مركزية التعليم في النهضة اليابانية الحديثة..(1)

30 أغسطس , 2015

أثارت النهضة اليابانية الحديثة الكثير من الإعجاب بالنسبة للمراقبين والمهتمين بالفكر النهضوي، كما شكلت فضاءً خصبًا للدراسة والاهتمام لدى الباحثين العرب تلمسًا للنهوض الممكن، سيما أن الانبعاث النهضوي الياباني من التخلف كان متزامنًا مع تفكير المسلمين والعرب في نهضتهم، بل إن تجاربًا عربية كانت متوازية مع انطلاقة اليابان في عصر الميجي، ونخص بالذكر التجربة المصرية مع محمد علي باشا في المنتصف الثاني من القرن التاسع، لكن التجربة العربية أصيبت بالنكوص فيم استمر اليابانيون في انطلاقتهم التي لم تكن مقتصرة على التحديث الإداري والعسكري، وإنما شملت مختلف المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية لتحقق بذلك استقلالاً ذاتيًا، عكس التجربة النهضوية المصرية التي كان محورها الأساسي البعد العسكري، فلم تكن تجربة شاملة لمختلف مناحي الحياة، كما أنها لم تشرك مختلف الفاعلين والمكونات الاجتماعية، لذلك تحللت سريعًا وانتهت بالتغريب، عكس التجربة اليابانية التي انبنت على المقومات الذاتية للشخصية اليابانية مع الانفتاح المقدر على مختلف أصناف العلوم والمعارف وبإشراك كل القوى والفاعلين من خلال الحوار وتبني الوفاق، وذلك أدى إلى بذر مقومات نهضة رغم التحديات الغربية والأطماع التي كانت هدد اليابان حينها.
وبالنظر إلى المجالات التي شكلت رافعة للنهوض الياباني نجد الاهتمام بالتعليم والمعارف أس ذلك وجوهره، سيما في عصر الميجي جيث شمل التحديث كل البنى السياسية والاجتماعية وكان التعليم في صلب ذلك التحديث، وتلك المرحلة هي التي سنحاول مقاربتها في هاته المقالة، في انتظار تتمة تطور النظام التعليمي في اليابان إلى حدود اللحظة، والاقتراب من السياسة التعليمية في تلك المرحلة يجعلنا نقف أمام الأساس الصلب الذي امتد أثره لحدود اللحظة، وهو ما جعل اليابان تقوم من طبوات عدة كان أخطرها تبعات الحرب العالمية الثانية.
فكيف أسهم التعليم في عصر الميجي وما قبله في تشييد النهضة الحديثة؟
1) التعليم في مرحلة ما قبل الميجي..أو في مرحلة العزلة الطوعية.
مر التعليم الياباني بعدة مراحل، وقد كان اهتمام اليابانيين بالتعليم منذ حكم أسرة ”توكوغاوا” في عصر إيدو بين سنتي “1603_1868″، أي إلى حدود إنهاء حكم أسرة توكوغاوا وانطلاق عصر الميجي لما باتت أخطار خارجية تتهدد اليابان ومساعي غربية للتحكم في الدولة التي كانت شبه متهالكة، غير أن حالة التراجع في عصر ما قبل الميجي لا يعني عدم الاهتمام بالتعليم، بل إنه انتشر في كل إقطاعية مؤسسات تعليمية وتربوية خاص بفئة المحاربين الأكفاء الساموراي، وقد انتشرت “مدارس (تيراكويا –Terakoya) مدارس المعابد –من بداية هذا العصر وازدادت في النصف الثاني منه خصوصًا من عام 1830م، وهي مدارس تشبه الكتاتيب لتعليم أبناء الشعب القراءة والكتابة والحساب والقواعد الأخلاقية، وكذلك انتشرت مدارس (غوغاكو-Gogaku) في النصف الثاني من هذا العصر والتي تنقسم إلى نوعين، نوع منها لتعليم طبقة الساموراي والآخر لتعليم عامة الشعب” ، وإلى جانب هذا النوع من المدارس “انتشرت أيضًا مدارس أشبه بالمدارس المتوسطة تعرف ب(شيجوكو Shijuku) للتعليم المتوسط من النصف الثاني لهذا العصر أيضًا” ، وبذلك ازدادت نسب التعليم بين مختلف فئات الشعب الياباني لتصل إلى حدود 43% للذكور و 15% للإناث في وقت قيام حركة ميجي بحسب الدراسة متجاوزة دولاً غربية وأفضل من دول نامية كثيرة الآن لا تزال تسجل نسب مرتفعة في منسوب الأمية في الوقت الذي تعتبر اليابان الأمي من لا يعرف لغة أجنبية ولا يتقن التعامل مع الحاسوب.
إن ما سلف يجعل بذور النهضة اليابانية الحديثة منغرسة في عصر ما قبل الميجي، حيث كان الاهتمام بالتعليم، غير أن عصر الميجي الذي سيشهد تغييرًا جذريًا وإصلاحًا لمختلف المجالات تأسيس لنهوض اليابان الحديثة، سيجعل من التعليم جوهر اهتمامه إلى جانب باقي المجالات والقطاعات.
2) التعليم وإشاعة المعرفة جوهر الإصلاحات في عصر الميجي
كان النظام التعليمي والجانب التعلمي جوهر الإصلاحات التي قامت بها اليابان في عصر الميجي، فقد كان الاهتمام بالجانب العلمي والمعرفي بتم بالتوازي مع باق الإصلاحات التي شهدتها اليابان وتأسست عليها نهضتها، وتجاوزت مرحلة التخلف والاضمحلال إلى حالة من التحديث للنظام السياسي والمجتمعي، من خلال ركائز عدة شملت مختلف المجالات، وكان منها تطوير التعليم ونقل المعرفة، حيث تم “البحث لاكتساب الثقافة والتعليم العصري في أي مكان في العالم واستخدامهما في بناء ركائز الإمبراطورية اليابانية” .
فطبيعة تلك الإصلاحات وإن كانت تحمل في ثناياها نزعة استبدادية حيث تركزت كل السلطات في يد الإمبراطور تجنبًا للمخاطر الخارجية وتجاوزا للانقسام الداخلي وإنهاء لحالة الترهل، لكن ركائز الإصلاحات التي شملت كل المجالات كانت متداخلة فيما بينها يتأثر بعضها ببعض، فكان تطور النظام التعليمي ضرورة وثمرة لمجمل التغييرات الاجتماعية، فالتعليم والمعرفة هو القادر على الارتقاء باليابان وتلبية حاجياتها ومتطلباتها التحديثية التي ولجتها، فالتعليم جوهر النهوض والإصلاح في أي بلد يخطوا مساره نحو النهضة، وما لم يكن النهوض بالمسألة التعليمية، كما تشير إلى ذلك مختلف التجارب، فإن الحديث عن النهضة والإصلاح مجرد ادعاء لا يعكس الحقيقة والواقع.
لذلك كانت الإصلاحات الجذرية التي طالت النظام التعليمي الياباني الذي تم بموجبه إشاعة التعليم ونشر المعرفة والارتقاء بالوعي مبكرة في اليابان مما أثمر نتائج مهمة وحقق إنجازات ملموسة سيمتد أثرها لحدود اللحظة، يشير مسعود ضاهر إلى تلك المرحلة المبكرة من إصلاح النظام التعليمي بالقول “في عام 1890، طبق نظام اللباس الموحد في المدارس على جميع الطلبة اليابانيين، وفي العام 1890، أدخلت تعديلات مهمة على نظام التعليم الياباني، بهدف تحويله إلى نظام عصري بالكامل، وعلى جميع مستويات الدراسة، وفتحت تباعًا خمس جامعات أولها الجامعة الإمبراطورية في طوكيو التي أسست 1877م والتي أوكلت إليها حتى الآن مهمة تخريج أفضل الكوادر العلمية والإدارية للدولة اليابانية، وللشركات الخاصة اليابانية. ثم نشأت تبعًا جامعات كيوتو، وتوهوكو-ساندي Sendai-Toboku، وفوكواوكا كيوشو Fukuoka-Kyushu، وسابورو- هوكايدو Sapporo – Hokkaido، وقد لعبت تلك الجامعات الدور الأساسي في نشر فكرة المساواة بين اليابانيين، يشعر فيها كل ياباني بأنه فرد كامل العضوية في جماعة بشرية تحترم كفاءته الشخصية، ويبادلها الاحترام بالحفاظ على القيم والتقاليد اليابانية، التي جعلت من اليابان نموذجًا يحتذى في الحفاظ على الأصالة، إلى جانب الدخول في الحداثة حتى أبعد الحدود” .
ولم ثقف الأمر عند فتح الجامعات من طرف الدولة اليابانية، فلقد “سارعت الكثير من الإرساليات الأجنبية إلى فتح مدارس وجامعات لها، في اليابان، ويغلب عليها الطابع العلماني وليس التبشيري، وبرزت أهم تلك الجامعات في طوكيو وهي: جامعة كيئيو Keio التي أسسها فوكوزاوا Yukichi Fukuzawa العام 1858، وجامعة واسيدا Waseda التي أسسها أووكوما Shigenobu Okuma العام 1882، ولعبت تلك الجامعات دورًا ملحوظًا في نقل الكثير من المقولات والأفكار الليبرالية والإصلاحية الغربية إلى اليابان منذ وقت مبكر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر” .
كان للانطلاقة اليابانية في قضية التعليم وحجم الاهتمام الذي منحته الدولة للقطاع، بحيث تتم الاستفادة من التراكمات الحاصلة وإضفاء الصبغة الوطنية عليها، أو نقل الخبرة والأفكار الغربية والانفتاح على مختلف صنوف المعرفة، كل ذلك سيصل باليابان في سنة 1910 إلى إلزامية التعليم “لجميع البنات والصبيان ما بين سن السادسة عشر والحادية عشرة، وارتفعت نسبة الطلاب بشكل بارز كما يؤكد الجدول التالي لذلك العام :
عدد طلاب المدارس الابتدائية
عدد طلاب المدارس المتوسطة
عدد طلاب المدارس الثانوية
عدد طلاب الجامعات 6 ;335 ;261
219 ;203
66 ;300
7 ;239
وتعتبر هذه النسبة مجهود 40 سنة من الاشتغال والعمل المتواصل، أي ما بين (1870_1910) “لم يحقق خلالها أي بلد آسيوي تقدمًا مشابهًا، ولم تعد أوضاع التعليم في اليابان أقل تطورًا مما كانت عليه في غالبية دول العالم، ومنها أرقى الدول الأوربية والأمريكية، وبات التعليم التقني والمهني في اليابان يحقق أفضل النجاحات على المستوى العالمي في هذا المجال”.
ولم يكن التعليم مقتصرًا على الذكور، بل امتد ليشمل المرأة ويسهم في الارتقاء بوضعيتها الاجتماعية ومكانتها، فشمل تواجدها مختلف المجالات والقطاعات بدءً من التعليم إلى الإدارة فالصناعة وغيرها، وكان للتعليم باعتباره رافعة النهوض بالعقل والوعي أساس التحرير والتطوير الذي لحق مختلف المجالات، فما شهده عصر الميجي من ثورة هادئة في مجال التعليم كان شبيه به في باقي القطاعات والمجالات، وما كان للتحديث الاجتماعي والإداري والعلمي والعسكري أن يتم دون النواة الصلبة التي تشكل روح الإصلاح وعموده الفقري، ويتعلق الأمر بتطوير مناهج التعليم ورؤية الدولة والمجتمع المستوعبة لوظيفته في سياق التحديات التي كانت تنمر منها اليابان، ويكفي أن اليابان بفعل تلك الإصلاحات رغم ما يمكن أن يسجل عليها، فإنها خرجت من أقوى الدول نهاية القرن 19 وبداية العشرين، وذلك عائد بالأساس لرؤية نهضوية أصيلة تكتنز من مقدرات الذات وتنفتح على الآخر وتجعل من المعرفة صلب النهوض.
3) النهضة اليابانية: تحديث شامل دون قطيعة مع الذات
إن التعليم في اليابان بقدر ما أسهم في التطور والإفادة من الحضارة الغربية لم يؤدي إلى الانفصال مع الذات أو القطيعة مع الماضي، فالنهضة اليابانية استفادت من التجربة الغربية في التحديث لكن بعيداً عن التماهي معها والتنكر للذات، وقد أشار إلى ذلك الباحث سلمان بونعمان حين حديثه عن خصائص النهوض الياباني والأسس التي استند عليها، مبديًا مقارنة مرحلة الميجي التي تأسست على الإيجابي من مرحلة توكوغاوا وكذا عدم الاستلاب إلى الآخر في التأسيس للنموذج النهضوي المستند إلى العلم والمعرفة، وفي ذلك يقول “لقد انطلق رواد الإصلاح من الحاجة الملحة لتطوير النظام التعليمي الياباني ليواكب مستجدات العصر ومناهجه، مستحضرين الخبرة الحضارية التاريخية المراكمة خلال مرحلة توكوغاوا، لكنهم سعوا إلى تجاوز منطقها المنغلق على الذات، وفي الوقت نفسه عدم إحداث قطيعة مع التراث الثقافي الياباني. إنها تلك القدرة التفكيكية المبدعة في الاستفادة من الروح العامة السائدة في فترة ما قبل الميجي وتطوير الإمكانات الكامنة بداخلها والتجديد الجذري في المضامين والمناهج والأشكال دون السقوط في التقليد الغبي أو استنساخ التجارب الفاشلة أو التغريب الاستلابي اتجاه الآخر” .
والمتأمل في التجربة النهضوية اليابانية حينها والتي كانت تفخر بأصولها الحضارية والتاريخية ومقارنتها بالتجارب النهضوية العربية، يدرك تمامًا أن النهضة العربية لم تكن مستحيلة، وإنما كانت متاحة وتعرضت للإجهاض لعدم وجود رؤى وطنية ناجزة للنهضة والتحديث كما هو حال اليابان، وكذا بفعل الاستعمار المبكر الذي طال الأمة الإسلامية والعربية ومدى الحقد الذي يكنه الغرب للعالم العربي والإسلامي لذلك عمل على الإبقاء عليه بعيدًا عن أي تفكير في النهضة أو إعاقتها كما هو حال العديد من التجارب (مصر تركيا تونس ..).
وقد كانت تلك التجارب معرضة للفشل حتى لو لم يعترض سبيلها العامل الخارجي المتمثل في الاستعمار، أو يفتك بها العامل الداخلي المتمثل في القابلية للاستعمار وعقلية التخلف التي يستبطنها إنسان ما بعد الموحدين الذي يعيق العقل المسلم عن الانطلاق ويحرمه من إرادة النهوض والفعالية الاجتماعية، كما يشير لذلك مالك بن نبي ؛ فما كان لتلك التجارب أن تنجح ما لم تستند على التعليم وما لم تكن منضبطة لخطة نهضوية شاملة تسع جميع المجالات وتسمح للتحديث بالنفاذ إلى عمق البنى الاجتماعية والسياسية، دون التنكر للذات كما فهم الكثير من نخبنا النهضة خطئًا أو عجزًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك