متأسّفون، شهادتك لا تَصلحُ للوظيفة!

28 يوليو , 2015

أن تكون حاصلاً على شهادة جامعية، فهذا ليس معناه أنّه مرحبٌ بك لتكون موظفاً، فربّما هناك من هو أقل منك تكويناً وتحصيلًا، ولكنّه أحق بالمنصب منك، هوَ واقع مرير، فرضته القوانين المتناقضة، التي تعصف بمستقبل الكثير من خريجي الجامعة، الذين يعانون الأمرّين في سبيل الحصول على وظيفة تحفظ كرامتهم، وتتناسب مع تخصصاتهم.
ففي كل موسم جامعي، تعمل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، على استحداث تخصصات جديدة، دون القيام بدراسات جادّة، لمعرفة مدى توافقها مع سوق العمل بعد التخرج، فبعد أن ينهي الطالب سنوات دراسته، يجد بأنّ شهادته غير معترف بها من قبل الوظيفة العمومية، ولن تعود عليه بأية منفعة. هذا ما حصل مع الطالب (ل.ل)، الذي درس تخصص البصريات وميكانيك الدقة منذ سنة 2005، وتخرّج بشهادة تقني سامي سنة 2008، ليجد نفسه بدون عمل، فشهادته التي يحملها لم تعد مطلوبة، فقرّر حينها العودة إلى الدراسة، وتحصل بعدها على شهادة مهندس دولة تخصص إلكترو بصري، ليتفاجأ بعدها بعدم اعتراف الوظيف العمومي بهذا التخصص، وتم حرمانه أيضاً من الترشح لاجتياز مسابقات الأساتذة بكل أطوارها، والتي تعتبر المتنفس الوحيد لكل الخريجين، خصوصاً بعدما عرفت السنوات الأخيرة، إدراج الكثير من التخصصات في مسابقات التعليم، ومرّة أخرى وجد نفسه مجبراً على إكمال دراسته، للحصول على شهادة الماستر، ليتأكّد في الأخير أن المشكلة ليست في الشّهادات العليا، بل تكمن في الوظيفة العمومية، التي لا تعترف بأية شهادة تصدر عن هذا المعهد – رغم أنه معهد وطني – ليقرر بعدها المشاركة في مسابقة الدكتوراه، وتكلّلت جهوده بأن ظفر بمقعد، سمح له بمزاولة تعليمه العالي، وهو على مشارف الثلاثين من العمر، بدون وظيفة ومستقبل مجهول، فالحصول على منصب للعمل بالجامعة صعب جداً، ويتطلب وقتاً وجهدا كبيرين، كما تلزمه درجةٌ كبيرة من الكفاءة.
ما الجدوى من دراسة تخصّصٍ، لن ينفعك منه سوَى شهادة تزين بها غرفتك، وما الداعي لسنواتٍ ضائعة لا معنى لها، تضيع أغلبها في إضرابات واحتجاجات لا طائل من ورائها، فإمّا أن تكمل دراستك العليا، لتظفر بمنصب في الجامعة، أو تجد نفسك مرغماً على البحث عن وظيفة أخرى، قد لا تلبي أبسط احتياجاتك، فالجامعة وُجدت لتُكوّن كفاءات، تعمل على خدمة المجتمع وتطويره، وتؤدي دورها بفعالية للنهوض بمختلف القطاعات، وليست مشروعاً لتخريج بطّالين برُتبة مثقّفين.
خلال السنوات الأخيرة شهدت الجامعة الجزائرية غلياناً شديداً، وإضراباتٍ عن الدراسة، امتدت لبضعة أشهر في بعض المعاهد، ولم تجد النداءات المتكررة، والوقفات المندّدة بالظلم أي آذان صاغية، وبدل أن تبحث الجامعات عن مخرج، يضمن مستقبلاً آمناً للمتخرجين، راحت تمارس ظلمها على كل طالب يبحث عن حقه، وتُهدّده بعقوبات صارمة، إن لم يعد لمقاعد الدراسة، هذا ما حدث مع الطالبة (هدى.ب)، والتي درست أيضا في نفس المعهد، حيث صرّحت بأن جميع أحلامها انهارت، بعد أن علمت أن الشهادة التي ستحصل عليها، لن تشفع لها في الحصول على أية وظيفة، وحتى وزارة الصحة لم تعترف بتخصصها، ولدى محاولتها هي وزملاؤها الاستفسار، بغية الحصول على بعض الضمانات والتطمينات، إلتزمت إدارة المعهد الصمت، لترفع بعدها المطالب إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، والتي بدورها لم تُحرك ساكنا، فأي مستقبل ينتظر هؤلاء؟؟
سياسة الإقصاء المتعمّد لم تطل الجامعة فقط، بل تعدّت كذلك إلى الوظيفة العمومية، التي تصرّ على عدم الاعتراف بشهادة الليسانس، الخاصة بنظام (الآل آم دي)، والذي أثبت فشله بشهادة الجميع، فهو نظامٌ يرفع من نسبة الخريجين، بسبب قصر مدة الليسانس – 3 سنوات – وكذلك القيود المفروضة للانتقال إلى الماستر، كما لم تهيأ له الأرضية الخصبة التي تضمن نجاحه، ممّا يُعجل بدفع الطالب إلى بطالة سريعة، تُفقده مكتسباته ومعارفه، نتيجة السنوات الطويلة التي ينتظرها، بغية الاعتراف بشهادته، لكي يظفر بمنصب يحفظ كرامته، هذا ما أكّده الطالب (عبد الرزاق.خ)، وهو طالب في السنة الثانية ماستر،  تخصص صحافة، والذي تساءل عن الكيفية التي يُطّبق بها هذا النظام، وكيف أنّه عجز عن وضع أُسسٍ متينة لإنجاحه، والانتقال به من مجرد برنامجٍ، إلى نظامٍ يستوفي شروط التكوين الأكاديمي الجاد، كما استغرب من الطريقة التي تُعالج بها الاختلالات الموجودة، والتي سببها سوء تطبيق هذا النظام، حيث غالباً ما تلجأ الجهات الوصية، إلى ردم الثغرات المترتبة، بقراراتٍ فرديةٍ عشوائية، غير مؤسسة، ولا سند لها، ما يؤدي في غالب الأحيان، إلى تعميق وتوسيع مجال المشكلة، لا إصلاحها، ورأى بأنّه يجب اعتماد استراتيجية متكاملة، تعتمد على تكييف التخصصات المفتوحة لهذا النظام مع سوق العمل.
وكَحلّ مؤقتٍ لهذه المشكلة، لجأت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبالتنسيق مع وزارة التربية الوطنية إلى إدراج هذه التخصصات – غير المعترف بها – في مسابقات الأساتذة لمختلف الأطوار، والتي بدورها لم تسلم من النقد، باعتبار أن هناك تفاوت في المستويات الجامعية، فالطالب الذي يحوز على شهادة الماستر، بإمكانه التدريس في الطور الثانوي فقط، وليس من حقّه العمل في الطورين المتوسط والابتدائي، والمسابقات الأخيرة شهدت إقصاء الكثير من الناجحين، بحجة أن الشهادة أعلى من المنصب المطلوب!! حيث أفاد الطالب (محمد.ل)، الذي يزاول دراسته في السنة الثانية ماستر، تخصص بيولوجيا، وحاصلٌ على عدة شهادات جامعية أخرى، أن المُشكلة تكمن في عدم وجود معايير جادة في مختلف المسابقات، والتي تفتح المجال للمتلاعبين على حد قوله، مما يحرم ذوي الكفاءة من حقوقهم، واعتبر الاعتماد على المقابلة الشفهية، في بعض المسابقات مُنافياً للمصداقية، وعوضاً عن ذلك، كان الأحرى بالمسؤولين، اللجوء إلى المسابقات الكتابية، التي تعطي كل ذي حقٍّ حقه، فلا يتذمر أحدٌ حين تصدر النتائج، فالرضا في نظره، يُعطي الموظف حبًّا للمهنة، وهذا الأخير في نظره يساوي النجاح.
هذا، وتشترط العديد من المؤسسات على المتخرجين، وثائق غريبة للالتحاق بالمناصب، مثل شهادة الأقدمية في البطالة! تقابلها ضرورة وجود خبرةٍ للمترشح، لا تقل عن خمس سنوات في معظم الأحيان! هذا التناقض الغريب، جعل الطلبة الجامعين في حيرةٍ من أمرهم، ممّا دفع بالعديد منهم إلى الالتحاق بالمؤسسات العسكرية، أو مزاولة مهنة التجارة، أو مهن أخرى، وترك الدراسة نهائياً، بحثاً عن لقمة العيش، أو الهجرة بلا رجعة (فيما يعرف بهجرة الأدمغة)، وتجنّب ضياع المزيد من السنوات، فيما لا طائل من ورائه، في زمنٍ أصبح الظفر فيه بمنصب عملٍ، حلماً صعب المنال بالنسبة للبعض، وصارت الشهادة الجامعية بلا قيمة ولا هَيبة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك