مبادرات تعليمية ناجحة: مدرسة تطوعية للاجئين السوريين في لبنان

30 أغسطس , 2015

عندما تم اقتراح موضوع “التجارب والمبادرات التعليمية الناجحة في دول العالم” كقضية للشهر، وجدت نفسي أمام أمثلة كثيرة ومتنوعة يمكن التطرق لها والحديث عنها بشكل مفصل، لكنني لسبب ما فضلت الإبتعاد عن النمطية المتعلقة بالتجارب اليابانية والكورية والفنلندية والألمانية وغيرها، إيماناً مني بأن التجارب الناجحة قد تجد لها مكانا في بلداننا العربية رغم الفارق المهول في الإمكانيات المادية والموارد البشرية المدربة والراغبة في التغيير والتطوير الحقيقي، وبما أن منطقة الشرق الأوسط غارقة للأسف الشديد في بحور القتل والدماء، فقد اخترت الحديث عن تجربة تعليمية ناجحة ولدت من رحم معاناة اللاجئين الذين شردتهم الحرب القذرة المستمرة للعام الرابع على التوالي في سوريا.

يتعلق الأمر هنا باللاجئين السوريين في لبنان، فبعد دراسة أجراها مجموعة من المتطوعين والناشطين السوريين، لوحظ أن الكثير من العائلات السورية المقيمة في لبنان عاجزة عن دفع الأقساط المدرسية لأبنائها حتى الرخيصة منها، بسبب ضيق ذات اليد، فجاءت الحاجة الملحة لإنشاء مدرسة خاصة بالطلاب السورين فقط.

رغم نشأة الفكرة بدايات سنة 2012، إلا أنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ إلا أواخر تلك السنة، وذلك بسبب عدة إكراهات متعلقة بموقع بناء للمدرسة وتوفير الكتب والقرطاسية ووسائل التدفئة وحافلات للطلاب وغيرها من المشاكل التي تحتاج إلى جهة داعمة، لكن تم رغم ذلك افتتاح مدرسة المقاصد الخيرية للاجئين السوريين لتستوعب 520 طالباً وطالبة.

تم تقسيمهم على الشكل التالي: الصف الأول شعبتان – الصف الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن كل صف شعبة واحدة – الصف التاسع شعبتان – والصف العاشر شعبة واحدة وباكالوريا أدبي وعلمي كل صف شعبة واحدة، وبدوام واحد يبدأ من الساعة الثانية ظهراً وينتهي الساعة السادسة والنصف مساءً.

كما قلنا، واجهت إنطلاقة المدرسة عدة مشاكل، أولها مشكلة الكتب والمقصود هنا كتب المنهاج السوري، فليس هنالك من جهة لتقدم ثمن الكتب لشرائها من سوريا، وأجور تصوير الكتب بهذا الكم باهظ أيضاً، لكن الكاتب والمؤرخ الفلسطيني الاستاذ غسان شهابي تطوع لتقديم قسم من الكتب من جيبه الخاص كعربون حب ووفاء وتآخي، فكانت هذه الكتب هي بداية لبدأ العمل بالمدرسة بالإمكانيات المتاحة، وتم تأمين باقي الكتب لتغطية حاجات الطلاب.

المشكلة الثانية متعلقة بدوام الطلاب السوريين الذي يبدأ من الساعة الثانية ويستمر الى السادسة والنصف مساءً وهذا يستدعي إضاءة ليلية غير متوفرة في المدرسة خاصة وأن مشكلة الكهرباء في لبنان قديمة، لكن تم حل المشكلة وتدبير إضاءة كافية.

وقد حلت أيضاً مشاكل أخرى تتعلق بالتدفئة والنقل وغيرها، ويعكف المتطوعون على حل بعض المشاكل الاخرى كزيادة قدرة استيعاب المدرسة من الطلاب السوريين المقيمين في المنطقة علماً أن هنالك عدد كبير من الطلاب يصل إلى أكثر من 150 طالباً وطالبة على لائحة الانتظار لعدم توفر أماكن لهم بحكم أن المدرسة مؤلفة من طابق واحد ودوام واحد فقط.

بدأ الكادر التدريسي العمل بشكل طوعي وبدون أي مقابل كما هو الحال بالنسبة للمدرسة التي لم تفرض أية رسوم على التلاميذ، ولم يزل يعمل دون كلل أو ملل على هذا الاتفاق، ثم صرفت مكافآت مالية للكادر التدريسي من قبل جمعية خيرية قيمتها 200 دولار أمريكي للمدرس الواحد مقدمة لمرة واحدة على أن تتبنى الجمعية صرف راتب شهري للمدرسين في الفترة القادمة، مع السعي الحثيث لتأمين التمويل من خلال التواصل مع الجمعيات والمنظمات والهيئات الخيرية.

هي إذن تجربة ملهمة تستحق التأمل، فقد بدأت بإمكانيات بسيطة وعراقيل كبيرة، لكنها استطاعت تحمل الصعاب وتحدي كل العراقيل خدمة لهدف أسمى هو حفظ جزء ولو بسيط من أبناء اللاجئين السوريين من الضياع الذي فرضته حرب لا ناقة لهم ولا جمل في تعقيداتها المدمرة!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك