مشكلة التوجيه الدراسي-أن يكون مستقبلك رهينا بقرار خاطئ

28 يوليو , 2015

صديقي (أ.ع) من أعز أصدقائي، درسنا سوية في المرحلة الإبتدائية، وشاءت الظروف أن نتابع دراستنا سنتين في المدرسة العليا للتكنولوجيا في سلا بعد الباكالوريا، تخصص الهندسة المدنية، ثم سنة الإجازة في كلية العلوم والتقنيات بمدينة طنجة، قبل أن نفترق بعد اختياره إكمال الماستر في الديار الفرنسية، فيما أكملته أنا في نفس الكلية المغربية.

لم يكن (أ.ع) طالبًا نجيبًا، لكن هذا لا يعني عدم تمتعه بدرجة كبيرة من الذكاء، لكن الناظر إليه سيفهم أنه كسول، يتابع الدروس بلامبالاة وعلى مضض، والسبب بسيط، فذهنه مشغول بأمور أخرى !

انتسب (أ.ع) منذ سنوات طفولته الأولى إلى ناد رياضي ليتدرب على رياضة الجودو، ومع مرور السنوات تطور مستواه في اللعبة واحترف فيها، وحصل على الحزام الأسود، بل وأصبح يشارك في بطولات وطنية وعربية.

كان الموضوع الوحيد الذي يحب الخوض فيه هو عن رياضته المفضلة وأبطالها الدوليين ومسابقاتها، أما الدراسة فكانت نوعًا ما تأدية واجب لا أكثر، لأن عشقه الأول والأبدي لرياضته المحبوبة، التي كان يحلم دومًا بالتمكن من تمثيل المغرب بها في المحافل الدولية، ولما لا بطولة العالم والألعاب الأولمبية.

كنا قد تعودنا على قدومه متأخرًا إلى الحصص الدراسية وقد هده التعب، وفي أحيان كثيرة تزين وجهه جروح وإصابات من مشاركاته في بطولات الجودو، وبدا مع مرور الوقت أنه لن يتخلص أبدًا من هوايته التي سيطرت على كل شيء حتى على حساب دراسته.

حتى عندما ذهب لإكمال دراسته بفرنسا في ماستر الهندسة المدنية مدفوعًا ربما برغبة والديه، اختار متعمدًا مدينة معينة لشهرتها بالأندية المتخصصة في الجودو، وبدا أن التفوق في دراسته آخر ما يفكر فيه، أمام انفتاحه على أجواء أخرى ستمكنه من تطوير قدراته وخبرته في الجودو.

لكنه وضع حدًا لكل هذا التخبط بعد عودته من فرنسا حاملا شهادة الماستر في الهندسة المدنية، فأمام دهشة والديه، ورغم اعتراضهما وحنقهما على قراره، قرر هو بكل بساطة التخلي عن تخصصه الجامعي، واجتياز مباراة تكوين الأساتذة في تخصص التربية البدنية، وبالفعل نجح فيه بإمتياز، و خضع لتكوين مدته سنة واحدة، وهو يستعد حاليًا لتسلم مهامه كأستاذ تربية بدنية بشكل رسمي!

لماذا هذه القصة عن صديقي؟

ذكرت هذه التفاصيل كلها للإشارة لمشكل كبير يعاني منه أغلب الطلبة إن لم أقل كلهم، وهو سوء التوجيه الثانوي والجامعي، فالكثيرون يشتكون من أنهم يكرهون مايدرسونه ولا يطيقونه، لأنه مخالف لما يفضلون وينشدون، فيرزخون تحت وطأة ثقل المواد، ما يؤثر بالسلب على مسارهم الدراسي ومستقبلهم الوظيفي، وهذا راجع لعدة ضغوطات، أغلبها مجتمعية، فعلى سبيل المثال اقتنع الكثيرون بفكرة خاطئة مفادها أن منتسبي الآداب لا مستقبل لهم، وأن الحاضر للشعب العلمية، فأقبل عليها الجميع حتى لو كانت ضد أهوائهم، لكن الطريف هنا أن امتلاء الكليات بحملة الشواهد العلمية أدى لارتفاع مهول في نسب البطالة لهؤلاء، يقابله انتعاش ملحوظ لحملة الشواهد الأدبية التي أعرضت عنها الأغلبية، ما سمح لهم بإيجاد فرص عمل تناسب تخصصاتهم الأدبية بسهولة تامة.

الحل في هذا الصدد يكمن في الدرجة الأولى بتوعية الآباء بضرورة إعطاء هامش حرية للأبناء في اختيار مستقبلهم، وكذلك تحلي الأبناء ببعض الشجاعة، شجاعة تحلى بها (أ.ع) فاختار ما يناسبه في نهاية المطاف وتفوق فيه بشكل ملحوظ معوضًا سنوات طويلة من التعثر والفشل، وتحمل امتعاض والديه مقتنعًا بتفهمهما لقراره مع مرور الوقت، فالمهم أنه أخذ زمام المبادرة وصحح مسار حياته الذي كان ليضيع لو رضي بواقعه، وحبذا لو حذا الكثيرون حذوه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك