تعليم الفلسفة للأطفال .. مصدران أساسيان لأدب الأطفال الفلسفي

12 أبريل , 2020

أدب الأطفال هو:

شكلٌ من أشكال التعبير الأدبي، وفنٌّ من الفنون الإنسانية الرفيعة، يوجَّه إلى جمهور الأطفال، يتميَّز بالاهتمام بميولهم وحاجاتهم، وبإثارة انفعالات عاطفية وإحساسات جمالية فيهم، كما يتميَّز بملاءمته ـ مضمونًا وأسلوبًا وإخراجًا ـ لمراحل نموِّهم المختلفة. تكمن أهدافه في تنمية شخصية الأطفال تربويًا ونفسيًا واجتماعيًا، وتلبية حاجاتهم المختلفة، وإطلاق قدراتهم إلى آفاق واسعة[1]

 

ومن هنا فالأدب هو من أوائل منافذ الطفل على هذا العالم، ومن أولى روافده النفسية والفكرية والعاطفية. لذلك من الاختزال الفاسد التعامل معه باعتباره تسلية مجردة، دون العناية بتلك الأبعاد التربوية، ودون الالتفات لآثار مختلف الوسائط الإعلامية على تكوين الطفل على المدى البعيد.

 

ويعد الفكر الفلسفي بما يشتمل عليه من حكمة ومنطق من المجالات المغفول عنها في أدب الأطفال، من حيث التأليف المعاصر فيه بغزارة تكافئ المجالات الأخرى، ومن حيث العناية بتعريف الطفل على ما تم تأليفه فيه من أمهات المؤلفات وعريقها.

 

وميزة ذلك التراث أنه يقوّم حس الطفل ووجدانه على ذلك “الزمن الجميل” حيث الأخلاق الأصيلة والفهم الدقيق والفطنة لجوانب التعامل، بخلاف السائد اليوم الذي يستمد مادته من السائد غالبًا، ويختزل درجات الأخلاق المختلفة لتعميمات سطحية، فلا تفرقة بين لين وتسيب، ورفق وتساهل، وشدة وغلظة، وبخل وتقتير .. إلخ.

 

بالتالي يساهم ذلك التراث في تشكيل البنية اللغوية للطفل كما الفكرية والوجدانية، ويعوّده دقة التعبير وحسن الإبانة عن مكنوناته ورؤاه، ويورثه اتجاهات تربوية في التعامل ترسخ فيه بمجرد تمثل القصة أو الشخصية التي ترتسم له في الأدب الذي يطالعه.

 

ومن أمهات مصادر أدب الأطفال الفلسفي:

1- كليلة ودِمنة: لعبد الله بن المقفّع

 

وهي مجموعة قصص تُحكى على لسان أبطال من الناس والحيوان والطير، أصلها هندي تم تأليفه على لسان الفيلسوف “بيدبا” نزولًا عند رغبة ملك الهند “دبشليم”، الذي طلب منه أن يؤلف له خلاصة الحكمة بأسلوب مسلي. ثم نقلت من الهندية للفارسيّة على يد الطبيب “برزويه” في عهد كسرى فارس “أنوشيروان”، ثم ترجمها وعرّبها عبد الله بن المقفع، الأديب والمفكّر الفارسي الأصل، الذي اعتنق الإسلام وعاصر كلًا من الخلافة الأموية والعباسية.

 

تقوم مجموعة قصص كليلة ودمنة على المنهج الرمزي المبطّن، إذ ترمز الحيوانات الرئيسية فيه لشخصيات بشرية حقيقية. ومن أبرز شخصيات الحيوانات التي يتضمّنها الكتاب، الأسد الذي يمثّل الملك “دبشليم” (ويرمز إلى كل ملك أو ذي منصب عامة)، وخادمه الثور الذي يُدعى «شتربه» والذي يمثل الحكيم “بيدبا” (والمستشارين الناصحين عامة)، بالإضافة إلى اثنين من ابن آوى وهما «كليلة» و«دمنة» اللذين تنسج من حواراتهما مختلف القصص.

 

وبالإضافة للرمزية المبطّنة، تجد أساليب أدبية أخرى، مثل القصة الإطارية، أي القصة الكبرى التي تحبك في داخلها قصص أخرى، وأسلوب السرد والقص عامر بالصور البلاغية وبراعات الانتقال بين مختلف الأزمنة السردية. والسلسلة زاخرة بتعاليم أخلاقية وحكمة مستقاة تعم الفرد والمجتمع. ومن أبرز القضايا التي تعرضت لها القصص:

– الوشاية التي تعمل على إفساد الصداقة في “حكاية الأسد والثور”

– وإخوان الصفا في “حكاية الحمامة المطوّقة”

– وعدم الاغترار بما يبديه عدو من تلطّف ظاهري في “حكاية البوم والغربان”

– وعمل المعروف في غير موضعه مع ابتغاء الشكر عليه في “حكاية السائح والصائغ”

– وعاقبة تقديم المشورة للغير مع عدم تطبيقها شخصيًا في حكاية «الحمامة والثعلب ومالك الحزين»

 

واللافت أن هذه الحكايا قد تم تطويعها لمختلف الوسائط المرئية والمسموعة والمقروءة، ومختلف الأعمار، بما لا يدع حجة لمستصعب لها باعتبارها “تراثية”. لكن القرارة وسيط لا غنى عنه، من حيث اعتياد الطفل الأسلوب السردي والحبكة القويّة، فضلًا عن إعمال طاقات الخيال والتصوّر.

 

ومن الجهود المعاصرة في تبسيطها سلسلة “قصص من كليلة ودمنة” التي أصدرتها مكتبة مصر بالفجالة، وسلسلة مشابهة من إصدار دار نهضة مصر بالفجالة كذلك.

 

2- أشعار شوقي للأطفال

 

يعد أمير الشعراء أحمد شوقي من روّاد أدب الأطفال، وقائد الدفّة في شعر الأطفال خاصة. ويحكي الأمير نفسه عن توجهه هذا في مقدمة “الشوقيات”، متأثرًا بحكايا لافونتين الفرنسية (المتأثر بدوره بكليلة ودمنة):

“وجربت خاطري في نظم الحكاية على أسلوب (لافونتين) الشهير، وفي هذه المجموعة شيء من ذلك، فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث، أجتمع بأحداث (أي صِغار) المصريين وأقرأ عليهم شيئًا منها فيفهمونه لأول وهلة! ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره، وأنا أستبشر لذلك وأتمنى لو وفقني الله لأجعل الأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة، منظومات قريبة المتناول، يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم” .

 

ويختلف المضمون عند شوقي من حيث كونه توجيهيا تربويًا في المقام الأول، لا لمجرد الطرافة والقصّ. ومن ذلك قصيدته البديعة “برز الثعلب يومًا”:

 

برز الثعلبُ يومًا ** في شعار الواعِظينا

فمشى في الأرضِ يهذي ** ويسبُّ الماكرينا

ويقولُ : الحمدُ للـ ** ـهِ إله العالمينا

يا عِباد الله تُوبُوا ** فهموَ كهفُ التائبينا

وازهَدُوا في الطَّير، إنّ الـ ** ـعيشَ عيشُ الزاهدينا

واطلبوا الدِّيك يؤذنْ ** لصلاة الصُّبحِ فينا

فأَتى الديكَ رسولٌ ** من إمام الناسكينا

عَرَضَ الأَمْرَ عليه ** وهْوَ يرجو أَن يَلينا

فأجاب الديك : عذرًا ** يا أضلَّ المهتدينا!

بلِّغ الثعلبَ عني ** عن جدودي الصالحينا

عن ذوي التِّيجان ممن ** دَخل البَطْنَ اللعِينا

أَنهم قالوا وخيرُ الـ ** ـقولِ قولُ العارفينا:

” مخطئ من ظنّ يومًا ** أَنّ للثعلبِ دِينًا»

 

 

المصادر

[1] “أدب الأطفال وروّاده” : عبد المجيد إبراهيم قاسم – مجلة الرافد الثقافية



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك