مجانية التعليم

8 مارس , 2016

في كل مرة يخرج مسؤول من مسؤولي الدولة المغربية للحديث عن الكلفة الباهظة للتعليم، والاستنزاف الذي يحدثه القطاع في الميزانية العامة، دون نتائج أو عائد في المستوى المطلوب، فما يثار هنا أو هناك يجلو لنا الإعداد النفسي للمجتمع لمرحلة يتم فيها التخلي التدريجي للدولة عن التعليم، أو الانفتاح أكثر على السوق والشركاء الخواص الراغبين في الاستثمار في التعليم، فالخوصصة بديل للدولة بقصد تحجيم الإنفاق على التعليم، وخصوصًا التعليم العالي، هكذا ينظر الكثير للسياسة التعليمية في المغرب.

فهل أصبحت مجانية التعليم فعلًا مهددة في المغرب؟ أم أن تخلي الدولة عن قطاع التعليم أمر غير وارد؟ وكيف هي فعالية القطاع الخاص في المجال؟

المجانية تعني أن التعليم حق للجميع ولا يمكن مصادرته أو احتكاره من فئة وتمتيع أخرى به، فالتعليم حق تكفله الدول لمواطنيها، وهو جزء من التعاقد القائم يتم توفيره بالتساوي بين كل المواطنين في الحد الأدنى المشترك، وما دونه فهو حسب اختيارات كل فرد متعلم، ويكفي أن نتأمل في النماذج المتقدمة في مجال التعليم، أو التي استطاعت أن تجعل من التعليم لبنة من لبنات النهوض والتقدم وفق استراتيجية وخطة لها معالم، هذه النماذج المسلحة بجيش من الخبراء ومراكز الأبحاث والتفكير، تجعل من التعليم النواة الصلبة لكل سياساتها، والأرضية التي ينمو عليها عشب الاقتصاد والثقافة والجانب العسكري والسياسي، فالتعليم والجامعات وثيقة الصلة بهذه المجالات، إلى جانب استنادها على مراكز للتفكير تسهم في صوغ استراتيجيات وعلاج المشكلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

ومثل تلك الحالة للدول المتقدمة في الغرب وآسيا لم تتأتَ بتخلي الدول عن قطاع التعليم، أو بالرفع من تكاليف الدراسة وإثقال كاهل الطلبة وأسرهم برسوم التسجيل، أو تبخيس الجامعات والمؤسسات التعليمية والمعاهد العليا على حساب مراكز التكوين وما يصب في المهنة، كما هو الحال في المغرب في المتداول سياسيًا وإعلاميًا عند بعض السياسيين، أو في خطب رسمية تنتج عنها سباسات وتوجه للدولة يتم فيه توجيه الناشئة كلياً للبعد المهني، مع إغفال الاعتناء بباقي التخصصات والمراكز الجامعية ذات الصلة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية.. (إذن كيف تأتت؟).

إن تخلي الدولة عن التعليم لقطاعات أخرى قد تكون محكومة بنزعة السوق ومنطق الربح، دون وصل للتعليم بمشروع وطني يخدم النهضة الشاملة والاستقلال الحضاري، ستكون عواقبه وخيمة وآثاره سلبية شاملة لمختلف الأبعاد التي يغطيها التعليم ومركزيته في بناء المجتمعات والأوطان، ونحن نرى بأسى في المغرب غياب الانسجام والتكاملية في السياسة التعليمية، فالاهتمام البالغ بمجال التكوين المهني في دعوات المسؤولين ينبغي أن يتم بحسب حاجة الاستثمار والقطاعات التي قامت في المغرب، لكن ذلك ليس على حساب باقي المجالات والكليات الحاضنة لتخصصاتها، فحاجة المغرب لكل التخصصات والجامعات بتخصصاتها وروافدها العلمية دون تمميز بينها، هو ضرورة يمتد أثرها عبر الزمان ويفرضها الواقع بمختلف أبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية بحسب امتداد الوطن وتنوع اختيارات الإنسان.

هذه النظرة التجزيئية للتعليم هي التي تنال من التعليم ذاته، وتقصر وظيفته في زوايا ضيقة لا ترقى للآمال المعلقة عليه، حيث الحاجة ماسة لسياسة تعليمية تنظر بشمولية لمختلف التخصصات العلمية وتضع لها نظامًا بيداغوجيًا، يكون معينًا على النهضة المجتمعية والوطنية، وفق اختيارات وطنية تخدم النهضة على المدى البعيد، باعتبار النهضة متعددة الأبعاد والجوانب، بين الثقافة والفنون والمعرفة والعلوم التقنية والإنسانية والاجتماعية والقانونية، وذلك لن يتم بمجرد التكثير من البنايات والمؤسسات، وإنما بروح تنظم عمل المؤسسات، وفلسفة تحكم التعليم على المستوى النظري والعملي في أبعاده السياسية، وتحد من بعض القيود التي بتنا نسمع بها بين الحين والآخر أمام الراغبين في دخول الجامعات، وهي المتعلقة برسوم التسجيل.

إن حمى فرض الرسوم على الطلاب الملتحقين بالجامعات في الوطن العربي ما هو إلا شكل من أشكال ضرب مجانية التعليم، وبخس مكانة الجامعات والمعاهد العلمية ووظيفتها، بدءًا من الأردن التي بدأت في تطبيقها والزيادة فيها هذه السنة ثم أحجمت عن ذلك تحت ضغط الحراك الطلابي، مرورًا بمختلف البلدان العربية، مثل المغرب الذي ألمح وزير التعليم العالي فيه أكثر من مرة عن ضرورة فرض الرسوم على الأغنياء لدخول الجامعات ومؤسسات التعليم العالي.

ففي الوقت الذي ننتظر التشجيع على التعليم بالزيادة في الإنفاق عليه، وتحديث المختبرات والمراكز العلمية، وتجويد بنيات البحث والارتقاء البنيات المستقبلة والوضعية الاجتماعية للطلبة، نرى أن المنطق النيوليبرالي الذي لا يرى الجامعة إلا من خلال منطق السوق- بدأ يستحوذ على رؤى رجال السياسة والمكلفين بتدبير الشأن العام في وطننا العربي، وهو أمر معلوم إذا أخذنا بعين الاعتبار إملاءات صندوق النقد الدولي وغياب الاستقلالية في التفكير بشأن التعليم، إلى جانب حالة الفوبيا من الجامعات وضعف إرادة النهوض أو انعدامها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك