحثين العلميين وليس معهم.

ما النتائج المترتبة على هذه الأزمة؟

تؤدي هجرة الباحثين العرب ااالدول الغربية إلى:

  1. اتساع الفجوة المعرفية والاقتصادية والعلمية بين الدول العربية الطاردة لباحثيها وعلمائها، وبين الدول المتقدمة التي ترحب بهم وتوفر لهم مناخًا مناسبًا لكي يقوموا بأبحاثهم العلمية بدون أية مشاكل أو تهديدات.
  2. كما يؤدي هروب الباحثين العرب من أوطانهم إلى خسارة الكفاءات العلمية التي تعتمد عليها الدول في عمليات البحث والتطوير والتخطيط من أجل نهضة المجتمعات والقضاء علي المشاكل والأزمات.

وفي هذا الصدد يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أنه عند نهاية القرن العشرين سيوجد أكثر من مليون مهني عربي يعملون في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD وهي المنظمة التي تضم دولًا مثل النمسا وبلجيكا وكندا وإسبانيا وألمانيا واليونان والعديد من الدول الأخرى في كافة بقاع الأرض.

  1. الخسائر المادية الكبيرة، حيث تصرف الدولة العربية على الباحث ثروة من أجل إعداده – حتي ولو كان الإعداد خاطئًا أو ليس بالمستوى المطلوب -، ثم يقدّم حصيلة علمه وجهده على طبق من ذهب إلى دولة أخرى غربية، وتقدر خسائر الوطن العربي بـ200 مليار دولار سنويًا بسبب هذا الأمر.

وتشير الدراسات إلي أن الوطن العربي يساهم بـ 31% من هجرة الكفاءات في الدول النامية، فيساهم بـ50% من الأطباء، و23% من المهندسين، بالإضافة إلى 15% من العلماء من مجموع الكفاءات المتخرجة من المدارس والمنشآت التعليمية العربية.


المراجع:



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] أنظر: لماذا يهاجر الباحثون العرب إلى الدول الغربية؟! […]

[…] أحيانهم قبولهم. أما الكاتب محمود ماهر – مصر في مقاله “لماذا يذهب الباحثون العرب إلى الدول الغربية؟”، فهو يبين بالأرقام أن نسبة تمويل الأبحاث العلمية في […]

أضف تعليقك