معلمات لن أنساهن!

29 مارس , 2016

     قلم وورقة ودفتر وكتاب ومعلم هي بعض من الرموز والصور التي عادة ما تخطر في أذهاننا حين يُذكر اسم “مدرسة”.

لكنها في حقيقة دورها وأثرها على عقولنا وفكرنا ونشأتنا تعد أكبر وأعمق من هذا بكثير. فهي المكان الذي نقضي فيه سنوات طويلة من عمرنا نتعلم فيه أمورًا نحرص على تطبيقها في ما بقي لنا من عمر.

ودور المعلم من هذا المنطلق هو أهم وأعمق من مجرد ملقن للطلبة وشارح للدروس، فهو الموجه والناصح والمربي. في المقال التالي أشارككم أمثلة حية لمعلمات في حياتي تركن أثرًا في نفسي، سواء كان هذا الأثر إيجابيًا أو سلبيًا:

كيف أحببت النحو

   أما أولهن فكانت مدرستي للغة العربية في الثانوية. وكانت من أكثر من عرفت من المعلمات تميزًا. اتفقت معنا المعلمة من الحصة الأولى في العام الدراسي، أن تقوم بتدريس وشرح منهج اللغة العربية كاملًا باللغة العربية الفصحى. ومن جهتنا، كان علينا أن نتجاوب معها في الصف بالعربية الفصحى كذلك. ولا أخفيكم أن عرضها هذا لاقى رفضًا في بادئ الأمر، حيث شككت الكثيرات في قدرتهن على فهم اللغة العربية الفصحى ناهيكم عن التجاوب بها، خاصة فيما يتعلق بدروس النحو وما يمثله من أزمة وتحد لكثير من الطلبة. فنزل عليهن هذا القرار كالصاعقة، واعترضت الكثيرات، فرأت المعلمة بذكائها أن نصل لحل وسط، واتفقنا في النهاية أن نجرب على الأقل حصتين في شرح النحو باللغة العربية.

وأبشركم أن التجربة لاقت نجاحًا كبيرًا وقبولًا رائعًا. كما إنني أدين لتلك المعلمة بفهمي وتطبيقي لكثير من دروس النحو وقواعده إلى وقتنا هذا، خاصة التي كانت معروفة بالتعقيد والصعوبة كتمييز العدد مثلًا.

    هذه المعلمة الفاضلة لم تعلمنا فحسب دروسًا في النحو واللغة العربية بل علمتنا درسًا مهمًا في الحياة: إنّ الكثير من الأمور التي اعتدنا عليها وألفناها ليس من الضرورة أن تكون صحيحة وقطعية، وإلا فلا مجال للإبداع والتجديد والتجريب.

كما أنها بهذه التجربة العملية قد صححت فكرًا كان سائدًا وراكدًا في عقولنا لسنين، ألا وهو أن اللغة العربية الفصحى صعبة الاستيعاب والفهم، وكان من المحتمل أن يستمر هذا الاعتقاد في أذهاننا لولا خوضنا لتلك التجربة الفريدة!

هل تستحق التحية…!

     أما تجربتي مع المعلمة الثانية فكانت سلبية للأسف ولم أستطع نسيانها قط. كنت في الصف الثاني الابتدائي وقد طلبت منا الجلوس في صمت. وأذكر أنه لم يكن هناك سبب منطقي لذلك اللهم إلا أنها كانت تقوم بتصحيح الكراسات. وبعد دقائق طويلة من الصمت المضني في هذه السن الغضة، همست لزميلتي التي بجانبي بعبارة لا أذكرها. ففوجئت بالمعلمة تنادي علي، ثم صفعتني على وجهي بكل ما أوتيت من قوة! لم أبك حينها فقد كنت في صدمة من الموقف، لكني صرت أتجنبها في ما تلى من أيام.

مضت عدة سنوات على تلك الحادثة، وحدث أن لقيتها في أحد الأسواق، وهممت أن أتوجه إليها لألقي التحية، وإذا بالموقف السابق يتراءى لي بكل تفاصيله، فتراجعت ولم أسلم عليها، تذكرت حينها مقولة مفادها: “إن المقدمات الصحيحة تؤدي دائمًا وأبدًا إلى نتائج صحيحة”، ومقدمات هذه المعلمة في التعليم والتربية لم تكن صحيحة، فبالتالي أدت إلى نتائج خاطئة وذكرى سيئة حملتها في نفسي مدى الحياة.

   هناك الكثير من الأمثلة والنماذج على مدى أثر المعلم في التوجيه الفكري والتربية النفسية على الصعيد السلبي والإيجابي:

من ذلك ما يحكيه الكاتب الإسلامي الأستاذ خالد محمد خالد في مذكراته “قصتي مع الحياة”، كيف أدى ضرب الشيخ له في الكتَّاب إلى تلعثمه عند قراءة سورة الجن حتى تجاوز الستين من العمر، وهي السورة التي لا تتجاوز الصفحتين في المصحف الشريف، ويعزي الأستاذ خالد محمد خالد ذلك إلى أنه كلما قرر مراجعتها، تذكر ضرب الشيخ التعسفي له فتبلبل وتلعثم.

ويذكر الأستاذ طــــه حسين الأديب المصري الضرير في كتابـــه “الأيام”، أنه حينما تقدم للامتحان الشفوي دعاه أحد الممتحنين بقوله: “أقبل يا أعمى!”، و”توماس أديسون” المخترع الأمريكي الذي طور صناعة المصباح الكهربائي والعديد من الأجهزة الأخرى  لقبه معلمه وهو صغير بالطفل الغبي الذي لا يصلح لشيء!

    أما من ناحية تأثير المعلم الإيجابي، فلا أرى خيرًا من ضرب المثل بمعلمِ وسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فحين أراد أن يشجع عبد الله بن عمر رضي الله عنه علي قيام الليل، استخدم أسلوب المدح بدلًا من التلقين المباشر، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: “نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ”. فقيل أنه بعد سماعه لعبارة النبي صلى الله عليه وسلم، صار لا ينام من الليل إلا قليلا.

وانظروا إلى طريقته صلى الله عليه وسلم الراقية وهو يعلم معاذ بن جبل رضي الله عنه دعاءً يردده بعد كل صلاة. يحكي الموقف معاذ بن جبل رضي الله عنه بنفسه فيروي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ: “يَا مُعَاذُ، وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: “بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَنَا أُحِبُّكَ”. قَالَ: “أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ”. فكان أن صارت من الأدعية المأثورة بعد الصلاة يرددها المؤمنون إلى يوم الدين!

     وفي الختام، فهذه دعوة للمعلمين لئلا يكونوا ملقنين وآمرين وناهين بل مربين وموجهين وقيادين. وأهيب بهم أن يهجروا الضرب والإهانة والتعنيف كأساليب للتعليم والتوجيه فإنما هي سبل للانحراف والتشويه، وأن يستبدلوها بـ “نعم العبد” و “والله إني لأحبك!” فهذه الوسائل أدعى أن تخلق جيلًا يفعل الخير رغبة ورهبة لا خوفًا وجبنًا!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك